هذه آخر ذكرياتي عن الياس أبو شبكة

جورج غريِّب قرأها 7
  

sergergs545555555555555yse5y.JPG

26-27 من 35

26. أرزُنا غرس الإله

في أوائل رحلتي مع الأساتذة فليفل (1940) وتلحينهم أناشيد وطنية، طُلب مني وضع كلمات لإحدى مناسباتنا القومية. أخذتُ بالفكرة ورحتُ أتهيَّأ لها، فالنّشيد المكتملُ مبنىً ومعنىً هو (بشهادة أمين نخلة) من أصعب المحاولات الشعرية.

ذات يوم، وأنا في صومعتي العينطورية منكبٌّ على وضع نشيد مطلوب، أمام ورقة بيضاء سجَّلتُ عليها مطلع نشيد يقول: "أرزنا غرسُ الإله"، وقفتُ طويلاً عنده مفتِّشاً عن عَجُزٍ يكون بمستوى صدْر البيت. وبينما أنا مستغرق في التّأمُّل، منصرفٌ بكلِّيَّتي إلى التقاط الصُّور والرُّؤى، إذا ببابِ مكتبي يُقرَع. لم أُجِبْ، ففُتِح الباب، لكنَّني لم ألتفتْ إلى زائرٍ غيرِ مرغوبٍ فيه تلكَ اللحظات. ثمَّ دنا الزّائر منّي فلم أعرْهُ اهتمامي.

وبقيتُ في انكبابي على الورقة لإتمام البيتِ العصيّ، فإذا بالزّائر ينحني على المكتب فوق الورقة أمامي، مسْتَطْلِعاً سبب استغراقي. وما هي إلا برهةٌ وجيزة حتى انْتشل القلم من يدي وأكمل البيت الذي وقفتُ دون عَجُزِه.

كنتُ كتبْتُ في الصَّدر: "أرزنا غرسُ الإله"، فكتب في العَجُز: "لم تزَلْ فيه يداهُ". عندئذٍ التفتُّ فإذا الزّائرُ هو أبو شبكة الذي بادرني بلهجة خطابيّة: "قلْ لهؤلاء المشكِّكين بتاريخ هذا الوطن إن الله كان فلاّحاً في بلادي".

27. لبنان أغنى كنوز الأرض

كان لصديقي الياس في بيته غرفةٌ هي عشٌّ دافيءٌ أمينٌ لم يكن يحلو له الكتابة إلا بين جدرانها، مدّعياً أن حياته الفكرية مكتومةٌ كلها هناك، ويشعر أن كلّ أحلامه انطلقتْ في ذلك الفضاء الضيِّق فأصبح لزاماً عليه ألاّ يكتب إلاّ وهو يستظلُّ فضاءً سهِر على آلامه وأحلامه.

ذات عشيّة، دخلتُ على الياس في غرفته الصغيرة تلك، فلمسْتُ على مُحيَّاه انهِماكاً وحيرة. وقبل أن يدَعَني أسْتوضِحَه انهِماكه وحيرته، أوضح لي بتلك العصبية المتأصِّلة فيه: "معهد الآباء المُرسَلين اللبنانيّين في جونيه –معهد الرّسُل- يُعِدُّ حفلة اختتام العام الدِّراسيّ في ختام هذا الشّهر، وألحُّوا عليّ أن أكون من شعراء الاحتفال. عمَّ تَراني أتحدَّث؟".

وقبل أن يدع لي مجالاً لإبداء رأيي، تابع: "عمَّ تحدِّث الشّباب إلا عن لبنان، وهم أبرياء لا يزالون يتطلَّعون إلى الغد بعين طافحةأملاً؟ علينا أن نصوِّرَه لهم صحيحاً، لا تعْتَوِرُه الأسقام والشّوائبُ. فلبنان أغنى ما وهبت الأرض من كنوز، على ترابه النّديّ، وفي شمسه الذّهب. فالدّنيا والمال لا قيمة لهما إذا جفَّت سهولُنا وشحَّتْ هِضابنا. كيف لا، وروح الله ما مرَّتْ إلاّ على هذا الأديم الذي تنتسبُ إليه الكتب، وإليه يعود مرجع الوحي وعياله. فأنا أمام هذه الرّبى أتساءل: أهي نُهودٌ مخصِبةٌ الحبَّ؟ إنني، أمام هذا الخليج، أتخيَّل ينابيع الفجر منسكبةً، وكلّما مسح المجدُ حلماًعن أجفانه، جاءتْه منه أحلام... فمتى يورِقُ الأدبُ في أغصان هذا الوطن؟".

وهنا انتفض الياس من سكرته هذه، وعاد إلى ذاته. وإذ رآني في خشوع واحترام أمام ألَمه وشوقه، استعاد سكْرَتَه وتابع بصوتٍ أشد حرقةً وحميّةً: "لنا، يا أخي آمالٌ في هذا البلد، آملٌ سامية! لنا شبابٌ يغلي الإيمان في دمه، وخمرة الأجداد توحي إليه النّشوة والعنفوان! لنا الْجمال والحبّ والعفاف وهي مواهب السّماء! أليس من الْحيف –ولنا هذا التّراث النّقي- أن يجني أبناؤه الشّوك والحطب"؟.

توقّف صديقي عن الاسترسال والْتفتَ إليّ متفحِّصاً. قلت: "كيف تستشيرُني في ما تكتُب، وقصيدتُكَ جاهزة؟".  فانْتفض في مكانه من جديد قائلاً: "وأنتَ قُلْت". وبينما تناول القلم مُكِبَّاً على ورقة بيضاء أمامه، انْسَلَلْتُ من ذلك العشّ الهادىْ، تاركاً لشعث الأفكار أن ينقاد للبناء.

ويجيء وقت الاحتفال فإذا أبو شبكة يطلعُ على الشّباب بقصيدة من قصائده الخالدة، تذكَّرْتُ عند سماعها ما كان ردَّدهُ لي يوم التقينا في عشِّه الدافيء. ومما جاء فيها:

لبنــان، أغنى كنوز الأرض ما تَهِبُ

على ثـراكَ النّـدى، في شمٍكَ الذّهبُ

ما قيمةُ المـال والدُّنيــا إذا انْكَمَشَتْ

هـذي السُّهـول وشَحَّتْ هذه الْهُضُبُ

على أديمِـكَ روحُ الله، مــا نزلَـتْ

إلاّ عليـكَ، ففي أعمـاقِـكَ الكـُتُـبُ

يا شـاطىء الحُسْنِ في الدّنيـا وقِمَّـتَه

إليكَ كـلُّ عيــال الوحي تنْـتَـسِبُ

هـذي الرُّبى، أثَـدِّيُّ الحبِّ مُخْصِبَـةٌ؟

هـذا الخليـجُ، أنبْـعُ الْفجْر مُنْسَكِـبُ؟

لا يمسح المجد عن أجْـفـانه حُـلُمـاً

حتَّــى تجيْـئَكَ منْـه أبْـرُدٌ قُـشُبُ

لبنــان، تلك الْمجـالي، مـا عليكَ إذا

ولَّـتْ، وأوْرَقَ في أغصــانكَ الأدبُ.

* * * * *

لنــــا بِلُبْنـان آمـالٌ مُحَبَّـــرةٌ

تـأتـي مِن الْحُلـُم الأسْمى وتقـْترب

لنـا الشّبـابُ، لنـا الإيمـانُ في دمِه

إذا الكُهـولُ تراخـَوا فيـه والشّيَـبُ

بروحـه خَمْـرةُ الأجـداد صـافيـةٌ

في ذِمَّـة اللـه والتاريـخ ما شرِبـوا

أُعْطيتَ لبنـانُ، مـا لم يُعْطـَه بَلـَدٌ

ففي صعيْــدِكَ أرزاق السَّـما نُخُبُ

هذا الْجمـالُ، لمـــاذا لا توزِّعُـه

على القُلـُوبِ فينْـقى الْجهْدُ والتَّعَبُ؟

أتَجْتَني الْحُسْنَ في دُنْـياك أعيُـنُنـا

ويجْتَنـي في بنيـكَ الشَّوكُ والْحَطَبُ؟

لبنــان، أوَّلُـكَ الدُّنْيـا وآخــرُك

الدُّنْيـا، وبعْدَكَ .. لا أُفـْقٌ ولا شُهُبُ.

القصيدة بخطِّ يد الشاعر

الياس أبو شبكة

5dr7id5r677777777777uid6ud6ud.JPG 

srre6erusdruryujdrud5ur5u5urursd.JPG

جورج غريّب والياس أبو شبكة