هذه آخر ذكرياتي عن الياس أبو شبكة
جورج غريِّب - 1997
(1920 - 2006)
1. لقائي الأول بالياس أبو شبكة
كان لقائي الأول بالياس أبو شبكة وأنا في الثّالثة عشْرَة (سنة 1933) تلميذَ الصف الخامس التكميلي في مدرسة عينطوره. يومها نلتُ، بعد محاولاتٍ، إذناً من الرئيس (الأب سَرلوت) بمغادرة المدرسة، فانحدرتُ إلى بيروت "متأبِّطاً" قصيدةً لي غزليَّةً، قاصداً "الشاعر العملاق" إلى مكتبه في جريدة "الأحرار" (على شاطىء "الزيتونة"). 
دخلتُ، فكان وراء مكتبه، نظَّارتاه إلى عينَيه، في يده قلمٌ يخُطُّ به كسِلْكٍ من كهرباء على أوراق مبعثرة أمامه، يعطيها من عصبه وبصره وانحناء رأسه الذي ما عرف الانحناء إلا للكلمة.
وقفتُ أمامه خاشعاً لمنظره العجيب، فلم يلتفت إليّ، ولا شعر بوجودي، ولا عاد من رحلته الشبيهة بالسّكْر.
انتظرت. وبعد نصف ساعة كانت لي كأنها نصف عام، رمى القلم من يده كجنديٍّ عائدٍ من معركة، رمى نظارتيه على الطاولة، ارتدَّ إلى الوراء متنهِّداً، والتفتَ إليّ كأنه لحْظتَها شعر بوجودي، فقال بنبْرةٍ عصبيَّة: "نعم؟ ماذا تريد؟" أجبتُ بتلعْثم: "أنا جورج غْريِّب، تلميذ في مدرسة عينطوره، جئتُكَ بإحدى قصائدي راجياً رأيَك فيها".
"نتَش" القصيدة من يدي. ولمَّا قرأ عنوانها "لولاكِ" لم يقرأ بعده سطراً واحداً، بل فاجأني بسؤاله:
- أصحيحٌ أنكَ تُحِبُّ واحدةً وتقول لها "لولاكِ"؟
خفتُ من نبْرته، كأنه يحاسبني على فعْلتي "الشَّنعاء" وأنا في تلك السَّنة المبكرة، فعاجلْتُه بالجواب "لا". فمزَّق الورقة فوراً بامتعاضٍ وحمْلَقَ بي: "عندما فعلاً تحبُّ امْرأةً، وتقول لها "لولاكِ"، عدْ إليَّ بقصيدتكَ لأنْظُرَ فيها".
وأشاح عني بسرعة إلى أوراقه، وتراجعتُ خارجاً من مكتبه ذليلاً كمن سقط في امتحان، حاملاً معي من الياس أبو شبكة أولَ أمثولة في الإخلاص لحُرمة الشّعر والحبِّ والمَوهبة.
بعد سنتين على "هزيمتي" تلك أمام أبو شبكة، قادني الطّموح إلى إرسال إحدى قصائدي بالبريد إلى ساكن الشّخروب ميخائيل نعيمة، أطلب رأيه فيها. ولم أنتظر كثيراً حتى جاءني منه ردٌّ بقي منه في ذاكرتي: "أنتَ عند العشرين من العمر أو دونها. لا تنشرْ قصيدة قبل أن ترى أنها أجملُ ما قرأتَ من شعر السّابقين".
هكذا تعلَّمتُ من أبو شبكة الإخلاص في حرم الشعر، ومن ميخائيل نعيمة الإخلاص في حرم صياغته.
2. لقائي الثاني
في العام الدراسي 19938/19939 تقدّمت من امتحان البكالوريا (الجزء الأول) يوم كان مصححي الأدب العربي والنَّقد العربي أدباءُ أو شعراءُ أو صحافيون (كان محظوراً على أساتذة الأدب في المدارس التّصحيح في الامتحانات) وكان من بين مصحِّحي تلك الدَّورة الياس أبو شبكة والخطل الصّغير ونقولا فيَّاض. وصدف أن وقعتْ مسابقتايَ في النّقد والأدب بين يدَي الياس أبو شبكة، فوضع علامتي على الأولى 18/20 وعلى الأخرى 54/60.
وعندما اطَّلعْتُ على نتيجتي في الامتحان، ذهبتُ (برفقة إحدى الحسناوات) إلى إدارة جريدة "الأحرار" لأشكر الشّاعر على ما خصَّني به. وأرادتْ رفيقتي الحسْناء أن تحشر أنفها في الموضوع فقالت للشّاعر: "لو عرفتَ أن المسبقتَين هما لجورج غْريِّب، أما كنتَ زدْتَ علامتَكَ قليلاً؟" فأجابها بنبرته المعهودة: "لو قام دانتِه من القبر، وأجرى امتحاناً، لما وضعتُ له أكثر".
3. لقائي الثالث و .. المستمر
كنتُ لم أزل في معهد عينطوره تلميذ الصّف الثانوي الثاني، عندما خلفْتُ أستاذي الأب مارون غصن (أستاذ العربية ومدير دروسها، وكان تُوُفِّي في منتصف العام المدرسي 1939/1940) فضجَّتْ أوساط المدارس الكاثوليكية لعهدة صفّ العربية في شيخ المعاهد إلى ابْن العشرين.
ومن يومي الأول في حقل التّدريس، أخذتُ على نفسي أن أرفع مستوى العربية في المعهد الذي أنشأني، وأن أجعل منه منبرَ الكلمة المنيرة لكبار الأدباء والشّعراء والمفكرين. وافتتحتُ سلسلة الأعلام فيه بالياس أبو شبكة، كونه أحد طلاّبه القدامى.
بعد أمسية أبو شبكة، خرجنا من القاعة الكبرى، والحضور المزدحم يلهج بعبقرية ابن الزّوق العاشق، سيّد الرومنطيقية في الشرق العربي. فجأة وسط الازدحام، تقدَّمت مني سيّدة لها من السَّحر غيرُ لون، فهنَّأتْني، وبدون استئْذاني دسَّتْ في جيبي شيئاً بكلّ رشاقة، وتوارتْ مختفيةً بين الجمع.
بعدها بلحظاتٍ، تفحَّصْتُ ما في جيبي فإذا بها رسالةٌ إلى الياس من تلك السيّدة. وكانت تلك الرّسالة فاتحةً لرفْقة دربٍ حميمة مع الياس أبو شبكة، بدأت تلك الليلة من سنة 1940، ولم تنتهِ إلا بموته في 27 كانون الثاني 1947 بعدما قُدِّر لي أن أماشيه في جميع مراحل حبِّه.
4. ورشة حبّ
ذات غروبٍ كنَّا على مُشرفٍ رائعٍ من زوق مْكايل، نتمشَّى أمام لوحةٍ ربيعية ساحرة، فدار بيننا، أذكر، الحوار التالي:
- ما أجمل الطّبيعة ياالياس!
- لكنَّ الشّاعر وُجد ليزيد في جمالها!
- ولماذا لا يحقُّ للمرأة أن تقيم الذّبيحة الإلهية كالرّجل؟
- مخافةَ أن تُعبَد!
- ماهي رسالتُكَ في الحياة؟
- جئْتُ إلى الدُّنيا لـ"أفتح ورشة حُبّ".
وشاء لي القدر أن أرافقه طوال سبع سنواتٍ في "ورشة الحُبِّ" تلك.
5. الخدعة البيضاء
نقول "الخطيئة البيضاء" ونقول "الكذبة البيضاء"، فلماذا لا نقول "الخدعة البيضاء"؟ أوَليست الخدعة أختَ الخطيئة والكذبة، إذا تساوى البياض بين الأخَوات الثلاث؟.
كان الياس أبو شبكة يعرف أنني، عند العاشرة صباحَ كل يوم، أغادر مكتبي في المدرسة (عينطوره) ساعةً كاملةً إلى الصّف.
وذات صباح، بينما كنت أهُمُّ بالخروج من مكتبي عند العاشرة، فوجئْتُ بالياس داخلاً، على غير عادته (إذ كان لا يزورني إلا بعد ظهر السبت). دعوتُه إلى الدخول واعتذرتُ عن البقاء معه لاضطراري إلى إعطاء صفِّي. فقال: "أنتظرك". وما هممْتُ بالخروج مُجدَّداً، حتى فوجئْتُ بـ"ليلى" تصل، فكرَّرْتُ الاعتذار. وقالتْ هي أيضاً: "أنتظرك".
غير أنني، حين عدتُ إلى مكتبي بعد صفِّي، لم أجد الياس، ولا وجدتُ ليلى.
فكَّرْتُ: أتُرى في الأمر خدْعة؟ ثم تذكَّرتُ قولَه تعالى: "إن لم تعودوا كالأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السّموات".
6. موعد في المنظار
في أحد أيام السبت، كالعادة، جاءني الياس إنما باكراً يومها، وفي يده ... منظار. سألتُه عن حاجته إليه فقال: "موعدي معها عند العاشرة"ز قلت: " وأين"؟. قال: "في هذا المنظار".
وعندما رأني لم أفهم مقصدَه، اخذ بيدي وقرّبني من النّافذة: "ضَعْ هذا المنظار على عينيك"، ففعلتُ، فأردف: "أتَرى فيه هذه الصّنَوبرة اليتيمة المرتفعة أمام مدخل دير مار ميخائيل"؟ .. حدَّقتُ مليَّاً وقلتُ له: "نعم". قال: "هناك ستكون ليلى بانتظاري عند العاشرة، لِعِلْمها أنني سأوافيها إلى هناك بواسطة هذا المنظار من وراء نافذة مكتبك". ولمَّا أعلمتُه أن عندي صفَّاً في تلك السّاعة، علَّل للخير لأنه سيصبح وحيداً مع "ليلى"ـه، عبر منظاره، يخاطبها بملء الحرّية، ويُحمل الرّؤيا ما يريد من النّجاوى.
وما أن دقَّت ساعة المدرسة دقّاتِها العشر، حتى هرع الياس إلى النّافذة المُحْدَودَبَة، تسمَّر عندها على كرسيّ، وركَّز المنظار على عينيه، وراح في لحظات شطحٍ صوفيّ يفتِّش عن ضالّته، فيما رُحتُ أنا إلى لقاء طلابي في الصّف.
وحين عدتُ إلى مكتبي، بعد انقضاء ساعة صفِّي، فوجِئْتُ بالياس مازال، كما تركتُه قبل ساعة، مُسَمَّراً على كرسيِّه: المنظار في عينَيه، والتَّمْتمات على شفتيه، كأنه في مكان عبادة.
و ... من قال إن العباقرة ليسوا أطفالاً كباراً، فلْيعْتَبِرْ.
7. دموع على الأسلاك
كنت الوحيد، بعد رئيس مدرسة عينطوره جوبان، في امتيازي بوجود جهاز هاتف في مكتبي، المجاور مكتب الرّئيس.
وفي أصيل سبتٍ، كالعادة، جاءني الياس يحمل رقماً يساوي نظره كنوز الدّنيا، وبادرني بصوت يرتعش: "ليلى تنتظرني على هذا الرّقم".
أخذت "محرِّك" جهاز التلفون ذلك الزّمان، وأدرْتُه على الرّقم الذي في الورقة. وما كاد صوتُ "ليلى" (المرتعش هو أيضاً) يرنُّ في أذُني حتى ناولْتُ الياس السمَّاعة وهممْتُ بالخروج من مكتبي (كي أترك له حرية التّصرُّف). لكنَّه أشار إليَّ بالبقاء، إرادةً منه أن أكون شاهداً على حبِّه.
وما كاد يبادر حبيبته بكلمة "أحبُّك" حتى انهمرت الدموع من عينيه، وظلَّ عشر دقائق لا يقُولُ إلا "أحِبّـُكِ أحِبّـُكِ أحِبّـُكِ أحِبّـُكِ أحِبّـُكِ ... " ودموعه تنهمر، إلى أن انقطع الخطُّوانتهت المخابرة بين الأسلاك التي عرفتْ لأول مرّةٍ كيف تُخرِسُ الدّموعُ بواحَ العشَّاق.
8. تلّة الرّعيان
بين عينطوره ومَحلَّةٍ في زوق مكايل تدعى "التْراب" (بكسْر الرّاء على الطريقة الكسروانية)، عند منتصف المسافة بين الاثنتَين، تلَّةٌ صخريةٌ شماليةٌ لم أتنبَّه بوماً لها، رغم سنوات التّلمذة الطِّوال في معهد عينطوره.
محلَّة "التْراب" هذه تطلُّ على أحد أجمل مرئيات المتوسِّط، في جوار دير مار ميخائيل (الي مات فيه معلمي الأب مارون غصن ذات ليلة من العام الدراسي 1939 – 1940). ولهذه المحلة في ذكرياتي غير رؤيا، إذ كنتُ آتي معلِّمي في أوقات المغيب الرّبيعية أتأمَّل لوحاتٍ عجائبية ترسمها الشمس على الأفق الغربي في مهرجان الغياب .. لوحات قلّ أن يعيرها الاهتمامَ النّاس المشغولون بأمور الحياة المادّية الملحّة، فيما يقول بول فاليري: "ما قيمة ألف ديوان شعرٍ أما ممغيب الشّمس؟". وفيما وُجدَتْ مدام دُه مِنْتُنان فاقدة الوعي لشدَّة انسِحارها بروعة المغيب، وفيما كبار الشّعراء وجدوا في جمالات الطبيعة وأسرارها معتكفهم الآوسع.
طوال سبع سنوات (1940 – 1947) كان بعد ظهر السبت من كل أسبوع موعد لقائي بالياس أبو شبكة داخل صومَعتي المُسِنَّة في معهد عينطوره (سكن فيها لامارتين أربعة أيام)، فنجولُ في أمور الشّعر والأدب والحب حول كأس من معتَّقات الأقبية. وكان من عاداتنا أن أرافقَه في طريق العودة (بين الرّابعة والخامسة) فأودِّعَه عند المطلّ السّاحر من "التّراب". ومن هناك يُكمل طريقه إلى الزّوق وحده، واعود وحدي إلى المدرسة بانتظار السبت التالي (ذلك السبت الذي غنَّيتُه مراراً في مهرجانات ذكرى الياس بعد غيابه).
ذات سبت، ونحن في انحدارنا من عينطوره، وصلْنا تحت تلك التَّلَّة، ففوجِئْتُ بالياس ينحرفُ بي صُعُداً عبر ممرَّاتٍ ضيّقةٍ ملتوية، هي طريق الرّعيان يسلكونها بخرافهم صوب المراعي. وكم أدهشني، عندما بلغنا القمَّة، منظر زوق مكايل في المنحدر المقابل، كأنها على مرمى حجر أو في متناول اليدّ.
وقفنا في رهبة المكان صامتَين: في عينَي الياس انتظار، وفي خيالي تساؤلٌ عن غيب منتظر...
وماهي إلا دقائق حتى بدت في أسفل المنحدر حوريةٌ كأنها خارجةٌ من عالم الأساطير، ملتَفَّةٌ بمنْشَفة بيضاء كالعباءة، تتسلَّق الممرَّ الضَّيِّق في اتّجاهنا، ففهمتُ أنه تكمِلةٌ للممرّ الذي سلكناه من الجهة المقابلة. وصلت "الحمامة البيضاء" بأناقتها وهُزالها، وعطر "فامّ" () يضوع حولَها. بلغتْ أذُني ضربات قلب الياس، ففهمتُ كلَّ شيء، وتراجعْتُ أسْتكشِف وحدي جمالات التّلَّة التي كنت لم أكتشفْها بعدُ، تاركاً للحبيبَين أن ينعما بلقاءٍ، ولو عفيف، في غفلةٍ عن "الرّقباء".
ولم تمرّ دقائق معدودات على تجوالي، حتى وصل إلى تلك النَّاحية راع يقود قطيعاً من الأغنام. شغلْتُه لحظات بأسئِلتي كي لا يتابع مسيرتَه نحو الحبيبَين. ولمّا ضاق ذرعاً بي وبأسئلتي، خفتُ أن يكون في عداد "الرُّقَباء" (وما كان أكثرُهم)، فاسْتَبَقتُه إلى الحبيبَين أنبِّههما إلى الخطر المُداهم.
وكان على عقد الحميمية أن ينفرط، وعلى أويقات النَّعيم القصيرة أن تتبخَّر تاركةً عطر "فامّ" يضوع تائهاً في أجواء تلك التلَّة الخضراء.
9. انْهار الموعد فانْهار الياس
ذات يوم وصل الياس إلى مكتبه في الإذاعة اللبنانية متهلِّلاً (على غير عادته) إذ كان على موعدٍ أن تتّصل به "ليلى" عند السّاعة العاشرة، كي يوافيها إلى مكانٍ محدَّدٍ يضمّهما معاً في مأمنٍ من أعين الرُّقباء.
دقَّت السَّاعة العاشرة، ودقَّ معها جرس الهاتف، ولكن .. لا لتحديد اللقاء بل .. للاعتذار عنه: "فالأمور غير سانحة".
ما كانت النّتيجة؟
أصيب الياس، من جرَّاء الصّدمة، بانْهيار يشبه الإغماء، مما اضطرَّ إدارة الإذاعة إلى اسْتِدْعاء سيارة إسعافٍ نقلتْه إلى أقرب مستشفى.ٍ
10. التأوُّه المفتعل
في أثناء ترؤُّسه (بصفة رئيس قَلَم) القسم الأدبيَّ في الإذاعة اللبنانية (أواخر عهد الانتداب الفرنسي) كان له حديثٌ أسبوعيٌ من سياسةٍ وأدب وشعر. وكان يومها في أوج اشتِعال حبِّه "ليلى" صاحبة "نداء القلب" و"إلى الأبد"، فكان، قبل البدء بكلِّ حديث، يرسل تنهيدة عميقةً مفتعلةً ظاهرةَ القصْد، كي يُلْمِحَ لِـ"ليلى" (المُنتَظِرَة في بيتها أمام جهاز الرّاديو) أنها تعيش في أنفاسه وكلماته وخياله وجميع مشاعره.

أبو شبكة – بريشة الفنان مصطفى فرُّوخ نايلة فرزان - والدة الياس أبو شبكة (1948)
يوم تكريم الشاعر أحمد شوقي في بيروت عام 1930
الياس أبو شبكة مع كرم ملحم كرم وميشال زكور
11. ليلة الخنشارة
في ربيع 1945 أخبرتُ الياس أنني مدعوٌّ والأب جوبان (رئيس معهد عنطوره) إلى زيارة دير الطبشي في الخنشارة وقضاء ليلة هناك في ضيافة الآباء.
في اليوم التالي فاجأني الياس بطلبه مرافقتنا إلى الخنشارة إذا سمح الأب الرّئيس. لكن!ّ هذا الأخير، رحَّب، فأخبرت الياس، الذي هلَّل لموافقة الرّئيس. وعَينتُ له ساعة الانطلاق بدون أن أسأله عن سبب رغبته في موافقتنا.
وصلْنا الدّير فأُفرِدتْ لكلٍّ منا غرفةٌ رهبانيةٌ أنيقةٌ في بساطتها. وهناك أطلعني الياس على سبب رغبته في مرافقتنا: أنه على موعد، في العاشرة ليلاً، مع "ليلى" في شقّة (لآل "ز ..." في بولونيا.
قبل أن تبدأ "مغامرة" الياس الليلية، قلت له بكل وضوح: "انتبه: هنا تحتنا ورشة بناء، والحائط الذي يسوِّر الدّير مهدوم لم يبق منه غير بوَّابة المدخل الكبير ضمن قوسها الحجري. معنى ذلك أنك، عندما تعود متأخِّراً في الليل، لا لزوم لأن تدقَّ بمطرقة البوَّابة كي نفتحها لك، فتوقظ الرّهبان. الجدار من حولها مهدوم، ويمكنك الدّخول بكل سهولة من دون البوّابة. ليس أمامك أقلذ حاجز".
استغرب الياس تنبيهي وكل هذا الشّرح الوقائي.
مع ذلك، ورغم كل ذاك الشّرح، صحَوتُ عند الثانية بعد منتصف الليل على قرع مطرقة البوّابة، فنهضتُ فوراً (قبل أن يصحو الرّهبان) ليقيني أن الطّارق هو الياس أبو شبكة. وذهبتُ إليه قائلاً: "أدخلْ عن يمينك. لا ضرورة للبوابة، فالحائط عن جانبها مهدوم". وعندئذٍ، عندئذٍ فقط، أدرك تخوُّفي مما كان سيحدث له في العودة وفهم تنبيهي إيّاه على الأمر. وشاء أن يعتذر، فما تركت له مجالاً، لما رأيت عليه من هيئة مشوَّشة واضطرابٍ ظاهر.
تركتُه يستريح ورحتُ أنتظر الحكاية. وبعدما هدأتْ أعصابه قليلاً، قال: "وصلتُ بولونيا بعد تعب. ورحتُ أستشرف البناية و"شقة" السّعادة فيها، حتى إذا ظننتني اهتديتُ إليها، أخرجتُ من جيبي مفتاح "الجنّة" وأخذتُ أحاول فتح الباب، لكنه لم ينفتح. حاولت ثانية وثالثة، وإذا بي أفاجأ بصياحٍ يتعالى من الدّاخل: "حرامي .... حرامي ...." فاستدرْتُ بلا وعيٍ وخرجتُ أعدو هارباً إلى منحدر في الغابة المظلمة التي تفصل بولونيا عن الخنشارة. وفي ركضي وهلعي بلا وعيٍ، زلَّت بي قدمي فاصطدم صدري بشجرة وانكسر قلم الحبر في جيبي وسال أسْودُه على قميصي كما ترى، وتريدني، بعد هذا، أن أهتدي إلى الْجدار المهدوم وأتذكَّر تحذيرك إياي من دقِّ البوّابة بمطرقتها الغليظة"؟
بعد يومين من دعوتنا، صدر في الجريدة مقال بقلم الياس أبو شبكة عن "زيارة الخنشارة مع رئيس عينطوره ومدير الدروس العربية فيها"، وطبعاًَ من دون أي ذكر لما حلَّ بالعاشق المولَّه من "نكبات".
12. سرّ الصّورة الضّائعة
دخل الياس محترف المصوِّر (المشهور آنذاك) أسعد الدّقوني، "الزيتونة" (بيروت)، وقال له بلهجته العصبية المعتادة: "أريد أن تأخذ لي صورتَين. استعمل فنَّك كما تريد لأخذ الأولى واستخراج 6 نسخ منها. أما الأخرى فأنا أتكفَّل بتهيِئة ذاتي لها، ولا تستخرج منها سوى نسخة واحدة".
امْتَثَل المصوِّر الفنَّان لطلب الشّاعر، وأجْلَسَه بالشّكل الذي اختاره، والتَقَطَ له الصّورة الأولى. وعندما استعدّ لالتقاط الصّورة الأخرى، استوقفه الياس: "لا. انتظر. سأستغرق في الرُّؤيا، أتمثَّل الحبيبة أمامي وأنا منجذبٌ إليها بكليّتي، ولحظة أستحضِرها كليَّاً أومىء إليكَ بإشارة خاطفة من يدي فتلتقطُ عدستُك لحظة الرؤيا المنعكسة على وجهي وعينَيّ".
وراح الياس في رحلة خيالية أرعشتْ كيانه وهزَّتْ مشاعرَه. وما إن شعر أن طيف "ليلى" بات أمام عينَيه التّائهتَين، حتى حدّق إليها بجمْع أعصابه وأشار إلى المصوّر فالتقط هذا تلك اللحظة محققاً حلم الشاعر ورغبته، محترماً ذهولَه وتوتُّر أعصابه.
بعد يومَين، عندما استلم الشَّاعر الصّورة الثانية الخاصة بـ"ليلى" قال للمصور: "أعطني المسودة"، فأخذها وأتلفها كي يضمن أن لن تكون لها نسخة أخرى. وعلى هذه الصورة كتب: "هكذا أنظر إليكِ".
وفي اليوم التالي جاءني بحالة تاعسة، وأطلَعَني دامعاً على حكاية الصّورتَين: "أردتُ أن أحمل الصّورة اليوم إلى ليلى، فلم أجد الصّورة. لا أعرف أيّة يد امتدّتْ إليها وذهبتْ بها".
طيَّبْتُ خاطرَه وقدَّمتُ له كأسَ نبيذٍ معتَّق من قبو دير عينطوره، وقلتُ له: "هوِّنْ عليك، إن ضاعت الصّورة فـ"ليلى" لم تضعْ. وهي لا تزال موجودة أمام عينَيك".
13. على جناح غيمة بيضاء
أخبرتْني والدة الشّاعر أنه دخل عليها ذات يوم مغموراً بالسّعادة، وكان فترتئذٍ بلغ ذرْوة حبِّه، وقال لها كأنه يصلِّي: "هل رأيتِ ليلى يا أمي كيف مرَّتْ بنا؟". لم تجب الوالدة لخوفها أن يكون وحيدها في حالة هذيان. ولما لاحظ شكَّها في ما يقول، أضاف: "أقسم لكِ يا أمي أنها مرَّتْ بنا، كما وعدتْني". قالت الأم المسكينة: "كيف مرَّت بنا ولم أرها؟ دعْ عنكَ هذه الهواجسَ ياابني. إنها تؤثّر على صحتك". أجاب الياس: "بلى يا أمي، بلى .. صدِّقيني. عبرت من هنا في الصّباح الباكر، على جناحَي غيمة بيضاء".
عندها استسْلمتْ أم الياس لدموعها، وهي تعاين، بلَوعة الوالدة، ماذا فعل العشق بوحيدها.
.... أجل يا الياس، لقد عبرتْ ليلى، على جناحَي غيمة بيضاء.
14. لويس الخامس عشر
الحذاء النّسائي العالي الكعب رفيعه، كان معروفاً بـ"لويس الخامس عشر".
في المرحلة الأولى من حب ليلى، لم يكن محظوراً عليها زيارة الياس في منزله بحجّة زيارة أمه زشقيقته. ولكن، بعد أن تأزَّم الوضع وكثُر المراقبون و"المُسْتأجَرون" والوُشاة، باتتْ زيارتها شبه مستحيلة.
وذات صبح، بينما كان الياس مُسمَّراً أمام الواجهة الزّجاجية في حارته الواسعة، عيناه غارقتان في البعيد، إلى الأكمات السّبع والخليج الأزرق، يفكّر باستحالة مجيء ليلى إليه كالمعتاد، بلغَ سمْعَه وقع "لويس الخامس عشر" على بلاط الدَّار. التَفَتَ إلى الوراء ليفاجأ بحضور ليلى، متجهةً إليه بخطاها الوئيدة، فراحتْ عيناه تراقب خطواتها، حتى إذا اقتربت منه انحنى على قدمَيها، وانتزع "لويس الخامس عشر" من إحدى القدمَين، وخاطبه: "أيُّ فضلٍ لكَ عليَّ، وأنتَ أوصلْتَ ليلى إليَّ بعد فقدان الأمل بلقائها؟".
أليس أنَّ العباقرة يظلُّون أطفالاً مهما عظموا؟
وقديماً قال الْجاحِظُ: "إن وقعَ أحذية النّسْوان، وهنَّ في طريقهنَّ إلينا، يذهبُ بالعقل حيناً، ويثيرُ خَفْقَ القلوب أحيانا".
15.غلواء تحترق
جاءني أبو شبكة يوماً، يحمل إليّ مفاجأة لعلَّها في نظره أعظم مفاجآته الأدبية أو أكثرها دهشة. وبكثير من الفخر قال: "أحرقتُ نصفَ "غلواء" ...". وانتظرَ مني أن أنفعل، لغرابة ما أسمع. فاستدرك: "ستقول إنني مجنون". أجبتُه: "وأنت قلت". ولم يتراجع عن موقفه، بل أخذ يشرح لي أنه وعد "ليلى"هُ ألاّ يقولَ غزلاً في سواها. فأجبته بشيء من البرودة: "أتُحاسِب نفسَك على غزلٍ قلتَه قبل ليلى؟!".
بعد سنوات، علَّق رفيق دربي أنطون قازان على مفاجأة أبو شبكة بقوله: "أشكُّ في دِقَّة الخبَر. فأبو شبكة نشر "غلواء" تباعاً في الصُّحف قبل صدورها كتاباً. ولو صحَّ قولُهُ في القصائد التي زعم أنه أحرقها ولم ينشُرْها لكُنَّا وجدْناها منشورةً متفرِّقةً في الصُّحف".
بين قول الياس، ورأي أنطون ... ألله أعلم.
16. زينب
في المرحلة الأخيرة من حياته القصيرة، كان الياس يُعِدُّ مسرحية شعرية عن "زينب" (ملكة تدمر الحمراء) من خلال حبيبة عمره "ليلى". سألتُه ذاتَ سبتٍ في زيارته الأسبوعية: "أين أنت من مسرحيتك؟" أجاب: لم أنته بعدُ من تهيئة عوالمها. ومتى انتهيتُ من هذا، يسهُل الأمر بعده، إذ لا يعود سوى النّظم" (كأنّ النّظم لديه بتلك السّهولة التي يفترضها، كما نتلمّس في إحدى نظرياته حول ضنى ما كان يسميه أمين نخلة "الصنيع الفني")، ثم أضاف: "نظمتُ منها سبعة أبيات، سآتيك بها السبت المقبل".
لم أكن أدري، يومها، أن ذاك النهار كان آخر سبت من لقاءاتنا الأسبوعية. فـ"السبت المقبل" لم يُقبل، ولا أقبلَ صديقي فيه، لأن الدّاء أسبوعئذٍ طرحه في الفراش وبدأتْ من يومها مرحلة من آلامه الأخيرة دامت شهراً وبعض الشهر وانتهت برحيله.
ولم يظهر بعد رحيل الياس أيُّ أثر لتلك الأبيات السبعة.
على ذكْر "زينب": عندما أعلنَّا لاحقاً عن إقامة أحد احتفالات ذكرى أبو شبكة في قاعة النّدوة اللبنانية، حيث ألقيتُ قصيدتي "زينب") اتّصل بي الطبيب البروفسور أبو الرّوس، وقال: "وصلتْني الدّعوة إلى مهرجان أبو شبكة. أنت تعلم مقدار محبتي وتقديري لهذا الشاعر الكبير. بي رغبة في الحضور، لكن سِنِّي لم تعُد تسمح لي بالتّنقُّل ليلآً، فهلا مررتَ بي لتصحَبَني إلى النّدوة اللبنانية؟".
لبَّيتُ طلبه فأصغى طوال الاحتفال وانتظر زهاء نصف ساعة بعده تهانِىءَ الحضور الخطباء، ثم سألتُه الانصراف فقال: "انتظرتُ إلى الآن، لأنني خفتُ عليك من التهاب الحنجرة إذا خرجنا في هذا الصّقيع، وحنجرتك لم تبرد بعد من حرارة إلقاء رائعتك "زينب" بهذا الانفعال الحادّ. لُفَّ عنقَكَ جيّداً بشالك الصّوفي ولْنخرج على بركة الله!".
وخرجنا وأنا أشكر الله أنْ لا يزال في لبنان مَن يخشى على الشّعراء من التهاب حناجرهم.
17. "أشعَر" من أبو شبكة
زارتني يوماً صاحبة "إلى الأبد " في مكتبي (مدرسة عينطوره) تطمئنُّ إلى نتائج أولادها المدرسية، ثم خرجتْ وهي بكامل أناقتها، وعطرُ "فامّ" (Femme) يضوع منها. وصادف خروجها مرور أحد الأساتذة الظرفاء من آل صقر، فتباطأ حيناً متأمّلاً ما هي عليه من الجمال والرَّونق، حتى إذا غابت عن العيون منحدرةً الدَّرج المؤدّي إلى الخارج، ارتدَّ إليَّ بكلِّ حماسة قائلاً باندفاع: "قلْ لحسناء الزّوق، إذا أحبَّتني أقول فيها شعراً أكثر مما قاله صديقك أبو شبكة".
18. "أبو" الرفع والنّصب والْجرَ
كان الياس أبو شبكة يكره التّلاعب بإعراب كلمة (أبو) في اسْمه رفعاً ونصباً وخفضاً. فهو "أبو" شبكة فقط في جميع حالات الإعراب، وكفانا سيبويه شرّ التّلاعب بإسماء العَلَم.
ألم يقلْ أحد اللغويين القدامى: "يا نَحْوَ، يا نَحْوَ، حُقَّ لِمَنْ بَراكَ الْمَحْو"؟
19. أنَفَة "أبو" شَبكة
قال نسيب عريضة يرثي صديقاً له:
أخذْتُـكَ في الحياة على هِناتٍ وأيُّ النَّـاس ليس له هِنـاتُ؟
ما ذُكِرتِ الأنَفَةُ إلا تبادرت إلى الذّهن أنَفَةُ "وليّ الدّين يكُن" وكلمته الرّائعة فيها، وسواه من الأعلام أصحاب الأنوف الشّامخة.
وما ذُكِرت العنجهيّة إلا تسارعتْ إلى الذاكرة ما كان للمتنبّي في مراحل حياته الأربع، وأبرزُها الثانية في حلب تسعَ سنواتٍ في بلاط سيف الدولة حيث وقف بعنجهية أمام تهجُّمات حسَّاده الكُثُر، وكذا فعل سواه من نجوم الأرض ذوي المواقف إزاء الحسد والوشاية والنَّميمة.
لعلَّ أول المتهجّمين على الشعراء (بعدما القرآنُ الكريمُ فتحَ النار عليهم – "والشّعراء يتبعهم الغاوون، ألم ترَهم في كل وادٍ يهيمون، يقولون ما لا يفعلون ..." – والأسباب سياسيةٌ لردِّ تخرّصات أعداء النبي العربي من أصحاب القوافي في مقامات الرّسالة العُلى) كان أبو عثمان الجاحظ الذي قال في ما قال: "وَمَن ألأم مِن الشّعراء؟! هل ألأمُ مِن أبي نوّاس؟ ومَن اصطَلى بنار أبي العتاهية؟".
تبارى كثيرون في الحَطِّ من أصحاب الأوزان، فراجتْ نوادر عن بُخل المتنبي الزريّ، وعن عادات البحتري في الإلقاء (يبصق يميناً ويساراً ويصفِّق ويقول: "أحسنتُ والله أحسنتُ")، وعن انجراف المغامرين في دنيا الجنس، والمغرقين في تعاطي الخمر والموبقات (كان أبو نوّاس مع أحد أصدقائه، يصحو أحدهما وينام الآخر، فلم يلتقيا سبعة أيام) ...
أكتفي بهذه اللفتة السريعة في دنيا الشّعراء، لأتوقّفَ عند أنَفَة الشاعر الصّديق الياس أبو شبكة الذي حمَّلتْه أنَفَتُه الكثير في حياته.
كانو شِلَّة من رفاق "عصبة العشرة" في مكتب فؤاد حبيش (دار المكشوف)، وأبو شبكة يقرأ على مسمعهم "غلواء" (قبل طبعها وبعد إحراقه الكثير من أبياتها اللاهبة وفاءً لـِ"ليلى"). وبينما هو في اندفاعه الوجداني متغنياً برفيقة العمر "أولغا" إذا بسليم حيدر يقول له بطيبة الصّديق الذي يغار على صديقه: "هذا البيت مكسور يا الياس. قَوِّمْهُ!" فانتفض شاعر "غلواء" وقطَّع البيت فوجده فعلاً كما قال شاعر "آفاق".
مرّت الأيام، وصدرت "غلواء"، وجاءني الياس بنسخة منها إلى عينطوره ذات سبت، على موعده الأسبوعي في مكتبي، وأخبرني حادثته مع سليم فسألتُه بعفويّة: "وهل أصلحْتَ البيت؟"، قال بحدّة: "لا! طبعاً لا. أأترك لسليم حيدر فرصةَ قوله إنه أصلح لأبو شبكة بيتاً مكسوراً؟ فليبْقَ مكسوراً إلى الأبد ولْيُسامحْني الخليل".
وذات سبتٍ آخر، جاءني الياس ومعه مطلع قصيدته المطوّلة "إلى الأبد" وقرأه لي. أثنيتُ عليه، وبكل حذرٍ دسَسْتُ له ملاحظة صغيرة (بعفوية الصديق الذي يغار على صديقه): "الأفضل يا الياس عدم إلحاق "ألـ" التّعريف بكلمة "غير" كما جاء في أحد أبياتك". حملق بي فابتسمتُ قائلاً: "أعرف: لن تصلحه". وابتسم. وصدرتْ قصيدة "إلى الأبد"، وجاءت "غير" في مطلعها تجُرُّ وراءها "ألـْ" التّعريف.
20. ومَن هو الضَّابط في حضرة الشِّعر؟
كان الضَّابط (في الجيش اللبناني) إميل الخازن يقيم في عينطوره قريباً من المدرسة، فكان يزورني أحياناً في مكتبي ليقف على أمور ابنه المدرسية ويطمئنّ إليها.
وذات أصيل سبت كان الياس في مكتبي، فوصل الخازن واغتنم فرصة وجود الياس ليجادله في أمور السياسة بصفته "الصّحفي المرموق". احتدم الجدل بينهما حول إحدى قضايا الساعة، وإذا الضابط، بجرأته المعهودة، يقول الشاعر الأكثر جرأة: "إسْمعْ: أتريد أن أُفهِمَكَ كيف؟" فلم يدعه الياس يكمل بل أجابه بنبرته العصبية الشهيرة "طبعاً لا" وانصرف عن محدِّثه إلى النظر في كتاب كان على مكتبي، ما حمل الضابط على المغادرة. وما كاد الضابط يخرج حتى قال لي الياس بعنفوانه المعروف: "ومَن هو إميل الخازن ليُفهِم الياس أبو شبكة"؟!
21. الياس وزكي مبارك
وقع خلافٌ على صفحات الجرايد بين أبو شبكة (في "الأحرار") والأديب المصري زكي مبارك (في إحدى الصحف المصرية). وطال التّهجّم بينهما إلى عدّة مقالات.
وفي أحدها افتتح مبارك بعبارة: "نحن في مصر نورِّد الشعر والأدب، وأنتم في لبنان تورِّدون الخُضَرَ والفواكه"، فردَّ عليه الياس بمقال افتتحه بعبارة: "هذه مقالة أخرى من زكي مبارك. وأتركُ للقارىء تحريك همزة أخرى كما يرغب".
22. عمتْشتِّي يا الياس
في الأربعينات كانت زوق مْكايِل قرية ريفية بدكاكينها وعَين مائها وقهوتها ولوزها وزهرها وعطرها وسوقها القديم، وإلْفة أهلها وتقاليدها... ولا تزال، رغم دخول العصرنة عليها، محافظة على الكثير من تراثها القروي.
كان بيت الياس أبو شبكة مجاوِراً منزل الشّيخ سليم الخازن وزوجته الحسناء "مارغو" لا يبعد الواحد عن الآخر سوى أمتار قليلة. وكانوا يتبادلون الزيارات دون كلفة أو مواعيد.
وكان الياس يحب كثيراً بيتَه المتسع الحوانب، ومولعاً (كما كان يقول لي) بإطلالته على الخليج الأزرق وأكمات حريصا السّبع.
ذات يوم، في مستهلّ فصل الشّتاء الرّاعد، كان الياس واقفاً أمام الواجهة الزجاجية، عيناه مسمَّرتان في الأفق البعيد، وأحلام "ليلى"هُ تعبُرُ سماء خياله بوشاحها الأبيض، والمطر الخفيف تتناثر حبيباتُه على التّراب الحي. دخلتْ عليه "مارغو" كعادتها، وأرادتْ أن تقول شيئاً لتنبه الشاعر إلى وجودها، فردَّدتْ ما تعوَّدنا أن نفوه به عندما يتساقط خير الطبيعة: "ليكْ ياالياس، عمِتْشتِّي". لكنّ الياس، بإحساسه المرهف الغريب، فهم قولها "على حقيقته" فأجابها بنبرة لم تألفها: "ما أنا شايفها عمِتْشتِّي".
وكانت تلك الحادثة سبباً (!؟) في قطيعةٍ بين أصحاب المنزلَين اللذَين لم تُباعدْ بينهما الأيام.
إن للشّعراء أبجديةً خاصَّةً لا يُحسن التّعاطي بها إلاّ القليلون.
23. على رفراف السيّارة
جئتُ الياس ذات يوم إلى مكتبه في الْجريدة فسارع إلى القول: "انتَظِرْني عند السّاعة الواحدة على موقف سيّارات الزّوق في ساحة الشّهداء. أدعوكَ إلى أكلة سمك".
وعلى الموقف، في سيارة "بلبل" (المشهور بشعبيّتهكسائق في ذلك الزّمان)، كنا ثلاثة ركّاب ننتظر وصول الشّاعر الذي وصل على الموعد وارتمى بجانبي على المقعد الخلفي مردِّداً عبارته المعهودة "ياربّ عفْوَك ورضاكْ".
انطلق بنا "بلبل" حتى وصلنا إلى محطّة عينطوره (كما كنّا نسمّيها وقتئذٍ، وهي اليوم معروفة بـ"مفرق زوق مْكايِل") فصاح أحدُهم بـ"بلبل": ""خذني معك إلى عينطوره". ولم يكن في السيّارة مكاناً لراكب إضافي. لكن الراكب الزّائد أصرَّ فركِب، على عادة تلك الأيام، على رفراف السيّارة الأيمن.
وعندما حاول "بلبل" الإقلاع لاستئناف السّير، صاح به الياس: "بلبل، قف"، وبي: "هيَّا ترجَّل" وفتح باب السيّارة ونزل منها قبلي. وما كدنا نطأ الأرض ويتابع "بلبل" سيره دون أن يفهم شيئاً، حتى قال لي الياس: "أيريدنا "بلبل" أن نجلس في سيارة على رفرافها يقف إنسان"؟.
وإذا بنا، لندرَة السيّارات في ذلك الزّمانن نسير مشياً في حرِّ الظّهيرة، حتى بلغْنا منزل الياس ونحن نتصبَّب عرقاً ولهاثاً.
إن للشّعراء إحساساً خاصّاً، لاسيّما إذا كانوا من طراز أبو شبكة..
24. الرُّسوم
بعدما كثرتْ أقوال أصدقاء أبو شبكة الكُثُر مدعومة ببراهينَ وتخمينات واستعداد للمساعدة، اقتنع بأنه، إذا طبع كتاب "الرّسوم" (المُعَبَّأ برسوم الزّعَماء والأثرياء ورجال الحكومة) سيجمع ثروةً ما كان ليحلم بها لولا هذه المغامرة في عصر الكساد والفساد وغش العباد.
وظهر كتاب "الرّسوم" ووزَّع على المكتبات، وراح أبو شبكة يفتِّش عن "الفدائيين" الذين تبرّعوا للمساعدة والبذل والتضحيات. وبعد شهور على نكبته بالكلمة في بلد الحرف، إذا بأحد أصحاب المكتبات يصادف صاحب "الرّسوم" ويزفُّ إليه بشرى: "أستاذ أبو شبكة، بعنا نسخة من كتابك"، فيجيب الياس أبو شبكة بقوله: "لأنني أنا اشتريتُها".
25. الوطواط وشجرة الأكّدنيا
كان في جنينة منزل أبو شبكة (أيام كان حول المنازل جُنينات) شجرة أكيدينيا.
أخبرَني أنه يحبها كثيراً ويعتني بها كثيراً، ويشرِف عليها من وراء نافذة غرفته، يسامرها وتسامره، تُبعِد عنه وحشةَ نهارِه وتدْني منه أنس لياليه، فهي بالنسبة إليه رفيقة دربٍ عندما عزَّ الرفاق، يتأمَّلُها في مختلف الفصول، يرى كيف تتلاعب بها الرياح أيام الشّتاء، كيف تُزهِر في أيّام الربيع، كيف تُخرِجُ براعمها زمنَ الصّيف، وكيف تَفقد حِمْلها أيام الخريف الحزينة.
قلتُ بعد ان أسْكَرَه الحديث عنها: "هل لِثَمَرِها حلاوةُ مَظْهَرِها؟"، قال: "لست أدري. فأنا لم أذقْ واحدةً منها". سألتُه مندهشاً: "ولماذا؟"، فأجاب: "الوطواط يضمنُها منّي في موسم إنتاجها، فما يُخمّر وجه إحدى ثِمارها حتى تذهب ضحيّة نَهَمه الذي لا يغفل عن واحدة من ضحاياه".
26. أرزُنا غرس الإله
في أوائل رحلتي مع الأساتذة فليفل (1940) وتلحينهم أناشيد وطنية، طُلب مني وضع كلمات لإحدى مناسباتنا القومية. أخذتُ بالفكرة ورحتُ أتهيَّأ لها، فالنّشيد المكتملُ مبنىً ومعنىً هو (بشهادة أمين نخلة) من أصعب المحاولات الشعرية.
ذات يوم، وأنا في صومعتي العينطورية منكبٌّ على وضع نشيد مطلوب، أمام ورقة بيضاء سجَّلتُ عليها مطلع نشيد يقول: "أرزنا غرسُ الإله"، وقفتُ طويلاً عنده مفتِّشاً عن عَجُزٍ يكون بمستوى صدْر البيت. وبينما أنا مستغرق في التّأمُّل، منصرفٌ بكلِّيَّتي إلى التقاط الصُّور والرُّؤى، إذا ببابِ مكتبي يُقرَع. لم أُجِبْ، ففُتِح الباب، لكنَّني لم ألتفتْ إلى زائرٍ غيرِ مرغوبٍ فيه تلكَ اللحظات. ثمَّ دنا الزّائر منّي فلم أعرْهُ اهتمامي.
وبقيتُ في انكبابي على الورقة لإتمام البيتِ العصيّ، فإذا بالزّائر ينحني على المكتب فوق الورقة أمامي، مسْتَطْلِعاً سبب استغراقي. وما هي إلا برهةٌ وجيزة حتى انْتشل القلم من يدي وأكمل البيت الذي وقفتُ دون عَجُزِه.
كنتُ كتبْتُ في الصَّدر: "أرزنا غرسُ الإله"، فكتب في العَجُز: "لم تزَلْ فيه يداهُ". عندئذٍ التفتُّ فإذا الزّائرُ هو أبو شبكة الذي بادرني بلهجة خطابيّة: "قلْ لهؤلاء المشكِّكين بتاريخ هذا الوطن إن الله كان فلاّحاً في بلادي".
27. لبنان أغنى كنوز الأرض
كان لصديقي الياس في بيته غرفةٌ هي عشٌّ دافيءٌ أمينٌ لم يكن يحلو له الكتابة إلا بين جدرانها، مدّعياً أن حياته الفكرية مكتومةٌ كلها هناك، ويشعر أن كلّ أحلامه انطلقتْ في ذلك الفضاء الضيِّق فأصبح لزاماً عليه ألاّ يكتب إلاّ وهو يستظلُّ فضاءً سهِر على آلامه وأحلامه.
ذات عشيّة، دخلتُ على الياس في غرفته الصغيرة تلك، فلمسْتُ على مُحيَّاه انهِماكاً وحيرة. وقبل أن يدَعَني أسْتوضِحَه انهِماكه وحيرته، أوضح لي بتلك العصبية المتأصِّلة فيه: "معهد الآباء المُرسَلين اللبنانيّين في جونيه –معهد الرّسُل- يُعِدُّ حفلة اختتام العام الدِّراسيّ في ختام هذا الشّهر، وألحُّوا عليّ أن أكون من شعراء الاحتفال. عمَّ تَراني أتحدَّث؟".
وقبل أن يدع لي مجالاً لإبداء رأيي، تابع: "عمَّ تحدِّث الشّباب إلا عن لبنان، وهم أبرياء لا يزالون يتطلَّعون إلى الغد بعين طافحةأملاً؟ علينا أن نصوِّرَه لهم صحيحاً، لا تعْتَوِرُه الأسقام والشّوائبُ. فلبنان أغنى ما وهبت الأرض من كنوز، على ترابه النّديّ، وفي شمسه الذّهب. فالدّنيا والمال لا قيمة لهما إذا جفَّت سهولُنا وشحَّتْ هِضابنا. كيف لا، وروح الله ما مرَّتْ إلاّ على هذا الأديم الذي تنتسبُ إليه الكتب، وإليه يعود مرجع الوحي وعياله. فأنا أمام هذه الرّبى أتساءل: أهي نُهودٌ مخصِبةٌ الحبَّ؟ إنني، أمام هذا الخليج، أتخيَّل ينابيع الفجر منسكبةً، وكلّما مسح المجدُ حلماًعن أجفانه، جاءتْه منه أحلام... فمتى يورِقُ الأدبُ في أغصان هذا الوطن؟".
وهنا انتفض الياس من سكرته هذه، وعاد إلى ذاته. وإذ رآني في خشوع واحترام أمام ألَمه وشوقه، استعاد سكْرَتَه وتابع بصوتٍ أشد حرقةً وحميّةً: "لنا، يا أخي آمالٌ في هذا البلد، آملٌ سامية! لنا شبابٌ يغلي الإيمان في دمه، وخمرة الأجداد توحي إليه النّشوة والعنفوان! لنا الْجمال والحبّ والعفاف وهي مواهب السّماء! أليس من الْحيف –ولنا هذا التّراث النّقي- أن يجني أبناؤه الشّوك والحطب"؟.
توقّف صديقي عن الاسترسال والْتفتَ إليّ متفحِّصاً. قلت: "كيف تستشيرُني في ما تكتُب، وقصيدتُكَ جاهزة؟". فانْتفض في مكانه من جديد قائلاً: "وأنتَ قُلْت". وبينما تناول القلم مُكِبَّاً على ورقة بيضاء أمامه، انْسَلَلْتُ من ذلك العشّ الهادىْ، تاركاً لشعث الأفكار أن ينقاد للبناء.
ويجيء وقت الاحتفال فإذا أبو شبكة يطلعُ على الشّباب بقصيدة من قصائده الخالدة، تذكَّرْتُ عند سماعها ما كان ردَّدهُ لي يوم التقينا في عشِّه الدافيء. ومما جاء فيها:
لبنــان، أغنى كنوز الأرض ما تَهِبُ
على ثـراكَ النّـدى، في شمٍكَ الذّهبُ
ما قيمةُ المـال والدُّنيــا إذا انْكَمَشَتْ
هـذي السُّهـول وشَحَّتْ هذه الْهُضُبُ
على أديمِـكَ روحُ الله، مــا نزلَـتْ
إلاّ عليـكَ، ففي أعمـاقِـكَ الكـُتُـبُ
يا شـاطىء الحُسْنِ في الدّنيـا وقِمَّـتَه
إليكَ كـلُّ عيــال الوحي تنْـتَـسِبُ
هـذي الرُّبى، أثَـدِّيُّ الحبِّ مُخْصِبَـةٌ؟
هـذا الخليـجُ، أنبْـعُ الْفجْر مُنْسَكِـبُ؟
لا يمسح المجد عن أجْـفـانه حُـلُمـاً
حتَّــى تجيْـئَكَ منْـه أبْـرُدٌ قُـشُبُ
لبنــان، تلك الْمجـالي، مـا عليكَ إذا
ولَّـتْ، وأوْرَقَ في أغصــانكَ الأدبُ.
* * * * *
لنــــا بِلُبْنـان آمـالٌ مُحَبَّـــرةٌ
تـأتـي مِن الْحُلـُم الأسْمى وتقـْترب
لنـا الشّبـابُ، لنـا الإيمـانُ في دمِه
إذا الكُهـولُ تراخـَوا فيـه والشّيَـبُ
بروحـه خَمْـرةُ الأجـداد صـافيـةٌ
في ذِمَّـة اللـه والتاريـخ ما شرِبـوا
أُعْطيتَ لبنـانُ، مـا لم يُعْطـَه بَلـَدٌ
ففي صعيْــدِكَ أرزاق السَّـما نُخُبُ
هذا الْجمـالُ، لمـــاذا لا توزِّعُـه
على القُلـُوبِ فينْـقى الْجهْدُ والتَّعَبُ؟
أتَجْتَني الْحُسْنَ في دُنْـياك أعيُـنُنـا
ويجْتَنـي في بنيـكَ الشَّوكُ والْحَطَبُ؟
لبنــان، أوَّلُـكَ الدُّنْيـا وآخــرُك
الدُّنْيـا، وبعْدَكَ .. لا أُفـْقٌ ولا شُهُبُ.
القصيدة بخطِّ يد الشاعر
الياس أبو شبكة

28. أبو شبكة واصفرار الوجه
من أمثالنا الشعبية القديمة مثل "أصفر بلا علِّة". أتُرى صحَّ هذا المثل في أبو شبكة أم أخطأ؟.
جمعتني في الأربعينيات صداقة مع الطبيب سمير معوّض (الاختصاصي الشهير يومئذٍ بأمراض القلب) ومصدر هذه الصّداقة كونه شقيق "ليلى" صاحبة "إلى الأبد". وكنت كلّما التتقيتُه في عيادته (بجانب كنيسة مار جرجس المارونية مقابل اللعازارية قرب ساحة الشهداء)
تحدّثْنا عن أبو شبكة لكونه كان مطَّلعاً على الحبّ بين شقيقته والشاعر العاشق.
ومن أغرب ما قال لي يوماً في منتصف 1945 (قبل سنتين من وفاة الشاعر) "صديقك حياته قصيرة. لا أظنه يعيش أكثر من سنة ونصف أو سنتين". ولكثرة ما آلمني هاجسه الطبّي لم أناقشْه في هذا الافتراض.
وعلى قاعدة "الشيء بالشّيء يُذكَر": ذات يوم من 1945 جاءتني شقيقتي جوزفين إلى معهد عينطورة تستطلع أحوالي (بأمر من الوالدة التي أوشك حبها إيّاي أن يكون مَرَضيّاً). ومما قالتْه لي يومها: "كنت أمس في بيروت مع صديقتنا المغتربة سلمى شكيبان، وصادفْنا صديقَك الياس أبو شبكة يعبر (ساحة البرج). سلّم عليّ بلهفة وطمأنني إليكَ قائلاً: "أمس كنتُ عند جورج، وهو في أحسن أحواله". وبعدما انصرفَ، قالت لي سلمى: "لم يعجبني اصفرار وجه الشّاعر. عسى أن يكذِّبَني الواقع".
وأبو شبكة نفسُه لم يغفل عن اصفرار مُحيَّاه، وهو القائل في إحدى مقالاته: "ما كان يصعد الدّم إلى وجهي إلا حين أشدّ على عنقي لاستبدال طوق القميص".
29. شنكليش
في آخر سبتٍ لأبو شبكة عندي (منتصف كانون الأول 1946) رأى على مكتبي ثلاث قِطَع من الشّنْكليش في إحدى الزّوايا. هلّل لها فبادرتُه: "جاءتْني بها والدة تلميذي لطف الله الغريِّب من بَيْنُو (عكّار) ولم يسبق لي أن عرفتُ الشّنْكليش". وحين قال لي الياس إن هذا النوع من الأجبان أشهى مازة مع كاس العرق، رجَوتُه أن يأخذ تلك الطّيّبات ويتنعّم بتذوّقها".
وخرج الياس يومها بالشّنْكليش من مكتبي، و... لم يعُدْ، لأن المرض تفشّى في جسده.
ومن قبيل الدّعابة صِرتُ أقول للطف الله الغريِّب كلّما التْتقيتُه: "سمَّمْتُم لأبو شبكة بشنْكليشكم".
30. قبلة لم تتم
وفي زيارته الأخيرة تلك، قال لي إنه سيُصْدر مجموعةً شعريّة جديدة بعنوان "قبلة على شفاه". وشاء القدر أن يغيب الياس ولا تصدر المجموعة، فاحتفظْتُ بالعنوان (وفاءً) لإحدى مجموعاتي الشّعرية في ما بعد "قُبَلٌ على شفاه".
وبعد غياب الياس انكبّيتُ على كتبه أدرسها، وعلى ذاكرتي أستعيد ما فيها من أفراح اللقاءات وأحزانها، لأخرِج أولى دراساتي عنه. وحين أعلمْتُ ميخائيل نعيمة بالأمر كتب إليّ يقول: "تخبرني أنك باشرتَ بوضع كتابٍ عن صديقنا الرّاحل. أرجو أن تعطي أبا ناصيف ما يستحقُّ من تكريم، فقد كان وفيّاً لرسالته ووطنه وأصدقائه. عسى أن يكون عملُك فاتحةَ عهدٍ يعلِنُ بعده أدباءُ لبنان ما كان لشاعر الرّومنطيقية الكبير من أثر في هذا العصر".
31. حبيب عودة
أورثني أبو شبكة صديقةً هي صاحبة "إلى الأبد" (أطال الله عمرها) لتظلَّ ساهرةً على ذكرى عبقريٍّ رحل في إبّان عنفوانه)، وصديقاً هو حبيب عودة (توفّي في أيار 2001 إثر عملية جراحية لم يتحمّلها قلبُه الوفيّ).
حبيب هو ابن زوق مكايل (ولد فيها 1915) وعُرفَ بصفاء الخلق وطيب المعشر وسداد الرّأي. وكان ماهراً في الحياكة على النّول بين أبناء بلدته التي زاحمت "صنعاء" على الإمارة في صناعة الأنوال.
جمعه بالياس أبو شبكة تعاطف كليهما مع حزب "الكتلة الوطنية" وعميدها إميل إدِّه. ولا تنسى زوق مكايل كيف الياس (في إحدى مقالاته الصّحفية) هبّ للدّفاع عن حبيب يوم داهمه رجال الأمن يحاولون نزعَ صور إميل إدِّه عن واجهة مشغله، فتصدّى لهم "أبو أنطون" بجرأته المعروفة.
ومن روائع حبيب عودة الحِرْفيّة لوحةٌ كبيرةٌ نسج فيها على النُّول توقيع الياس أبو شبكة (بالنّظر إليه عن بُعد لا بنقْلِه من ورقةٍ تحتَ يده).
كان منزل حبيب مثل منزل "ليلى" تفصل بين المنزلين مدافن زوق مكايل التي طالما سهر الشاعر في ممرّاتها الموحشة شتاءً وصيفاً، لايغادرها حتى ينطفىء الضّوء في غرفة "ليلى" التي، حتى علمتُ بالأمر، باتت تسهر لياليها مع العتمة كي توفِّر على شاعرها الانتظار بين المقابر. وحين كثُرتْ زيارات أبو شبكة لأبو أنطون، رأى الشّاعر أن يستفيد من موقع منزل صديقه، فتفاهم مع "ليلى" على "شيفرة" خاصة بهما عبر مناشفَ تُنشرُ على السّطح، يدلُّ لونُ كلِّ منشفة منها على زمان اللقاء ومكانه.
وتوالت الأيام، وأبو شبكة في صراع مع العصر، ومع الحب والرّقباء. وفي أواخر 1946 فاجأه الدّاء وساءت حاله فنُقل إلى مستشفى قلب يسوع (الخندق الغميق) حيث بقي يقاوم داءَه حتى أسلم الرّوح صباح الإثنين 27 كانون الثاني 1947. وطوال بقاء الشاعر في المستشفى، لازمه صديقه حبيب عودة، لا يتركه يوماً واحداً. وهناك، في المستشفى، اشتدّتْ صِلتي بحبيب، إذ شاء القدر أن أكون نزيل المستشفى نفسه بسبب "نزلة صدرية" ألمّتْ بي في (15 كانون الثاني) وكانت غرفتي مجاورةً غرفة الياس، فبقيتُ أسبوعين أعاينُ، عن قربٍ، مأساة رحيله.
وذات يوم، وأنا هناك، جيء بليلى (محجّبةً متنكِّرة) لوداع حبيبها. لكنه، لشدّة وهنه، لم يستطع أن يكلّمها. وإذ انْحَنتْ لتقبِّل جبينه، قبّل الصّليب المتدلِّي من عنقها. وهو ما ذكرْتُه في قصيدتي عن الياس يوم ذكراه في القصر البلدي (زوق مكايل -27 كانون الثاني 1978):
قمْ نقبِّلْ في بيت ليلى صليباً قبلةٌ منكَ لم تزلْ في الصّليب
وفي المستشفى، ذلك اليوم، أوهزتْ "ليلى" إلى حبيب بأن يهرع فوراً إلى بيت الياس، وينقذ الرّسائل بينها وبين الياس (وهي بلغت مئات الرسائل اللاهبة) قبل أن تمتدّ إليها يدٌ غريبةٌ وتكون فضيحةٌ رهيبة. واستعادت "ليلى" الرسائل، بعد غياب الياس. ولو أنها بقيت في عهدة حبيب، لَمَا كانت تمّتْ مؤامرة إحراقها، وفوَّتتْ على الأدب العربي الحديث كنزاً رائعاً من كنوز أدب الرّسائل.
بين كبار الشّعراء من اختصّوا، إلى جانب الشعر، بكتابة رسائل إلى حبيباتهم حمّلوها أصدق ما لديهم من لَهَب. وفي مقدمة ديواني "ملكاتٌ من صنع الشّعراء" لائحة بكبار في الشرق والغرب خلّدوا بشعرهم ورسائلهم نساءً غدونَ ملكاتٍ في هذا العالم.
وحين اكتشف النّقَّاد، قبل سنوات، رسائل حبٍّ لأحد كبار شعراء فرنسا، هزّ الخبر المجتمع الفرنسي وهرع مخرجو الشاشة إلى تحويل الرّسائل فيلماً سينمائيّاً.
هذا في الغرب، بينما في الشّرق تُحرق رسائل أبو شبكة ورسائل ليلى إلى أبو شبكة، بكلّ ما فيها من روائع شعريّة وعاطفيّة نقيًة لا يمكن أن تخجل بها امرأةٌ أو يتردّد عن كتابتها عاشقٌ وفيّ.
32 – مسكينة أولغا
لما كانت غرفتي في المستشفى على خطوات من غرفة الياس، كانت إطلالاتي عليه شبه مستمرّة ليلاً نهاراً. وذات مرة استفاق الياس على نحيب أولغا يبلغ أذنيه من الخارج، فسألني أن أناديها. جئتُه بهافتأمّلها بحزنها، وقال –كأنه يحاسب نفسه-: "مسكينة أولغا".
مالذي حمل الياس على أن تكون آخر كلماته لها (كأنه في كرسيّ اعتراف) تلك العبارة المغمّسة بالندم؟
مالذي مرّ في خيال العاشق، وهو يحاسب نفسه أمام زوجته في ساعاته الأخيرة؟ أأنه أساء إليها؟ أأنه أهملها؟ أأنه أحبّ سواها وكان أحبّها عقداً كاملاً (1921-1931) قبل أن يتزوّجها؟
أمام الموت يودّ الإنسان أن يغتسل من ذنوبه إذا كان أذنب. كل شيء يتبدّل أمام عينَيّ من يشعر بقرب مغادرته الوجود. الإحساس بالإنسان يتيدل. يصبح للقائك شكلٌ آخر ورنينٌ آخرز
أجل.. قالها الياس بحرقة: "مسكينة أولغا".
وما أن خرجت من غرفته حتى رحتُ أردّد في ذاتي: ".. ومسكين الياس"، وأتساءل: مَن من الإثنين غفر للآخر؟
وأغلب ظنّي أنهما، في ساعة الوداع الكبرى، تساويا في منح الغفران.
33- المشحة الأخيرة
من إيجابيات وجودي في مستشفى قلب يسوع (بين 15 و 27 كانون الثاني 1947 معالَجاً من نزلتي الصّدرية، أنني كنت قرب أخي الياس أبو شبكة في أيامه الأخيرة.
عند الخامسة عصر الأحد 26 من ذلك الشهر، مرّ بي الدكتور كيوان متجهّماً بعد جولته على مرضاه في المستشفى، وعلى شفتيه كلماتٌ يتردّد في الإفصاح عنها. قلت له: "لا داعٍ.. عرفتُ ما تريد أن تقول".
وما خرج من غرفتي (المجاورة غرفة الياس) حتى دخلت عليّ راعية المستشفى الأخت جِرْمين (اللعازرية) لتبادرني بلوعة بادية: "صديقك يُحتضَر، ولكنه مازال بكامل وعيه. استدعيتُ له الكاهن كي يمشَحَه (يمسحه بالزيت المقدّس) قبل أن يدخل في غيبوبته الأخيرة.
كنا ستةً حول سرير الياس: الكاهن (حاملاً زجاجة الزيت)، الأخت جِرْمين (حاملة شمعتها اللاهثة الضّوء)، أولغا، فرجيني (شقيقته) والشيخ فؤاد حبيش (وصل في تلك اللحظة، وإذ حاول الياس أن يكلّمه بادره الشيخ فؤاد: لا تُجهدْ قلبَك بالكلام يا الياس" فردّ الياس بصوتٍ واهنٍ: "بالعكس.. خلِّني أحكي. بعد لحظاتٍ أتوقّف عن الكلام إلى الأبد".
ولحظةَ اقترب الكاهن ليمسح جبين الياس بالزّيت المقدّس، أومأ الياس إلى الأخت جِرْمين أن تُسمِعَه صلاةً "من الأعماق صرختُ إليك ياربّ... إسمعْ صوتي! لتكنْ أذناك مصغيتَين إلى صوت تضرّعي. إن كنتَ للآثام راصداً ياسيّد، فمَن سواك يرحمُ؟ إن عندك المغفرة، فليكن لك الإكرام" (وهو مزمورٌ يُتلى عادةً في مثل هذا الظّرف).
وكانت تلك ليلة أبو شبكة الأخيرة، لأنه عند الرابعة من فجر الإثنين، لفظ نفسه الأخير، وسكت إلى الأبد.
واليوم بعد نصف قرن، أسألك يا الياس: ألا تكون تسميتي ديواني "من الأعماق" ترديداً لصرختك تلك ولِما يوحي به مضمونها؟
34 – يوم الوداع
صبيحة الإثنين 27 كانون الثاني 1947 خرج اثنان من مستشفى القلب الأقدس: واحدٌ فارق الحياة هو الياس أبو شبكة، وواحدٌ لا يزال على لائحة الانتظار هو جورج غريّب.
لم أكن استكملت علاجي بعد من جرّاء النزلة الصدرية، ولكني اضطررتُ إلى الخروجِ لمرافقة الياس إلى "مهرجان" وداعه.
أجل... كان مهرجاناً لأبو ناصيف ذلك اليوم الحزين خرجتْ فيه زوق مكايل بأكملها لملاقاته ووداعه الوداع الأخير.
بعد المراسم في الكنيسة (سيدة المعونات)، أُخرِج النّعش إلى باحة الكنيسة القديمة، وتوالت أمام حشدٍ غفيرٍ كلماتُ رثاءٍ بدأتُها بكلمة من القلب ودّعتُ بها رفيق السّنوات السّبع، وقدّمتُ ميخائيل نعيمة فألقى كلمته في رثاء صديقه، وتوالى بعده أصدقاء أدباء قالوا في الراحل الكبير بعض ما يستحقّ.
35 – المعبد الخالي
ختاماً...
أيها الغائبُ الحاضرُ في حضورنا المُغيَّب،
يا الياس أبو شبكة:
عشيّة يومٍ من أيام ذكراك، ذهبتُ إلى زوق مكايل، وصحبتُ "ليلى"كَ إلى "المعبد" المزروع على الهضبة نصفِ الخضراءِ (المجاورةِ بيتضها الحالمَ الأنيقَ) حيث كانت مُستقِرّاتُ لقائكما طوال سبع سنوات حبٍّ دامياتٍ انتهت بموتكَ بعد أن غيّرتَ مجرى الهوى على الأرض ومفهوم الهوى ومصائر الهوى، وبدّلتَ أدوات التعبير عن أرهف وأصدق ما يعتَوِرُ الوجدان الإنساني من قدسيّ الصّراعات.
عبرتُ الدّرب معها إلى ذلك المعبد. فأدهشني وأوجعني غيابُ صديقاتي، صنوبراتٍ كنتُ أعرفهنّ ولم تبق منهنَّ سوى مَن نجونَ بقاماتهنَّ الشّامخاتِ مِن يد الإنسان لم تُحوّلهنَّ بعدُ حطباً أو تستبدلهنَّ بحجارة شقعتْ بعضَها فوق بعضٍ وسمّتها بيوتاً.
كنتُ أسيرُ على تراب المنحنى، وأخفف الوطءَ (عملاً بنصيحة فيلسوف المعرّة يوم دعانا لإلى احترام بقايا الأجساد على الأرض). وصلتُ القمّة التي يجسثم عليها المعبد فشعرتُ أنني بلغتُ آخر الدّنيا، وأن شيئاً من الأعماق يصعد إليّ، وأشياءَ أخرى تهبط من الأعالي. وقفتُ بين موجاتٍ من الهيولى تغمرني أمام المعبد، الخالي إلا من طيفكَ العملاق يروح ويجيء في مطاوي الزّمن وممرّاتِ الذكريات وسكونِ الدقائق... على أصوات الشّحارير.
وكعابدٍ أمام الصَّنم، وقفت أتأمّلُ مَرَّ أجنحتك البيضاء في ذلك المعتكف الأبيض الموشّى بألف ريشةٍ وريشة، الموشّح بألف لونٍ ولون، بألف أغنيةٍ وأغنية، أصغي فأسترجع وقْعَ قدمَيك على الصّخور، وعصاكَ على الحصى تصْفعُ بها وجه الثّرى، وصدى همس تنهُّداتكَ تُطلقُها محرورة الحنايا كل مرّةٍ خاطبتَ بها "ليلى"كَ في رسالةٍ، في قصيدةٍ، في لقاءٍ، في سلك هاتفٍ، أو مِن وراء المذياع.
هناك، عند المعبد الخالي، سمعتك تناجي "النّاسكة"، تجمع شتات كلماتها، تحوّلها رائعةً شعريّةً تُتلى، قائلاً لخيالها المنتظر:
"ويا بَصَري حِدْ مرّةً عن طريقها كأنك مشدودٌ بخيـطٍ من القلـقْ"
لا تقلق يا الياس: لم تزل بعدُ قربَ المعبد بقايا من اخضرار السّماء. أطللْتُ على المنحنى الغربيّ الشّمالي منه، المنحدرِ انحدار الشّلال، فوجدتُ غابةً أو بعضَ غابةٍ لا تزال تحافظ على بكارتها وأنوثتها وتموّجات خصورها الوارفة.
التفتُّ إلى البعيد، فإذا أمام عيني الدّامعة أكماتُ "حريصا" السّبع التي حدَّدتَ أنت عددها، فذكرتُ وقفاتك الحالمات أمام منزلكَ الفسيح تُسَرِّح النّظر من وراء الزجاج على أحب منظرٍ لديك: الخليج الأزرق.
عندما استشرفتُ الملتقى الشّرقيَّ من المعبد، لاحتْ لي مساحةٌ من الأرض خلتُها بدونشاطىءٍ أونهاية. وخُيِّلَ إليّ يا الياس، وأنا و"ليلى" وحدنا عشيّةَ ذِكراك، أن أفضل باقة زهرٍ أتركها لك هناك، في تلك الذكرى الحزينة، دعوة "ليلى"كَ إلى فتح دفترها العتيق- كل ما تبقّى من رماد تلك الرسائل الشهيدة- وإسماعِكَ من شعركَ مطلَعَ رسالةٍ من ليلى إليكَ حوّلتَها أنتَ شعراً في قصيدة "النّاسكة" ("نداء القلب"):
حبيبي .. على هـذه الرّابية أحسُّ خيـالَكَ يرقـى بِيـَه
فأُغْلـِقُ- إلاّ على ما تحبُّ روحُـكَ- قلبي وأهدابيَـه".