هذه آخر ذكرياتي عن الياس أبو شبكة – 11-15

جورج غريِّب قرأها 6
 

هذه آخر ذكرياتي عن

الياس أبو شبكة

جورج غريِّب - 1997 

 ddddddttttttthhhhhhhggggg5t54tg5r.JPG

(1920 - 2006)

11-15 من 35

11 .      ليلة الخنشارة

في ربيع 1945 أخبرتُ الياس أنني مدعوٌّ والأب جوبان (رئيس معهد عنطوره) إلى زيارة دير الطبشي في الخنشارة وقضاء ليلة هناك في ضيافة الآباء.

في اليوم التالي فاجأني الياس بطلبه مرافقتنا إلى الخنشارة إذا سمح الأب الرّئيس. لكن!ّ هذا الأخير، رحَّب، فأخبرت الياس، الذي هلَّل لموافقة الرّئيس. وعَينتُ له ساعة الانطلاق بدون أن أسأله عن سبب رغبته في موافقتنا.

وصلْنا الدّير فأُفرِدتْ لكلٍّ منا غرفةٌ رهبانيةٌ أنيقةٌ في بساطتها. وهناك أطلعني الياس على سبب رغبته في مرافقتنا: أنه على موعد، في العاشرة ليلاً، مع "ليلى" في شقّة (لآل "ز ..." في بولونيا.

قبل أن تبدأ "مغامرة" الياس الليلية، قلت له بكل وضوح: "انتبه: هنا تحتنا ورشة بناء، والحائط الذي يسوِّر الدّير مهدوم لم يبق منه غير بوَّابة المدخل الكبير ضمن قوسها الحجري. معنى ذلك أنك، عندما تعود متأخِّراً في الليل، لا لزوم لأن تدقَّ بمطرقة البوَّابة كي نفتحها لك، فتوقظ الرّهبان. الجدار من حولها مهدوم، ويمكنك الدّخول بكل سهولة من دون البوّابة. ليس أمامك أقلذ حاجز".

استغرب الياس تنبيهي وكل هذا الشّرح الوقائي.

مع ذلك، ورغم كل ذاك الشّرح، صحَوتُ عند الثانية بعد منتصف الليل على قرع مطرقة البوّابة، فنهضتُ فوراً (قبل أن يصحو الرّهبان) ليقيني أن الطّارق هو الياس أبو شبكة. وذهبتُ إليه قائلاً: "أدخلْ عن يمينك. لا ضرورة للبوابة، فالحائط عن جانبها مهدوم". وعندئذٍ، عندئذٍ فقط، أدرك تخوُّفي مما كان سيحدث له في العودة وفهم تنبيهي إيّاه على الأمر. وشاء أن يعتذر، فما تركت له مجالاً، لما رأيت عليه من هيئة مشوَّشة واضطرابٍ ظاهر.

تركتُه يستريح ورحتُ أنتظر الحكاية. وبعدما هدأتْ أعصابه قليلاً، قال: "وصلتُ بولونيا بعد تعب. ورحتُ أستشرف البناية و"شقة" السّعادة فيها، حتى إذا ظننتني اهتديتُ إليها، أخرجتُ من جيبي مفتاح "الجنّة" وأخذتُ أحاول فتح الباب، لكنه لم ينفتح. حاولت ثانية وثالثة، وإذا بي أفاجأ بصياحٍ يتعالى من الدّاخل: "حرامي .... حرامي ...." فاستدرْتُ بلا وعيٍ وخرجتُ أعدو هارباً إلى منحدر في الغابة المظلمة التي تفصل بولونيا عن الخنشارة. وفي ركضي وهلعي بلا وعيٍ، زلَّت بي قدمي فاصطدم صدري بشجرة وانكسر قلم الحبر في جيبي وسال أسْودُه على قميصي كما ترى، وتريدني، بعد هذا، أن أهتدي إلى الْجدار المهدوم وأتذكَّر تحذيرك إياي من دقِّ البوّابة بمطرقتها الغليظة"؟

بعد يومين من دعوتنا، صدر في الجريدة مقال بقلم الياس أبو شبكة عن "زيارة الخنشارة مع رئيس عينطوره ومدير الدروس العربية فيها"، وطبعاًَ من دون أي ذكر لما حلَّ بالعاشق المولَّه من "نكبات".

12.      سرّ الصّورة الضّائعة

دخل الياس محترف المصوِّر (المشهور آنذاك) أسعد الدّقوني، "الزيتونة" (بيروت)، وقال له بلهجته العصبية المعتادة: "أريد أن تأخذ لي صورتَين. استعمل فنَّك كما تريد لأخذ الأولى واستخراج 6 نسخ منها. أما الأخرى فأنا أتكفَّل بتهيِئة ذاتي لها، ولا تستخرج منها سوى نسخة واحدة".

امْتَثَل المصوِّر الفنَّان لطلب الشّاعر، وأجْلَسَه بالشّكل الذي اختاره، والتَقَطَ له الصّورة الأولى. وعندما استعدّ لالتقاط الصّورة الأخرى، استوقفه الياس: "لا. انتظر. سأستغرق في الرُّؤيا، أتمثَّل الحبيبة أمامي وأنا منجذبٌ إليها بكليّتي، ولحظة أستحضِرها كليَّاً أومىء إليكَ بإشارة خاطفة من يدي فتلتقطُ عدستُك لحظة الرؤيا المنعكسة على وجهي وعينَيّ".

وراح الياس في رحلة خيالية أرعشتْ كيانه وهزَّتْ مشاعرَه. وما إن شعر أن طيف "ليلى" بات أمام عينَيه التّائهتَين، حتى حدّق إليها بجمْع أعصابه وأشار إلى المصوّر فالتقط هذا تلك اللحظة محققاً حلم الشاعر ورغبته، محترماً ذهولَه وتوتُّر أعصابه.

بعد يومَين، عندما استلم الشَّاعر الصّورة الثانية الخاصة بـ"ليلى" قال للمصور: "أعطني المسودة"، فأخذها وأتلفها كي يضمن أن لن تكون لها نسخة أخرى. وعلى هذه الصورة كتب: "هكذا أنظر إليكِ".

وفي اليوم التالي جاءني بحالة تاعسة، وأطلَعَني دامعاً على حكاية الصّورتَين: "أردتُ أن أحمل الصّورة اليوم إلى ليلى، فلم أجد الصّورة. لا أعرف أيّة يد امتدّتْ إليها وذهبتْ بها".

طيَّبْتُ خاطرَه وقدَّمتُ له كأسَ نبيذٍ معتَّق من قبو دير عينطوره، وقلتُ له: "هوِّنْ عليك، إن ضاعت الصّورة فـ"ليلى" لم تضعْ. وهي لا تزال موجودة أمام عينَيك".

13.      على جناح غيمة بيضاء

أخبرتْني والدة الشّاعر أنه دخل عليها ذات يوم مغموراً بالسّعادة، وكان فترتئذٍ بلغ ذرْوة حبِّه، وقال لها كأنه يصلِّي: "هل رأيتِ ليلى يا أمي كيف مرَّتْ بنا؟". لم تجب الوالدة لخوفها أن يكون وحيدها في حالة هذيان. ولما لاحظ شكَّها في ما يقول، أضاف: "أقسم لكِ يا أمي أنها مرَّتْ بنا، كما وعدتْني". قالت الأم المسكينة: "كيف مرَّت بنا ولم أرها؟ دعْ عنكَ هذه الهواجسَ ياابني. إنها تؤثّر على صحتك". أجاب الياس: "بلى يا أمي، بلى .. صدِّقيني. عبرت من هنا في الصّباح الباكر، على جناحَي غيمة بيضاء".

عندها استسْلمتْ أم الياس لدموعها، وهي تعاين، بلَوعة الوالدة، ماذا فعل العشق بوحيدها.

.... أجل يا الياس، لقد عبرتْ ليلى، على جناحَي غيمة بيضاء.

14.      لويس الخامس عشر

الحذاء النّسائي العالي الكعب رفيعه، كان معروفاً بـ"لويس الخامس عشر".

في المرحلة الأولى من حب ليلى، لم يكن محظوراً عليها زيارة الياس في منزله بحجّة زيارة أمه زشقيقته. ولكن، بعد أن تأزَّم الوضع وكثُر المراقبون و"المُسْتأجَرون" والوُشاة، باتتْ زيارتها شبه مستحيلة.

وذات صبح، بينما كان الياس مُسمَّراً أمام الواجهة الزّجاجية في حارته الواسعة، عيناه غارقتان في البعيد، إلى الأكمات السّبع والخليج الأزرق، يفكّر باستحالة مجيء ليلى إليه كالمعتاد، بلغَ سمْعَه وقع "لويس الخامس عشر" على بلاط الدَّار. التَفَتَ إلى الوراء ليفاجأ بحضور ليلى، متجهةً إليه بخطاها الوئيدة، فراحتْ عيناه تراقب خطواتها، حتى إذا اقتربت منه انحنى على قدمَيها، وانتزع "لويس الخامس عشر" من إحدى القدمَين، وخاطبه: "أيُّ فضلٍ لكَ عليَّ، وأنتَ أوصلْتَ ليلى إليَّ بعد فقدان الأمل بلقائها؟".

أليس أنَّ العباقرة يظلُّون أطفالاً مهما عظموا؟

وقديماً قال الْجاحِظُ: "إن وقعَ أحذية النّسْوان، وهنَّ في طريقهنَّ إلينا، يذهبُ بالعقل حيناً، ويثيرُ خَفْقَ القلوب أحيانا".

15.غلواء تحترق

جاءني أبو شبكة يوماً، يحمل إليّ مفاجأة لعلَّها في نظره أعظم مفاجآته الأدبية أو أكثرها دهشة. وبكثير من الفخر قال: "أحرقتُ نصفَ "غلواء" ...". وانتظرَ مني أن أنفعل، لغرابة ما أسمع. فاستدرك: "ستقول إنني مجنون". أجبتُه: "وأنت قلت". ولم يتراجع عن موقفه، بل أخذ يشرح لي أنه وعد "ليلى"هُ ألاّ يقولَ غزلاً في سواها. فأجبته بشيء من البرودة: "أتُحاسِب نفسَك على غزلٍ قلتَه قبل ليلى؟!".     

بعد سنوات، علَّق رفيق دربي أنطون قازان على مفاجأة أبو شبكة بقوله: "أشكُّ في دِقَّة الخبَر. فأبو شبكة نشر "غلواء" تباعاً في الصُّحف قبل صدورها كتاباً. ولو صحَّ قولُهُ في القصائد التي زعم أنه أحرقها ولم ينشُرْها لكُنَّا وجدْناها منشورةً متفرِّقةً في الصُّحف".

بين قول الياس، ورأي أنطون ... ألله أعلم.