هذه آخر ذكرياتي عن الياس أبو شبكة – 6-10

جورج غريِّب قرأها 5
 

هذه آخر ذكرياتي عن

الياس أبو شبكة

جورج غريِّب - 1997

ffffffffffthyuujjjjjjjjkf66666546h.JPG

(1920 - 2006)

6-10 من 35

6.   موعد في المنظار

في أحد أيام السبت، كالعادة، جاءني الياس إنما باكراً يومها، وفي يده ... منظار. سألتُه عن حاجته إليه فقال: "موعدي معها عند العاشرة"ز قلت: " وأين"؟. قال: "في هذا المنظار".

وعندما رأني لم أفهم مقصدَه، اخذ بيدي وقرّبني من النّافذة: "ضَعْ هذا المنظار على عينيك"، ففعلتُ، فأردف: "أتَرى فيه هذه الصّنَوبرة اليتيمة المرتفعة أمام مدخل دير مار ميخائيل"؟ .. حدَّقتُ مليَّاً وقلتُ له: "نعم". قال: "هناك ستكون ليلى بانتظاري عند العاشرة، لِعِلْمها أنني سأوافيها إلى هناك بواسطة هذا المنظار من وراء نافذة مكتبك". ولمَّا أعلمتُه أن عندي صفَّاً في تلك السّاعة، علَّل للخير لأنه سيصبح وحيداً مع "ليلى"ـه، عبر منظاره، يخاطبها بملء الحرّية، ويُحمل الرّؤيا ما يريد من النّجاوى.

وما أن دقَّت ساعة المدرسة دقّاتِها العشر، حتى هرع الياس إلى النّافذة المُحْدَودَبَة، تسمَّر عندها على كرسيّ، وركَّز المنظار على عينيه، وراح في لحظات شطحٍ صوفيّ يفتِّش عن ضالّته، فيما رُحتُ أنا إلى لقاء طلابي في الصّف.

وحين عدتُ إلى مكتبي، بعد انقضاء ساعة صفِّي، فوجِئْتُ بالياس مازال، كما تركتُه قبل ساعة، مُسَمَّراً على كرسيِّه: المنظار في عينَيه، والتَّمْتمات على شفتيه، كأنه في مكان عبادة.

و ... من قال إن العباقرة ليسوا أطفالاً كباراً، فلْيعْتَبِرْ.    

7.   دموع على الأسلاك

كنت الوحيد، بعد رئيس مدرسة عينطوره جوبان، في امتيازي بوجود جهاز هاتف في مكتبي، المجاور مكتب الرّئيس.

وفي أصيل سبتٍ، كالعادة، جاءني الياس يحمل رقماً يساوي نظره كنوز الدّنيا، وبادرني بصوت يرتعش: "ليلى تنتظرني على هذا الرّقم".

أخذت "محرِّك" جهاز التلفون ذلك الزّمان، وأدرْتُه على الرّقم الذي في الورقة. وما كاد صوتُ "ليلى" (المرتعش هو أيضاً) يرنُّ في أذُني حتى ناولْتُ الياس السمَّاعة وهممْتُ بالخروج من مكتبي (كي أترك له حرية التّصرُّف). لكنَّه أشار إليَّ بالبقاء، إرادةً منه أن أكون شاهداً على حبِّه.

وما كاد يبادر حبيبته بكلمة "أحبُّك" حتى انهمرت الدموع من عينيه، وظلَّ عشر دقائق لا يقُولُ إلا "أحِبّـُكِ أحِبّـُكِ أحِبّـُكِ أحِبّـُكِ أحِبّـُكِ ... " ودموعه تنهمر، إلى أن انقطع الخطُّوانتهت المخابرة بين الأسلاك التي عرفتْ لأول مرّةٍ كيف تُخرِسُ الدّموعُ بواحَ العشَّاق.

8.   تلّة الرّعيان

بين عينطوره ومَحلَّةٍ في زوق مكايل تدعى "التْراب" (بكسْر الرّاء على الطريقة الكسروانية)، عند منتصف المسافة بين الاثنتَين، تلَّةٌ صخريةٌ شماليةٌ لم أتنبَّه بوماً لها، رغم سنوات التّلمذة الطِّوال في معهد عينطوره.

محلَّة "التْراب" هذه تطلُّ على أحد أجمل مرئيات المتوسِّط، في جوار دير مار ميخائيل (الي مات فيه معلمي الأب مارون غصن ذات ليلة من العام الدراسي 1939 – 1940). ولهذه المحلة في ذكرياتي غير رؤيا، إذ كنتُ آتي معلِّمي في أوقات المغيب الرّبيعية أتأمَّل لوحاتٍ عجائبية ترسمها الشمس على الأفق الغربي في مهرجان الغياب .. لوحات قلّ أن يعيرها الاهتمامَ النّاس المشغولون بأمور الحياة المادّية الملحّة، فيما يقول بول فاليري: "ما قيمة ألف ديوان شعرٍ أما ممغيب الشّمس؟". وفيما وُجدَتْ مدام دُه مِنْتُنان فاقدة الوعي لشدَّة انسِحارها بروعة المغيب، وفيما كبار الشّعراء وجدوا في جمالات الطبيعة وأسرارها معتكفهم الآوسع.

طوال سبع سنوات (1940 – 1947) كان بعد ظهر السبت من كل أسبوع موعد لقائي بالياس أبو شبكة داخل صومَعتي المُسِنَّة في معهد عينطوره (سكن فيها لامارتين أربعة أيام)، فنجولُ في أمور الشّعر والأدب والحب حول كأس من معتَّقات الأقبية. وكان من عاداتنا أن أرافقَه في طريق العودة (بين الرّابعة والخامسة) فأودِّعَه عند المطلّ السّاحر من "التّراب". ومن هناك يُكمل طريقه إلى الزّوق وحده، واعود وحدي إلى المدرسة بانتظار السبت التالي (ذلك السبت الذي غنَّيتُه مراراً في مهرجانات ذكرى الياس بعد غيابه).

ذات سبت، ونحن في انحدارنا من عينطوره، وصلْنا تحت تلك التَّلَّة، ففوجِئْتُ بالياس ينحرفُ بي صُعُداً عبر ممرَّاتٍ ضيّقةٍ ملتوية، هي طريق الرّعيان يسلكونها بخرافهم صوب المراعي. وكم أدهشني، عندما بلغنا القمَّة، منظر زوق مكايل في المنحدر المقابل، كأنها على مرمى حجر أو في متناول اليدّ.

وقفنا في رهبة المكان صامتَين: في عينَي الياس انتظار، وفي خيالي تساؤلٌ عن غيب منتظر...

وماهي إلا دقائق حتى بدت في أسفل المنحدر حوريةٌ كأنها خارجةٌ من عالم الأساطير، ملتَفَّةٌ بمنْشَفة بيضاء كالعباءة، تتسلَّق الممرَّ الضَّيِّق في اتّجاهنا، ففهمتُ أنه تكمِلةٌ للممرّ الذي سلكناه من الجهة المقابلة. وصلت "الحمامة البيضاء" بأناقتها وهُزالها، وعطر "فامّ" () يضوع حولَها. بلغتْ أذُني ضربات قلب الياس، ففهمتُ كلَّ شيء، وتراجعْتُ أسْتكشِف وحدي جمالات التّلَّة التي كنت لم أكتشفْها بعدُ، تاركاً للحبيبَين أن ينعما بلقاءٍ، ولو عفيف، في غفلةٍ عن "الرّقباء".

ولم تمرّ دقائق معدودات على تجوالي، حتى وصل إلى تلك النَّاحية راع يقود قطيعاً من الأغنام. شغلْتُه لحظات بأسئِلتي كي لا يتابع مسيرتَه نحو الحبيبَين. ولمّا ضاق ذرعاً بي وبأسئلتي، خفتُ أن يكون في عداد "الرُّقَباء" (وما كان أكثرُهم)، فاسْتَبَقتُه إلى الحبيبَين أنبِّههما إلى الخطر المُداهم.

وكان على عقد الحميمية أن ينفرط، وعلى أويقات النَّعيم القصيرة أن تتبخَّر تاركةً عطر "فامّ" يضوع تائهاً في أجواء تلك التلَّة الخضراء.

9.   انْهار الموعد فانْهار الياس

ذات يوم وصل الياس إلى مكتبه في الإذاعة اللبنانية متهلِّلاً (على غير عادته) إذ كان على موعدٍ أن تتّصل به "ليلى" عند السّاعة العاشرة، كي يوافيها إلى مكانٍ محدَّدٍ يضمّهما معاً في مأمنٍ من أعين الرُّقباء.

دقَّت السَّاعة العاشرة، ودقَّ معها جرس الهاتف، ولكن .. لا لتحديد اللقاء بل .. للاعتذار عنه: "فالأمور غير سانحة".

ما كانت النّتيجة؟

أصيب الياس، من جرَّاء الصّدمة، بانْهيار يشبه الإغماء، مما اضطرَّ إدارة الإذاعة إلى اسْتِدْعاء سيارة إسعافٍ نقلتْه إلى أقرب مستشفى.ٍ

10.                      التأوُّه المفتعل

في أثناء ترؤُّسه (بصفة رئيس قَلَم) القسم الأدبيَّ في الإذاعة اللبنانية (أواخر عهد الانتداب الفرنسي) كان له حديثٌ أسبوعيٌ من سياسةٍ وأدب وشعر. وكان يومها في أوج اشتِعال حبِّه "ليلى" صاحبة "نداء القلب" و"إلى الأبد"، فكان، قبل البدء بكلِّ حديث، يرسل تنهيدة عميقةً مفتعلةً ظاهرةَ القصْد، كي يُلْمِحَ لِـ"ليلى" (المُنتَظِرَة في بيتها أمام جهاز الرّاديو) أنها تعيش في أنفاسه وكلماته وخياله وجميع مشاعره.  

ddddddddzsdahhhddddewergergfergerf4444444444fwrdf.JPG