لوحة العشاء السري لدافنشي... وعقيدة التعدد

د. شفيق يازجي قرأها 6,956

 لوحة العشاء السري لدافنشي... وعقيدة التعدد

ربما تكون لوحة العشاء السري لليوناردو دافنشي، من أروع اللوحات وأكثرها أثراً في النفس، سواء بسبب فنيتها كونها من أهم إبداعات عصر النهضة،  وارتباطها بشكل وثيق بالتراث الديني، أو بسبب ما أُثير حولها من لغط في رواية شيفرة دافنشي، لكن ما يهمني هنا هو رمزيتها:

 يتوسط اللوحة رجل، ليس كباقي الرجال، انه المسيح، رمز الحقيقة الأبدية، يرتدي الأحمر المتوهج والأزرق الهادىء، للإشارة الى طبيعتيه البشرية والإلهية، مترفّعٌ عن كل ماديات العالم، جدّيٌّ رزينٌ، يعرف المستقبل الذي ينتظره على خشبة الصليب، حزينٌ على البشرية ومآسيها، يضع نفسه تحت تصرف الناموس (القانون الأزلي للكون)، الذي يعني الحياة والموت وسلوك البشر، والحقيقة (المسيح) التي نظمت قوانين العالم، قادرةٌ على كل شيء، ولكنها لا تلغي شيئاً من ثوابت الكون، لكي لا تتناقض مع ذاتها، يعرف من سيسلّمه للموت، كشفَ تآمرَ يهوذا، والتقت يداهما في صحن واحد، في إشارة الى المنافسة بين الخير والشر على هذا العالم، ولكن ليس بالإمكان إيقاف القدر، ولا نزعة الشر، المتأصّلة في هذا العالم، والتي تضحّي بأنبل القيم، مقابلَ حفنةٍ زائلة من الفِضَّة.

 يجتمع حول الحقيقة المطلقة، لفيفٌ من الأشخاص، هم التلاميذ أو الحواريون، وهم اثنا عشر رجلاٌ من البسطاء وصيادي الأسماك، لم ينزع فطرتهم، عالمُ الفريسيين، والكتبة، ورؤساء الكهنة، والحكام الرومان، اختارتهم الحقيقة ليكونوا رُسُلَها الى العالم أجمع، كان أولهم، وأكثرهم مدعاة للجدل، ذاك الذي يجلس على يمين السيد، وسواء أكان هذا الشخص رجلاً اسمه يوحنا الحبيب، أو كان امرأة اسمها مريم المجدلية، والتي كانت بحسب شيفرة دافنشي، زوجة المسيح، ويشكّل (كما في اللوحة) جسده مع جسدها شكل الكأس (الكأس المقدسة)، وهي التي مسحت رجليه بشعرها، ورافقته بمواقع عدة، وكانت أول من شهد على قيامته من بين الأموات، وأنجبت منه، وبعد القيامة هربت مع ابنتها الى جنوب فرنسا، ومن نسلها نشأت السلالة المقدسة، هذا الشخص الى يمين المسيح، سواء أكان يوحنا أم مريم، فانه لايغير شيئاٌ في رمزية العلاقة معه، فهي علاقة محبة وولاء مطلق، لا تشوبها الشكوك. وتبدي اللوحة، كيف كان التلاميذ يتحاورون، ويحتارون في أمر ذاك الذي سيسلّم السيد الى الموت، وكانوا يأكلون خبزاً ويشربون خمراً، دون كؤوس ظاهرة فوق الطاولة، وكان المعلم على رأس الطاولة وهو يسمو عن النزعات المادية للبشر، يقابله مَن هو دون البشر (يهوذا) الذي يتجرّد من كل قيمة سماوية. كانت أفكار التلاميذ فطرية، فبطرس دفعه حبُّ البقاء وخوف العذاب والموت، الى نكران معلمه ثلاثاً، وتوما دفعه ميلُه الغريزي الى التجريب، والتأكُّدُ بالحواس، قبل اقرار الواقعة، الى نكران قيامة السيد من بين الأموات، فأسّس بذلك مدرسة الشكّ الأولى في العالم، ولم يقتنع بهذه القيامة، الا بعد أن شاهد ولمس أثر المسامير في يديه، أي احتاج للاعتراف بالحدث، الى حاسّتين على الأقل، وكان هذا موقفاً ايديولوجياً لتوما، وليس نزعة طائشة، بدليل أنه كرّر نفس الموقف، عندما أخبروه، بقيامة السيدة العذراء من بين الأموات.

اثنا عشر تلميذاً للسيد، اثنا عشر عموداً للهيكل، اثنا عشر كوكباً لقبَّة السماء، اثنا عشر درباً لحقيقة عنوانها المحبة، اختارهم السيد بنفسه، وكانت طرقهم نحو الإيمان متباينة، فَمِنْ مُسَلِّمٍ مطلق، كيوحنا الحبيب أو مريم المجدلية، الذي دفعه حبُّه الكبير للسيد وخوفه عليه، الى ملازمته والى تصديق كل ما يسمعه منه، الى بطرس السياسي المحنّك، الذي يعرف متى يشهر الراية ومتى يخفيها، ومتى يستلُّ السيف ومتى يغمده، الى توما، الذي ألهم علماء عصر النهضة في أوروبا بشكِّه، وكان باعثاً أساسياً لثورة العلوم الحديثة، والذي حضر عليه السيد، وجعله يتحقّق بنفسه من الحدث الجلل، وعاتبه بِوُدٍّ، وغفر له. ولا شك أنه كان لكل من التلاميذ الآخرين طريقه المميز الى الإيمان، كانت كل اتجاهات التلاميذ مقبولة لدى السيد، وأخطاؤهم مغفورة، الا يهوذا الذي فضّل فضَّة التراب على كل القيم الأخلاقية العليا، فخانها، وعندما رأى عذاب السيد، ندم وبكى، واختار الموت طوعاً، فكان شجاعاً بما يكفي، ليترك الحياة، لمن يستحقها.

فهل قصد ليوناردو دافنشي، ومن خلال هذه اللوحة الخالدة، أن يعلن المسيحية نظاماً تعددياً، ينهي به حقَّ الفريسيين بالسلطان المستمدِّ من آبائهم، وحق الكتَبة ورجال الدين في عبودية الحرف المميت، وليكرّس تعدّد الدروب للحقيقة الواحدة؟ أم انه كان يُشَفِّرْ، ما لم يستطع الإجهار به، في ذلك الوقت، بما عُرف بـ"شفرة دافنشي"؟ أم انه قدّم لنا عملاً فنياً من تراث عصر النهضة، يروي من خلاله واقعة في الإنجيل بعيدة عن الرمزية وعن أي اجتهاد؟ أم ان دافنشي استطاع بتميّزه أن يُضَمِّن لوحته الشهيرة بالعشاء السري كل هذه الاحتمالات؟  أسئلة كثيرة ولكنني أعتقد أنها جديرة بالتأمل وبالتفكير.    

Damascus 2010

Ch.yazigi@yahoo.com