النقد الأدبي ونعمة التذوق
تحت هذا العنوان ألقى الباحث عطية مسوح محاضرة في المركز الثقافي العربي في مرمريتا بتاريخ 17/11/2013 أوجز فيها معنى النقد الأدبي وأهمية التذوق في خدمة الجمال، فالأدب عنده ومنه الشعر هو عمل إبداعي، والإبداع لا يقونن بقوانين صارمة ولا تحدّده النظريات، والنقد الأدبي مهم في تطوير الفكر، والوعي، وفي تنمية ما سمّاه الذائقة الأدبية (من الذّوق).
.jpg)
ولنقاد الأدب ثلاثة اتجاهات، فمنهم من يرى في الذّوق أساساً للنقد ومثالهم محمد مندور، وبعضهم الآخر يعدُّ العلم هو الأساس في ممارسة النقد وأبرزهم ذكي نجيب محمود، والاتجاه الثالث ويمثله توفيق الحكيم الذي وقف بين هذا وذاك ودعا الناقد إلى الجمع بين ما سمّاه المذهب الشخصي أي القائم على الذّوق، والمذهب الموضوعي أي القائم على العلم وعلى الأصول والمقاييس. ورأى مفكرنا أن ما ذهب إليه ذكي نجيب محمود باعتماد العلم كأساس للنقد الأدبي ما هو إلا سذاجة تهمّش من دور الشعور وتستهتر بقيم كالحق والخير والجمال في فهم الأدب، فالنهج العلمي في النقد الأدبي يخرجه من دائرة المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية إلى الفلسفة الوضعية ذات الصفة الواقعية والقوننة العلمية، أما ما ذهب إليه مندور والحكيم فهو في غاية الصعوبة لأنه يتطلب درجة عالية من الثقافة، ومن الذائقة الراقية لدى الناقد الأدبي. كما رأى المحاضر أن التذوّق هو جوهر العملية النقدية، وفي الصياغة النقدية التالية للتذوّق يأتي دور العلم والقوننة وعلم النفس والاجتماع، فالنقد والعلم مختلفان في طبيعتهما وغاياتهما، وتفرّقهما عدة نقاط أهمها:
1- في النقد الأدبي تتحدّد الغاية في تمييز النص الجيد من الرديء والجميل من القبيح، أما في العمل العلمي فالغاية تحديد الصواب من الخطأ
2- اليقين في النقد الأدبي هو فني يقود إليه الشعور، أما اليقين في العلم فهو موضوعي يقود إليه العقل
3- موضوع النقد الأدبي هو الأدب، أما العلم فله منهجه الخاص في البحث.
ويعتقد المحاضر أن السبب الأساسي لهذا اللَّبس عند النقاد بين التذوّق والعلم، يعود إلى الخلط بين مفاهيم النقد الأدبي، والدراسة الأدبية، ونظرية الأدب، فالنقد الأدبي هو تذوّقه، والدراسة الأدبية تعتمد على المنهج العلمي، ونظرية الأدب هي عمل فلسفي، والتذوق في النقد الأدبي لا يقتصر على الأدب القديم وجمالياته، بل يشمل أدب الحداثة، واستشهد الناقد الفذّ عطية مسّوح بأحد أبيات المتنبي كمثال عن الجمال الذي لا تشوبه شائبة في الأدب القديم: (كفى بك داء أن ترى الموت شافيا/ وحسبُ المنـــــــايا أن يَكُنَّ أمــــــانيا). وفي أدب الحداثة برهن الكثير من روادها على قدرتهم على الإبداع وعلى رسم الجمال بالكلمات، كما استشهد على ذلك بمقطع من قصيدة نزار قباني (حبُّكِ يا عميقة العينين/ تطرُّفٌ تصوُّفٌ عبادة/ حبُّكِ مثل الموت والولادة/ صعبٌ بأن يعاد مرتين). والحداثة الأدبية منذ أن ظهر شعر التفعيلة هي تمرُّدٌ على القواعد والقوانين والأصول، وجوهرها تخفيف القيود التي تلجم الإبداع، وقد رافق النقد الأدبي الحداثة في تطورها منذ نعومة أظفارها وحتى الآن، وهي، أي الحداثة، سلسلةٌ لا تنقطع ومسيرةٌ لا تتوقف، وهي غير قابلة للحصر بقواعد وبأصول، ولذلك فهي قابلة للنقد الأدبي بمفهوم التذوّق أكثر من منطق العلم، ويبقى الثابت في نقد الأدب قديمه وحديثه هو تذوق الجمال من القبح.
وأورد الأديب مسُّوح مثالاً كيف صاغ عنترة ابن شداد الكلمة في خدمة الجمال: (أحبُّكِ يا ظلومَ فأنتِ عندي/ مكانُ الروح من جسد الجبان/ ولو أني أقول مكان روحي/ خشيتُ عليك بادرة الطعان) فلقد كثر الذين وصفوا الحبيبة بالظالمة وأعطوها مكانة الروح من الجسد، ولكن الذي أعطى لهذه الأبيات بعدها الجمالي هو كلمة (الجبان)، فروح الشجاع عند المنازلة للطّعان هي أرخص ما يملك أما عند الجبان فهي الأغلى، كما استشهد أديبنا بقصيدة نزار (أنا عنكِ ما أخبرتهم.. لكنهم /لمحوكِ تغتسلين في أحداقي/ أنا عنكِ ما كلمتهم.. لكنهم/ قرؤوكِ في حبري وفي أوراقي/ للحبِّ رائحةٌ.. وليس بوسعها/ أن لا تفوح.. مزارعُ الدّراق). الأبيات عادية في كلماتها وصورها لولا كلمة (رائحة) فهي التي جعلت القصيدة تفوح بعبق الحب وأعطتها بعدها الجمالي، ولإيضاح دور الذائقة في تمييز القبح، عاد المحاضر واستشهد بنزار وكتاب الحب: (محفورة أنت على وجه يدي/ كأسطر كوفية/ على جدار مسجد/ محفورة في خشب الكرسي.. يا حبيبتي/ وفي ذراع المقعد/ وكلما حاولتِ أن تبتعدي/ دقيقة واحدة/ أراكِ في جوف يدي). وأشار الأستاذ مسوح إلى أن هذا المقطع يحتوي ثلاث بؤرٍ من القبح، أولها كلمة (وجه) فهي زائدة على المعنى وقد استخدمها الشاعر لضرورة الوزن، وثانيها استخدامه للزمن (دقيقة واحدة) ففيه انتقاص من وهج الحب، وثالثها وهي الأقبح كلمة (جوف) يدي، ففي بداية المقطع حفر نزار حبيبته على وجه يده، فكيف نقلها هذه النقلة في نهايته إلى جوف يده؟!.
محاضرة رائعة قدمها لنا الباحث الأدبي عطية مسوح بأسلوبه اللطيف، وأظهر كل جزء منها ثقافته العالية، وقدرته المميزة على إيصال المعلومة بشفافية وسلاسة الى المستمع، وقد استطاع من خلال النص والأمثلة المرافقة أن يجعلنا نتذوّق بُؤرَ الجمال ومكامنه في الأدب، وحقاً يا لها من ذائقة ومن نعمة. وتلا المحاضرة حوارٌ ومداخلات هادئة رصينة شارك بها عدد من أساتذة ومثقفي الوادي، فكانت بحق مفيدة وممتعة...