الأمير الصغير ومسرات القلب
في المركز الثقافي في مرمريتا، رأيت سيدات يهتممن بالأطفال بفرح حقيقي،
إليهن أهدي هذه الطفولة.
قال أحدهم: (ان لم تعودوا وتصبحوا مثل الأطفال، لن تدخلوا ملكوت السموات)، وقال آخر: (لو تُرك الأولاد يفكرون كما يشاؤون وبحرية، ودون تدخل الكبار، لأصبحوا شعراء)، وقال ثالث: (أولادكم ليسوا لكم، انهم أبناء الحياة)، والحقيقة انني لم أفهم شيئاً مما قيل- أكثر من كونها أُطراً لواجبات الكبار نحو الصغار، لسد الفجوة الحاجية والتربوية والمعرفية بينهما- حتى قرأت رواية الأمير الصغير، من تأليف الكاتب الخالد أنطوان دو سانت اكسوبري عام 1942، هذا العمل الأدبي الذي لم تشهد مبيعاته تراجعاً منذ صدوره في الولايات المتحدة الأمريكية وحتى الآن، قُرِئ من الكبار والصغار، وتُرجم الى 160 لغة عالمية ومحلية، تدور أحداث الرواية حول ولد عمره ست سنوات، رسم حية البوا وهي تبتلع فيلاً، وعرضها للكبار فلم يفهموها، وظنوها رسمة لقبعة، ونصحوه أن يترك الرسم، ويتابع بدلاً عنه ، الجغرافيا، والتاريخ، والرياضيات، والنحو... فشعر بالخيبة، وأهمل الرسم، وتعلم مهنة أخرى، هي قيادة الطائرات، جاب طفلنا أماكن كثيرة في العالم للمتعة والاستكشاف، ولكن طائرته تعطلت في مكان من الصحراء الافريقية الكبرى البعيدة عن مأوى البشر، فحاول اصلاحها، وهناك التقى بالأمير الصغير الهابط من كوكب سماوي لايزيد حجمه على بيت، فحدثه عن رحلاته الكونية التي شملت ستة كواكب صغيرة جداً، وكان سابعها الأرض، قال الأمير الصغير: (الكبار يحبون الأرقام، عندما تخبرهم أن لك صديقاً جديداً، فلن يسألوك أي أسئلة عن أمورٍ جوهرية، لن يقولوا لك بتاتاً: (كيف صوته، أي رياضة يفضل، هل يجمع الفراشات؟) بدلاً عن ذلك يسألون: (كم عمره، كم عدد اخوته، كم يزن، كم ثروة أبيه؟) وان قلت للكبار، رأيت بيتاً جميلاً مبنياً بالورد، فيه نباتات على النوافذ، وحمائم على الأسطح، فلن يستطيعوا أن يُكَوِّنوا أي فكرة عن البيت اطلاقاً، كأن عليك أن تقول لهم: رأيت بيتاً قيمته مائة ألف فرنك، وسيهتفون آنذاك: (أوه أي بيت بديع هو!) ويتابع الأمير الصغير: أما نحن الذين نفهم الحياة، فان الأرقام لدينا بالتأكيد هي موضع لامبالاة، وطلب الأمير الصغير من محدثه أن يرسم له خروفاً، ولكنه خاف ان اصطحبه معه الى كوكبه، أن يرعى زهرته الوحيدة، فاتفقا لكي لاتكون الزهرة في خطر أن يرسم حولها سياجاً، وعلى فم الخروف كمامة، ثم روى الأمير الصغير أخباراً عن أناس التقى بهم على الكواكب التي زارها، مستعرضاً الفروق في التفكير بين الكبار والصغار، فعلى الجرم السماوي الأول يسكن ملكاً وحيداً، والملوك يرون كل الناس رعايا، والتثاؤب في حضرة الملك مخالف للأصول، والتساؤل ممنوع، فالملك هو الذي يأمر بالتثاؤب وبالتساؤل، وحكم الملك لم يكن مطلقاً فقط ، بل كان شاملاً أيضاً، وعلى الكوكب الثاني كان يسكن مغرور، والمغرورون يرون الناس الآخرين جميعاً معجبين، ولايسمعون الا المديح، وعلى الكوكب التالي يسكن مدمن خمرٍ، وعندما سأله الأمير لماذا تشرب؟ أجابه: أنا أشرب حتى أنسى، تنسى ماذا؟ أنسى أنني خجلان، ومما أنت خجلان؟ فيجيب : خجلان من الشرب!، أما الكوكب الرابع فعليه رجل أعمال، يهتم بالقضايا المهمة، مثل امتلاك النجوم، اذ لم يسبق لغيره أن فكر في امتلاكها، انه يديرها ويعدها ويعيد عدها، والأمير الصغير يملك زهرة فقط، ويسقيها كل يوم، والكوكب الخامس مساحته تكفي لقنديل، ولطريق، ولمُوقِد قنديل فقط، انها مهنة جميلة جداً، فحين يوقد القنديل فكأنه جاء الى الحياة بنجمة أو زهرة جديدة، وعندما يطفئ قنديله، يرسل النجمة أو الزهرة للنوم، انها مهنة جميلة، وما دامت جميلة، فهي نافعة حقاً، والمُوقد يعمل وفق الأوامر، والأوامر لم تتبدل، ولكن من سنة الى أخرى صار الكوكب يدور أسرع، والآن يدور دورة كاملة كل دقيقة،ولم تعد له ثانية واحدة للراحة، مرة كل دقيقة عليه أن يوقد القنديل ويطفئه، قال الأمير الصغير: كوكبك صغير جداً تكفي ثلاث خطوات للاحاطة به، ولكي تكون في نور الشمس عليك فقط أن تمشي ببطء وعندما تريد أن ترتاح امش وسيدوم النهار قدر ما تشاء، والكوكب السادس يسكنه عجوز كتب كتباً ضخمة انه جغرافي ينتظر المستكشفين ليسجل معلوماتهم عن الأرض والمحيطات والجبال، انه يكتب عن الأشياء الأبدية، أما زهرة الأمير الصغير ذات الأربع شوكات لتحميها ازاء العالم، فلا تستحق التسجيل لأنها فانية، والكوكب السابع فقد كان الأرض التي يسكنها 2 مليار من الكبار، وبحسب الأمير الصغير فانه من السهل وضعهم في ساحة عامة واحدة طولها عشرون ميلاً وعرضها عشرون ميلاً، ولكن الكبار لا يصدقون ان قلت لهم ذلك، فهم يتصورون أنهم يشغلون مساحة هائلة، وهم يظنون أنفسهم مهمين مثل أشجار الباوباب، على الأرض تعرف الأمير الصغير الى الحية، وحيا الورود، وتعلم من الثعلب معنى التدجين، وأصبحا على صداقة، وتعلم منه أن الوقت الذي أضاعه بالاهتمام بزهرته هو الذي جعلها مهمة بالنسبة اليه و ان العين لا ترى الجوهري، وتعرف وهو على الأرض على محول سكة الحديد، الذي أخبره أن الكبار يسافرون وهم لا يتابعون شيئاً على الاطلاق، هم نائمون ، وان لم يكونوا نائمين، فهم يتثاءبون، قال الأمير الصغير: وحدهم الأطفال يعرفون عم َّ يبحثون، هم يضيعون وقتهم على دمية من خرق، فتصبح في غاية الأهمية لديهم، فان أخذها أحد بكوا، والتقى أميرنا الصغير على الأرض أيضاً تاجراً، يبيع أقراصاً تروي العطش، وتوفر أسبوعياً 53 دقيقة من البحث على الماء، قال الأمير الصغير: (أما بالنسبة لي ان كانت لدي 53 دقيقة أقضيها كما أشاء، فأُفضل أن أمشي الهوينى، الى نبع ماء عذب)، وعندما أزفت ساعة عودة الأمير الصغير الى كوكبه، قال لصديقه طفل الطائرة: ( كل الناس لهم نجوم، لكنها تختلف باختلاف رؤيتهم لها، فالمسافرون يرون النجوم دليلاً هادياً، وآخرون لا يرون فيها سوى أنوار صغيرة في السماء، أما العلماء فيرونها مشكلة، ورجل أعمالي يراها ثروة، لكن لك وحدك ستكون النجوم الضاحكة، عندما تنظر الى السماء لتبحث عني، يكفي أن تتطلع الى النجوم وتسأل نفسك، هل أكل الخروف الزهرة نعم أم لا؟ وسترى كيف سيتغير كل شيء، ولن يفهم أحد من الكبار أبداً أن هذا أمرٌ مهم للغاية؟). وبعد قراءة هذه الرواية اكتشفت أن الأطفال ليسوا كبار المستقبل فقط، والكبار ليسوا صغاراً منجزين كما نظن، بل هما ينتميان الى ثقافتين مختلفتين كلياً، ثقافة الكبار غريبي الأطوار، وثقافة الصغار وهي تبرع في تلمس مسرات القلب، ما جعلني أفهم، كيف للأولاد أن يكونوا داخلي الملكوت، وشعراء الغد، وأبناء الحياة.