أيسوب وصياغة وجدان العالم بالكلمة...

د. شفيق يازجي قرأها 1,478

أيسوب وصياغة وجدان العالم بالكلمة... 

في مقال له كتب الروائي حنا مينة (كان حلمي أن أُغيِّر العالم بالكلمة لا بالمقص... أنا الآن كاتب بسيط يؤلف حكايات تصوغ وجدانات الذين يعملون لتغيير العالم...) حملتني هذه الكلمات إلى أبي الحكاية، الى أيسوب، ويروي التاريخ أن أيسوب هذا قد يكون من أصل مصري أو افريقي عاش في بلاد الإغريق قبل الميلاد، وألّف الكثير من القصص الخرافية، وسواء أكان هذا الرجل حقيقيأ أم أُسطوريأ، فان ما نسب إليه، من بدائع الأعمال والتي شكلت جذراً صلباً في تأسيس عالم القصة، جعله أباً عبقرياً للقصة الرمزية، فقد نُسب إلى ذلك العبد المئات من الحكايات التي تشفُّ عن ذكاء وعبقرية سميت (الأيسوبيات)، وتوارثتها الأجيال حتى عصرنا هذا بكل ما فيها من عبر وحكم وطرافة، ويعود الفضل لأيسوب في تطوير الحكاية الشعبية كأداة مهمة في التطوير السياسي والاجتماعي، وذلك لإبداعه قصصاً رمزية قصيرة، أبطالها من الحيوانات ومغذاها أخلاقي، وتستعمل هذه الحكايات حتى يومنا هذا، لتعليم الأطفال بشكل خاص، جملة من القواعد الإنسانية العامة فضلاً عن تسليتهم وتنشيط خيالهم بما تحمل من رؤى أسطورية، ويذكر التاريخ أن أيسوب كان عبداً وتم أخذه مع عبدين آخرين للبيع في سوق النخاسة، فجاء أحد السادة اليونانيين وسأل كلا من العبدين الأولين، ماذا يمكنك أن تفعل؟ فكانت الإجابة، أي شيء يا سيدي، وعندما أعاد السؤال نفسه على أيسوب، أجاب أنا لا أستطيع أن أفعل شيئا يا سيدي، فَدُهش السيد، وقال له كيف؟ قال: ان رفيقيَّ لم يتركا لي شيئاً أفعله، فقال: حسناً! الآن لو دفعت فيك ما يطلبون من مال، أتكون صالحاً وأميناً؟ فأجاب أيسوب: إنني يا سيدي سوف أظل صالحاً وأميناً اشتريتني أم لا! فسأله أخبرني الآن بصدق ألن تحاول الهرب؟ أجاب أيسوب وهل سمعت في حياتك يا سيدي عن طائر لم يحاول أن يهرب من قفصه، أو أخبر صاحبه عندما تكون له النية لأن يهرب! فقال السيد: أخاف أن يسخر الناس من شكلك القبيح في أي مكان تذهب اليه، فقال أيسوب: ان الفيلسوف يا سيدي ينبغي أن يقيِّم الإنسان بعقله لا بجسده! أُعجب السيد بحكمته وذكائه وسرعة بديهته فاشتراه، وبعدها أطلق سراحه مالك آخر؟ وساهم أيسوب في رفع الظلم عن المضطهدين في الإمبراطورية الرومانية بما امتلك من موهبة وقدرة على توظيف الكلمة الناقدة؟ وتم قتله بعد أن تآمر عليه قساوسة أبولو بسبب نقده لهم، بأن دسّوا له إناء من الذهب في ثوبه، ليُحكم كسارق!

أيسوب وصياغة وجدان العالم بالكلمة... 

أسّس أيسوب لأدب الأطفال، أي لطفلٍ تبنيه الكتب من خلال قصصه الخرافية الرائعة، التي أعطاها معاني الحياة، وكانت اللغة الأدبية للأيسوبيات هي العامية التي عرفها العبيد والخدم والمربيات، وتطورت مع العصور، وساهمت قراءة هذه القصص في صياغة عقول رجال المستقبل وسلوكهم وأعمالهم، وكان لهذا النوع من الأدب بُعدٌ يتجاوز الجمالية إلى خدمة الانتماء والعلاقة بالآخرين، وغاية الكلمة عند أيسوب لا تقتصر على إيصال المعلومة، وإنما على توظيفها منطقياً، فالرأس مثل البيت حين يزدحم حتى الاكتظاظ دون مراعاة أي نظام في وضع الأشياء، فانه يصبح ركاماً مبعثراً لا بيتاً مؤثثاً. كتب أيسوب الكثير من القصص ذات البعد الاجتماعي والإنساني مثل (الأوزة والبيض الذهبي، النملة والحمامة، الجرس والقط، الثعلب والعنب، الشمس والريح، البخيل والذهب، الأولاد والضفدع، الثعلب والقرد، الأسد والفأرة...) ليُعلِّم من خلالها حكماً في الخير والحق والجمال مثل (ضرر الطمع، فعل الخير، من السهل أن تقترح حلولا مستحيلة، الزمن كفيل بحل المشكلات، وان الموتى لا يروون الحكايات، كثرة الألفة تولد الاحتقار، العادة مارد جبار، لا يعدم الظالم حجة لتبرير ظلمه، لا أمان للذئاب...) ومئات القصص والحكم الأخرى التي تذكرنا بكليلة ودمنة التي ساهمت وما زالت في صياغة وجدان العالم وتخصيب مخيلته بالكلمة التي تصنع الحكاية وترسم الصورة الذهنية. ويختم القاص الكبير حنا مينة (أيسوب العصر) مقاله كما يلي: (يقول القاص الصديق وليد معماري: حين جاء أبونا ليكرّز البيت، رشّني وكتابي الذي أقرأ فيه بالماء المقدس، وحين انتبه إلى استغراقي في القراءة توقّف وسألني: آه يا بنيّ، لعلّك ستصبح كاتبا؟! فأجبته نعم يا أبانا، ألا يقول الكتاب: في البدء كانت الكلمة، جمد أبونا بالرد الذي فاجأه...) وتابعت أنا محاولاتي لتغيير العالم بالكلمة...

Ch.yazigi@yahoo.com