طوبى للمبدعين ...
كنت وصاحبي نستمع -أثناء جلسة ندامة وسمر- إلى مقابلة متلفزة مع الموسيقار الكبير الياس الرحباني، تحدث فيها عن الموسيقى ودورها التاريخي والإنساني، وحول الإبداع، قال الموسيقار الكبير: إن المبدعين يستحقون التطويب، إلى جانب القديسين المحترمين، فهم يبذلون الجهود الكبيرة، ويعانون الكثير من شظف الحياة وبؤسها، ليقدموا للإنسانية نتاج أعمالهم التي تساهم في رفاه الإنسان وسعادته، فقال صاحبي: نعم للرأي الكبير، فالإبداع هو حصيلة الجهد الدؤوب، وهو ميزة العقل الراجح الناضج، ولابد للإبداع من بيئة غنية بالأفكار، ومن ذهنٍ منفتحٍ قادرٍ على فهم وتحليل وتركيب معلومات الثقافة السائدة، لتكون لحظة الإشراق أو الكشف، التي يجد فيها الموهوب الجواب على أسئلة كونية فيرى ما لا يراه الآخرون، ويعرف ما يجهلون، وأضاف صاحبي: انهم كما يقول باولو كويللو يقرؤون العلامات، ويبنون على عتباتها المستقبل.
كان صاحبي برهوم يتكلم كمن أتم دراسته في الفلسفة أو العلوم الثيوصوفية، قبل أن ينقلني بحديثه الى عصر النهضة الأوربية، والى الإبداعات الرائعة التي شهدها، والتي أسست لعلومنا الحالية في كل المجالات بما فيها الطب والاتصالات والعمارة والنحت والرسم والموسيقى، فتمّ اختراع المطبعة من قبل الألماني جان غوتنبرغ وتم اكتشاف كروية الأرض ودورانها حول الشمس من قبل كوبرنيكوس ومن بعده غاليليو الذي -وتحت ضغط القوى المسيطرة آنذاك والتي طلبت منه أن ينكر ما قاله في هذا المجال- أجاب: (أنا أنكر دوران الأرض حول الشمس ولكنها تدور) أي أن الحقيقة تبقى ثابتة ولو تنكّرنا لها بالأقوال، فالموضوعي لا ينفيه الذاتي، وها هو ديكارت يؤسّس لعصر العقل بمبدئه المشهور (أنا أفكر اذاً أنا موجود) وهارفي يكتشف الدورة الدموية الكبرى بعد ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى بحوالي قرنين من الزمن، وهاهو القرن السابع عشر يحمل انتصارات العقل المذهلة في جميع الحقول الفلسفية والاقتصادية والسياسية، وتختمر فيه روح الحرية على يد جان جاك روسو في نظرية العقد الاجتماعي التي تنظم العلاقة بين الحاكم والشعب، وعلى يد مونتسكيو صاحب نظرية فصل السلطات، وهاهو نيوتن يكتشف قانون الجاذبية الذي أوحى له به سقوط تفاحة، ويبلغ عصر الأنوار ذروته بالتطور الذي طرأ ليس فقط على عقل الإنسان وإنما على قلبه وحدسه وتأمُّله، أي تجاوز الإنسان سنّ القصور العقلي الى الروح العلمية، وفي المشرق وبالتحديد في الفترة الواقعة بين القرنين السابع والثاني عشر الميلادي، فترة استقرار الدولة العربية الإسلامية، شهدت دمشق وبغداد حركة نشطة من الترجمة والإبداع على يد أعلامها أمثال ابن سينا والبيروني وابن زهر وابن النفيس وابن رشد وابن خلدون والغزالي، وكانوا مجدِّدين للثقافة والفكر مبدعين بهما، وبقيت الأندلس لقرون (الثامن– السادس عشر) منارة في علوم العمارة والطب والهندسة والري والاجتماع، ونهلت أوربا من علوم هؤلاء الأفذاذ، وعلى تراثهم أسّست حضارتها، تساءل صاحبي: أفليس العبقري الياس الرحباني على حقّ فيما طرحه؟، أليس هؤلاء المبدعون هم فاتحو أبوابِ الكون وكاشفو أسرارِه؟، أليس من يكتشف جزءاً من الحقيقة يمهّد الطريق نحوها كاملة؟، أليس المبدعون في كل العصور هم ثوار زمانهم؟، أليسوا هم المجدّدين المتمردين على أفكار من سبقهم؟، ألم يكونوا حداثيّين وليس فقط مُحَدِّثين؟، ألم يساهموا في اكتشاف قوانين الله على الأرض في سبيل الإنسانية؟، أفلا يستحقون أن نطوّبهم أسوةً بالقديسين والأولياء، الذين لا نعرف عنهم (غالباً) سوى سيرتهم التي بدأت سيئة وانتهت بالتوبة، وما هي آثارهم إلا بضع قواعد أخلاقية، أو قصة أسطورية، تتواجد في أكثر من دين وفي أكثر من موقع جغرافي وتاريخي، ودون إثبات لنَسَبها سوى ذمة الكاتب، وذمة أولي الأمر، ونحن نعلم أن التاريخ يكتبه المنتصرون.
عذراً، لقد أنساني صديقي المُدام، وعلى راية الرحابنة في مسرحية يعيش يعيش، (كاسك خيي برهوم).