ميخائيل نعيمة (ناسك الشخروب)

د. شفيق يازجي قرأها 4,782

ميخائيل نعيمة (ناسك الشخروب) 

بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة

أتقدم من أسرة جماليا وكافة الأصدقاء

بأحر التهاني القلبية، داعياً الجميع إلى هذه الوقفة مع شيخ الإنسانية.

ميخائيل نعيمة (ناسك الشخروب)

عندما تقرأ ميخائيل نعيمة، تجد نفسك في وحدة مع الكون، كوحدة أعضاء الجسد، في عالم يمتد من خلاياك وحتى ملايين الأجرام السماوية، منظمٍ بحكمة تتدخل في تفاصيل حياتنا بقوة اسمها القدر لا نعرف عنها الا القليل، مقونن بما يفوق العقل.

 ولد ناسك الشخروب في بسكنتا لبنان عام 1989، وتنقل للدراسة بين فلسطين وروسيا وأمريكا، وعاد ليستقر في الوطن الأم، كتب بالعربية والانكليزية والروسية، وكان عندما يتنقل لا يشبع من التأمل في معالم تلك البلدان، ومن التفكير في أن كل بقعة من الأرض لها وجهها العجيب، ولا بد أن تكون عزيزة على قلب انسان من الناس، وكان الحنين الى المصدر يرافقه كسِنَّة من سنن الطبيعة أو سر من أسرار الاستمرار، يدفعه للعودة الى الوطن الأم، وكان شوقه الى لبنان يقارب شوق موسى لأرض الميعاد، بعد أن خرج بقومه من أرض مصر وتاه واياهم أربعين عاما في البرية.

وأديبنا شاعر وقاص ومسرحي، تميز بعمق الشعور واتساعه، ووحدة الفكر واندفاعه، وجمال البيان وحلائه، عارض أشباه المصلحين، في دعوتهم الى توحيد المذاهب (اذاً فليوحدوا أذواق الناس في كل ما يأكلون ويشربون، ويحبون ويكرهون ويحلمون، فليصهروهم في أتون واحد، ويسكبوهم من جديد في قالب واحد، لكنني أقول لكم انهم لو فعلوا كل ذلك، لما خلقوا مذهبا واحدا، تنصب فيه جميع قلوب الناس وأفكارهم، ولهم في ذلك شعار يكثرون من ترديده وهو الدين لله، والوطن للجميع، وكانوا أصدق نطقا لو قالوا: الوطن لله، والله للجميع)، ويدعو هؤلاء الى عدم التسليم لعقائدهم بل إلى تفتيش مذاهبهم ونقدها باخلاص (فتشوها بلهفة العاشق، فتشوها بطهارة الطفل، وحرقة التائه، وايمان المحتضر)، وفي مفهوم الأعجوبة يقول: (كأنما الطبيعة التي نتحسسها في كل لحظة من وجودنا، ليست عجيبة كما هي، الا اذا انقلبت الى غير ما هي عليه)، وفي الدين له باعه (انما الدين أيها الناس، هو شعوركم بالله المنطوي فيكم، لا أكثر ولا أقل، فمن كان شعوره بالله نوراً صافياً، كان دينه نوراً صافياً، ومن كان شعوره دخاناً، كان دينه دخاناً)... وناسكنا واسع الأفق، انساني النزعة، فأنت سواء كنت مؤمناً بعقيدة، أو ملحداً بكل شيء، علمانياً، أوغير مبالٍ، أو من اللاأدريين، لافرق، فقربك من الله هو عملك، وتفكيرك الخيُّر هو الذي يرتد عليك كارتداد أمواج البحر على الشاطىء.

ومن خلال مطالعة هادئة عقلانية، يتساءل نعيمة، عن سر اختيار الآباء الأوائل أربعة أناجيل في حين طمسوا الباقي، وعن سر اختيارهم لأناجيل اثنين من تلاميذ المسيح، واثنين لم يعرفوا عنه وعن سيرته شيئا، وحول ولادة السيد المسيح يقول: (لا، ليس يحط من قيمتك، وقيمة رسالتك أن يكون لك أب في الأرض، مادام لك أب في السموات)، ويُعرِّجُ على ما يعتبره مجازياً في الانجيل، كما في انفتاح السماء بعد اعتماد المسيح في نهر الأردن، أو حلول الروح القدس على شكل ألسنة نارية على التلاميذ في اليوم الخمسين للقيامة. ويحدثنا شيخ التاريخ عن الأسينيين، الذين يعود تاريخهم الى أوائل القرن الثاني قبل الميلاد، ومعنى اسمهم (الساكتون أو الأطباء أو الأتقياء)، وقد انتبذوا ناحية من شواطىء البحر الميت، وكانوا يعملون في الأرض، ويحترفون بعض الحرف اليدوية، ويمارسون الاشتراكية في أصفى معانيها وأنبل مظاهرها، فالكل للواحد، والواحد للكل، والمُلك جماعي، واتخذ الأسينيون من التعمد بالماء رمزا للتطهر من الخطيئة، وانضم يوحنا المعمدان ويسوع الى الأخوية الأسينية وهما في الثانية عشرة من العمر، ولم ينفصلا عنها حتى بلوغهما الثلاثين وهي سن اكتمال الرجولة والروح. وفيلسوفنا ناقد لاذع لسلطة الكنيسة، فهو يرى أن يسوع أوصى تلاميذه، أن يأكلوا الخبز، ويشربوا الخمر لذكره لا أكثر، غير أن آباء الكنيسة الذين رتبوا لها العقائد والطقوس والتقاليد، أبت عليهم غيرتهم الا أن يضفوا عليها، ألوانا من السر وأنواعاً من البهرجة، وأشكالاً من القداسة، فكانت الأسرار والأعياد والصوم والصلاة، فكأن الآباء شاؤوا بذلك أن يبزوا الوثنيين واليهود، بكثرة أسرارهم، وجمال طقوسهم، وقدسية تقاليدهم.

كان ابن لبنان حزينا على أمته، ولكنه لم يكن يائسا من مستقبلها، فالخميرة الصالحة المخزونة في قلبها منذ فجر الزمان، لخميرة لا تفسدها تقلبات الأيام، فهي وان لفها الجهل بألف خمار لابد أن تمزق لفائفها عندما يأتي الأوان وهو آت من غير شك.

أمضى ميخائيل نعيمة أعوامه المائة، باحثاً عن معنى الانسان، متسائلا عن الغاية من وجوده، وآمن بعقيدة التقمص وفسر ذلك بقوله: (الحد الذي بلغته الآن من تفكيري يعطيني ما يشبه اليقين، بأن في استطاعة الانسان أن يعرف كل أسرار الكون، وأن يتسلط على كل قواه، فيصبح خالقا لا مخلوقا، ولكي يتم له ذلك لا بد له من فسحة أطول بكثير من عمر واحد، فالزمان كله هو الفسحة المعدة ليبلغ غايته، لذلك تراني اعتنق عقيدة التقمص)، ويقول شاعرنا في قصيدة بعنوان (الى دودة)، موضحاً صراعه بين قلبه المؤمن وعقله المتسائل:

(ففي داخلي ضدان: قلبٌ مُسَلِّمٌ، وفكر عنيد، بالتساؤل أضناني توهم أن الكون سرٌ، وأنه يُنال ببحث، أو يباح ببرهان فراح يجوب الأرض والجو والسما، يسائل عن قاص، ويبحث عن دان وكنت قصيدا قبل ذلك كاملا فضعضع مابي من معان وأوزان).