طوبى لأرواحنا الميتة ...

ألفريد نوبل
فازت الصين بجائزة نوبل العالمية للآداب 2012، فهنيئا لك يا مويان أيها الروائي الكبير، وهنيئا للصين التي أضافت إلى تاريخها، عظيما جديدا...
بادرني صاحبي ومزيج من الجدية والألم في نبرة صوته، بسؤاله: أهكذا يفكر المثقفون عندكم؟ بينما لاحت في يده صحيفة، من الواضح أنها قُضت من مجلة، اقترب صاحبي ووضعها ضمن ساحتي البصرية، كانت مقالاً وفي زاويتها العليا اليمنى صورة لكاتبه، وتمددت تحت بعض الأسطر خطوطٌ زرقاء، كأنها تشير إلى زبدة الكلام، وبعد أن أثار الشوق في فؤادي، قال: إذا كانت هذه هي طريقة التفكير عندكم فليرحمكم الله، وكانت كلمة عندكم إشارة لغيابه الطويل عن الوطن، وأردف: إن جائزة نوبل هي إحدى الجوائز العالمية التي تُمنح للمبدعين، والتي يهتم العالم بأسره بها، ويتسابق من أجل الحصول عليها، إلا أمثال كاتب مقالنا هذا، وأشار بسبابته ليجعلني أقرأ، فقرأت (المصيبة أن من يضع المعايير لجائزة نوبل في هذا العصر، يُجَيِّشُ لها جيوشا دعائية مرئية وغير مرئية، من أجل جعلها صراطا مستقيما يفضي بالسائر عليه إلى جنان عدن، وان زاحت عنه القدم سقط إلى قاع جهنم وبئس المصير...) التفت إلي صاحبي وتابع: أليس من حق من أسس جائزة نوبل أن يقوننها بما يراه مناسبا، أليس هؤلاء من البشر، ومن حقهم أن يضعوا لجوائزهم معايير تناسب ثقافتهم وحتى مصالحهم؟ ثم ماذا فعلنا نحن من أجل تغيير هذه المعايير، لكي تؤول في يوم من الأيام لمثقفينا؟ طبعا لا شئ!!! لقد تركناها للآخرين بمن فيهم عدونا الوجودي، وبينما كان تفكيري يطير بين عيونه وفمه وسبابته والخطوط التي رسمها تحت الجمل المهمة من الصفحة، أشار مجددا لفقرة فقرأت (شاهدت مرة، على التلفاز، حفل تسليم جوائز نوبل الأسطوري في استوكهولم، وأقلعت عن ذلك إلى الأبد، لأن الثريات والموائد وكؤوس الكريستال وأطواق المدعوات الماسية واللؤلؤية، استفزتني أكثر بكثير من صور جياع أفريقيا وخادمات آسيا..) قال صاحبي متسائلا: كم من مناسبة سيقلع عنها كاتبنا، إذا تساءل بصدق أين تتواجد الثريات والموائد والكريستال والماس واللؤلؤ، أفي استوكهولم عاصمة السويد ورمز العدالة في العالم، أم في عواصم البلدان التي يغار على فقرائها؟ حيث الغاب وشرعه، صحيح انه لم يحصل على هذه الجائزة كل من يستحقها في العالم، ولكن هل يكفي أن نحصر الأسباب بنظرية التآمر الخارجي؟ أين هو دورنا وما هو الجهد الذي بذلناه لكشف الحجاب عن كيفية الوصول إلى هذه الجائزة، وفق المعايير التي ابتدعوها؟ طالما أنها جائزة ذات سمعة دولية عالية القيمة، فلماذا نقلل من شأنها وقد نالها الكثيرون ممن يستحقونها؟ لماذا نطمر رؤوسنا بالرمال؟ لماذا نطفئ بريق الأمل في وجه نخبنا؟ ولصالح مَنْ ننسحب بحجة الانحياز؟ أم إننا ننتظر أن تُقدم إلينا الجوائز العالمية على وسادة من حرير؟ لماذا؟ لأننا نظن أننا الأفضل، ونظن أننا الأخْيَرَ والأحق، والعالم يتآمر، ونحن نعلم أن عدونا لا يترك وسيلة للحصول على أمثال هذه الجوائز أو لتمريرها إلى حلفائه وأصدقائه في العالم إلا ويستخدمها، ألا يكفي أننا خارج الدورة الاقتصادية والمعلوماتية والعلمية لعالم اليوم؟ فلصالح من يوجه كاتبنا العظيم خطابه الحنون؟! وهو يعلم أن جائزة نوبل وأمثالها ليست ثماراً فارغة، بل إن طريقته في التحليل والاستنتاج هي الثمار المحبطة الفارغة، كرسائل الجحيم الموجهة إلى قلب شعبه، وإذا كان هذا النهج يمثل رأي الكثير من أصحابنا المثقفين، فطوبى لأرواحنا الميتة، ثم أشار صاحبي مجددا ليجعلني أقرأ ما فوق سبابته (ومما يزيد الطين بلّة أن كل الجوائز التي نسمع بها صباح مساء و في كل المجالات، هي تفريخ لجائزة نوبل المقدسة، خيال ظل تحركه أصابع في الظلام، تبدو لك مسرحا حيا، وهي ليست كذلك...) وتابع صاحبي: إن هذا الصنف من مثقفينا الأشاوس، لا تكفيهم ثقافة القدح، والاستغناء عن جائزة بحجم جائزة نوبل، بل يعممون ظلمة أفئدتهم لتشمل كل الجوائز وفي كل المجالات، مما يفرغ مثل هذه المقالات وكتابها من الموضوعية والعلمية، وهم بذلك يسدلون الستار ويأمرون الجمهور بالخروج، فهم يعرفون كيف تدار مداجن التفريخ بالأيادي السوداء!!! ومما جاء في سطور خاتمة المقال الذي أحضره صاحبي: (هل كل ما تنتجه الجوائز ثمار فارغة؟ بالطبع لا، ولكنها ثمار إن اختفت من مواسمنا وغابت عن موائدنا فلن تسبب لنا الفناء لأنها ليست غذاء أساسياً ولا حتى ضرورياً وبوسعنا أن نعيش بدونها ونحن أفضل حالاً وأنقى ضميراً...) قال صاحبي: تصور هذه الخاتمة التي تحاول تلطيف ما سبق، ولكن بطريقة غير موفقة، فإذا كانت هذه الثمار، بما تقدمه لحائزها وللبلاد التي أتى منها، من شهرة ثقافية، وقيمة مادية، و سمعة رفيعة، ليست غذاء أساسيا ولا ضرورياً لنا، فما هو بربك الغذاء الأساسي والضروري، وعندئذ ماذا يفرقنا عن أبناء عمومتنا من غير الآدميين، ماذا يفرقنا عن الثعلب، الذي عندما لم يستطع الحصول على العنب، وصفه بالحصرم.