ثلاثون مليون زهرة
لدينا ثلاثون مليون طفل مصري. شعب من الطفولة لا ينقصه سوى علم وفرقة موسيقية تتقدم مواكب الاحتفالات. طفولة خارج الخريطة السياسية إلا عندما يكون مطلوبا منها الابتسام وهي تضم صور الزعماء إلى صدورها لحظة ترجع بعدها إلى ضياعها وجوعها ونومها تحت الكباري. كان الكاتب الروسي العملاق فيودور دوستويفسكي يعتبر أن "الحياة مع الأطفال شفاء للروح"، لكننا ندوس الزهور التي تداوى الروح ونرميها إلى الوحل ونقدم لها حكاية غير التي كانت تود أن تنعس عليها. ففي عام 1999 قدرت منظمات غير حكومية عدد أطفال الشوارع في مصر بنحو مليوني طفل بلا مأوى، ولا أسرة، ولا تعليم، ولا غذاء، يمارسون التسول، والبطالة المقنعة، ويكدحون في كل الأعمال الشاقة ويشكلون مادة للاستغلال والاغتصاب والعصابات. السبب الرئيسي خلف ذلك الفقر. في نوفمبر 2013 أعلن الجهاز المركزي للاحصاء أن نسبة الأطفال الفقراء بلغت نحو ثلاثين بالمئة من بين فقراء مصر، أي حوالي ثمانية ملايين طفل، نفتح لهم ليس أبواب المدارس بل أبواب السجون المصرية التي بلغ عدد الأطفال المسجونين فيها أكثر من ثلاثمائة طفل ما بين يناير ومارس 2011. أطفال نمدّهم ليس بأسباب الحياة بل بأسباب الموت في الانتفاضات مثلما حدث مع عمر بائع البطاطا الذي شيعت جنازته إيقاعات العربات الكارو لرفاقه الأطفال الفقراء. وتشير د. فادية أبو شهبة الأستاذة في المركز القومي للبحوث الاجتماعية في دراسة إلى أن 85 % من ضحايا التحرّش والاغتصاب هم من أطفال الشوارع، يفتك بهم سفاحون مثل التوربيني الذي كان يستدرجهم ويغتصبهم ويرميهم من فوق أسطح القطارات، وآخرون مثل قاتل "زينة" طفلة بورسعيد .
ثلاثون مليون زهرة لا تأتي الأحزاب على ذكرها ولا تشغل حيّزاً من اهتمامات الدولة إلا إذا أرادت استغلالها سياسيا. هكذا استخدم الإخوان الطفولة بدءاً من اعتصامَي رابعة والنهضة، وصولا إلى بيان حركة "أطفال ضد الانقلاب"! وهكذا يتم استخدام الأطفال مؤخرا في الدعوة للتصويت على الدستور والدعاية للرئيس المقبل! هناك أسباب أخرى وراء تعاسة الطفولة كالتفكّك الأسري، إذ تقع في مصر نحو مائتي وخمسين حالة طلاق يوميا بواقع حالة طلاق كل ستّ دقائق. علاوة على انعدام أية رعاية صحية حتى أن دراسة علمية أجريت عام 2008 أثبتت أن ثلاثين بالمئة من أطفال مصر يمرّون بمرحلة التقزم! وإذا لم ينجح الفقر والتفكّك الأسرى في تمريغ الزهور في الوحل فإن الوعي المنحطّ يتكفّل بذلك! ففي مطلع نوفمبر 2010 نشرت صحيفة اليوم السابع خبرا عن مقتل طفلة لم تتجاوز الثلاث سنوات، قتلها والدها أحد تجار المواشي في الفيوم خوفا من معايرة أهل القرية لها حين تكبر بسوء سلوك واحدة من قريباتها! وهي حادثة واحدة من عشرات الحوادث التي تتوحّش وراءها ظلمة الجهل.
عام 1990 قامت منظمة اليونيسيف ببحث واسع شمل حوالي أربعين ألف طفل من مختلف أنحاء العالم لجمع آرائهم وأحلامهم وملاحظاتهم فتبين أن معظم الأطفال يحلمون بشيء واحد "التمتع بالمحبة". لدينا في مصر شعب من الطفولة ينشد الرعاية والمحبة، لكننا لا نقدم له سوى القسوة وشوارع الجريمة والجوع. ثلاثون مليون زهرة ندوسها بالتجويع والإفقار والحرمان ونتحدث عن التغيير.
أحمد الخميسي. كاتب مصري