الحركة التشكيلية في الداخل الفلسطيني
الناظر في حركة الإبداع الثقافي في الداخل الفلسطيني يرى نمواً وانتعاشاً للفن التشكيلي، هذا الفن الذي نشأ في أواخر الخمسينات من القرن الماضي عبر تجارب فنية لمجموعة من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وفي مقدمتهم جمال بياري من يافا، وابراهيم ابراهيم من الرينة، وعبد يونس من عارة، وظاهر زيداني من الناصرة، وعبد عابدي من حيفا.
وقد تميزت الأعمال الفنية في بداياتها بالبكائيات وتصوير اللاجئ الفلسطيني في مخيمات التشرد والبؤس والشقاء، وصمود جماهيرنا الفلسطينية وتشبثها بأرضها ووطنها، ومقاومتها الباسلة للحكم العسكري ولسياسة التمييز والقهر القومي وسلب ومصادرة الأرض العربية.
وفي أواخر الستينيات أخذت ظاهرة التفجّع والتحسّر على فقدان الوطن بالتراجع، وظهرت تحديات جديدة فرضت على الفنان الفلسطيني التعاطي والتعامل معها. وفي هذه المرحلة بدأت بواعث حركة فنية وبرزت أسماء جديدة حققت وهجها وانتشارها من خلال لوحاتها الفنية، فعكست نمو وتطور الشخصية الوطنية الفلسطينية، ورصدت الواقع الجديد الذي أفرزته هزيمة حزيران والاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية العام 1967، كما وصورت مقاومة شعبنا الفلسطيني ضد القهر والظلم والكبت والبطش الاحتلالي، وتخاذل الأنظمة والقيادات العربية الرجعية.
وفي مسيرة هذه الحركة لمعت أسماء كثيرة كان لها عميق الأثر على مسار وتطور الحركة التشكيلية الفلسطينية، ومن هذه الأسماء التي أثبتت حضورها وساهمت في الجهود الفنية نذكر على سبيل المثال لا الحصر: "وليد أبو شقرة، أسد عزي، د. سليم مخولي، كمال ملحم، وليد قشاش، أحمد كنعان، عبد التمام، سيسيل كاحلي، منير باشا، عاصم أبو شقرة، فريد أبو شقرة، سعيد أبو شقرة، محمد وليد، جمال حسن، زاهد حرش، وليد ياسين، سعاد نصر، تيريز نصر عزام، أميرة الديك، ميخائيل توما، شاكر أبو رومي، ابتهاج زيد الكيلاني" وغيرهم من الفنانين والفنانات.
ان الفن التشكيلي كغيره من الفنون هو حصيلة مكونات اجتماعية وسياسية وفكرية، وتعبير عن رؤية الفنان وموقفه من الإنسان وقضايا مجتمعه، ومن خلال تعلقه بالبيئة الشعبية والواقع المعاش استطاع الفنان الفلسطيني تجسيد الواقع الاجتماعي والسياسي واستلهام الحلم الفلسطيني، والتعبير عن قضايا وهموم ومعاناة شعبنا ونضالاته من أجل السلام والمساواة، وبطريقة إنسانية وواقعية مباشرة استوحى الطبيعة والمأساة الفلسطينية والوجع الفلسطيني اليومي، وصور يوم الأرض الخالد والانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال.
ختاماً يمكن القول، لدينا حركة فنية تشكيلية واقعية وطنية وتقدمية، تحدّدت سماتها ومعالمها بوضوح، وعزّزت الانتماء لهذا الشعب وتراب الوطن، وهي رافد من روافد النضال الوطني في سبيل حرية شعبنا واستقلاله، وتطلعات الفنان الفلسطيني هي المسافة الفاصلة بين الحلم والواقع.