مجد رمضان رسّامة حوار الحضارات على جدران الكنائس والأديار
فنانة لبنانية جنوبية تعدّ لرسم معالم الوادي المقدس وإبراز كنوزه الروحية والتراثية
مجد رمضان فنانة متأنّقة في استجلاب الألوان بريشتها الزاهية، زارعة الشمس في لوحاتها ولو في منتصف الليل، طارقة أبواب حوار الحضارات وقبول الآخر على تمايزه بلوحات وجدرانيات يغطيها عبق البخور في الكنائس والأديار. وهي تتباهى بأنها واحدة من جماعة نادرة تستلهم قيم الروح العليا فتقبل من إسلامها المؤمن إلى مسيحية مترفعة متربعة على عروش المحبة والمصالحة والسلام. تقبل بفنها السامي من إسلامها إلى كنائس المسيحيين في لبنان والعالم العربي، ترسم قدّيسيها لوحات معبّرة تروي قصص الخلق والإيمان، وتشق دروب اللقاء بالله.
مجد رمضان فنانة لبنانية جنوبية من مرجعيون ومن مواليد قطر، لها آثار كبيرة، إلاّ أن تباهيها الأكبر هو كونها رسامة الكنائس. ولم العجب، أليس العالم كلّه إخوة، وهو واحد موحّد متى جمعه الإيمان بالله وبقضايا الحق والعدالة والضعفاء؟ في كتيّبها الأخير حامل اللّوحات والمرايا عنوان الأمل والألم، ويندرج تحته الكلام القائل أنّ الألم يتدفّق ويتمدّد حولنا كأشجار الظل وألسنة اللهب، والأمل بعيد يتلألأ بنور خافت أبعد من حد الأفق.
وتسأل رمضان: هل جرّبت العيش يوماً على أمل يتدثّر بالألم؟ وفي الكتيب الأنيق صور 95 لوحة رسمتها رمضان متنوعة بين المشهد الطبيعي والانطباعي والسوريالي والكلاسيكي والحديث، إلى جدرانيات كنائس في لبنان والاردن. وفي هذه اللوحات مغارة جعيتا، والفصول الاربعة، والرحيل، والجميلة والمغرور، والهروب، وشال الحرير لمن؟ والخير والشر، والحديقة، وباب الجنة، والزمن والورد، والحب، والأمومة، وورقة من الماضي، ورجل الغوص، ودموع الورد، إلى جدرانيات كنيسة مار الياس في غزير، ومار شربل في الأردن.
الدراسة والاعمال
درست مجد رمضان فنون الرسم في أكاديمية مايكل انجلو للفنون التي يرأسها الفنان أسعد رنو. وهي عضو في جمعية الفنانين التشكيليين في قطر، وتقديراً لأعمالها المندرجة في سياق حوار الحضارات، وتحديداً التلاقي الإسلامي المسيحي، كرّمتها جمعية الثقافة والفنون الجميلة في فرنسا كفنانة مسلمة تترك آثاراً فنية قيمة في كنائس المسيحيين.
واذا سئلت رمضان عن أهم أعمالها أجابت: كنيسة مار شربل في الأردن هي أهم أعمال أنتجتها حتى الآن. لقد رسمت جدرانيات عماد يسوع، والإبن الضال، ومريم والطفل يسوع، ويوحنا المعمدان، إلاّ أنّ الجدارية الأساسية هي لمار شربل، هذا القديس الذي أؤمن به إيماناً مطلقاً. وقد اجترح معي أعجوبة حين كنت أرسم جدرانيات كنيسته في الأردن. وقد سقطت عن "السقالة" المرتفعة حوإلى عشرين متراً ولم أصب بأذى. لذلك أحسـست بإيمان عميق غمرني كلياً يوم احتفال تدشين كنيسة هذا القديس في الأردن برئاسة البطريرك الماروني الكردينال صفير. لقد أحسـست في تلك المناسبة أنني الأكثر إيماناً في الكنيسة. وهذا ما ميّز تجربة عملي الفني هذه المرة. فلقد شاركت سابقاً في رسم جدرانيات كنيسة غزير مع حبيب خوري، وكانت تجربة جميلة، إلا أنها لم تشعرني بحرارة الإيمان كتجربة رسم كنيسة مار شربل في الأردن. ولكم كانت فرحتي كبيرة، مثلما كان اعتزازي كبيراً، حين لمست مدى التقدير الذي أبداه البطريرك صفير لعملي في كنيسة مار شربل. فلقد أحاطني بروحه الأبوية المعهودة، واستضافني مع والدتي استضافة عبّر خلالها عن تقديره لمبادرتي الخاصة بكنيسة مار شربل، وهو على اطلاع بما قمت به سابقاً في كنيسة غزير. وكانت مناسبة عرضت أمامه مجموعة من أعمالي الفنية التي لاقت إعجابه ومباركته.
صداقة مغمورة
* كيف وصلت إلى كنيسة مار شربل في الاردن، وأنت رسامة مسلمة مقيمة في لبنان؟
- كما ذكرت كنت قد شاركت حبيب خوري في رسم كنيسة غزير. وفي إحدى الليالي حلمت بمار شربل. وأخبرت خوري وقلت له: إني حلمت بمار شربل يمدّ يده ويحملني حين أقع من مكان مرتفع. فكان تعليقه إنني على صداقة مغمورة بهذا القديس، ويجب أن تثمر هذه الصداقة بعمل فني من قبلي خاص بالقديس المذكور. وحين بوشر ببناء كنيسته في الأردن، كان الزميل الصديق حبيب على تواصل مع هذا المشروع، فأخبرني انه سيشركني في إتمام جدرانيات هذه الكنيسة. وهكذا كان بعد ما أجرى الاتصالات اللازمة مع القيّمين على المشروع، وانطلق العمل. وتشكل مشاركتي فيه أجمل فرحة فنية في حياتي. كما أنّ مشاركتي في حفل افتتاح الكنيسة كان بمثابة الحضور الأجمل في حياتي، والمحطة الاكثر فرحاً.
حوار الحضارات
* لماذا اندفعت إلى العمل الفني في الكنائس؟
- أنا لبنانية، أي من وطن هو رسالة للعالم، ويجب أن يبقيه العالم هذه الرسالة المشعة التي تشكل الجواب العملي على صراع الحضارات، الذي يتخبط فيه عالمنا المتعب بالتهافت على السلطة وعلى النفوذ الاقتصادي وعلى التفوق العسكري على حساب القيم الروحية والانسانية العالية، إن مسؤولية العالم المحافظة على لبنان، وتكريسه أرضاً للحوار والتلاقي بين جميع المؤمنين من أتباع مختلف الديانات السماوية. ولأنني من هذا الوطن الفريد أعي خصوصية رسالتي ودوري بأن أشهد للعالم كلّه أن اللبنانيين جديرون بان يكونوا رواد حوار الحضارات، والحراس الحقيقيين لمسيرة تلاقي أبناء البشرية جمعاء. فكان قراري بأن أقدم أنا الفنانة المسلمة على رسم الكنائس لأعطي المثل الحي على الالتزام برسالة وطني الحضارية.
وقد اصررت على رسم كنيسة مار شربل كونها تقام في بلد إسلامي هو الأردن، انطلاقاً من الاعتبارات المذكورة نفسها. ونجحت في إعطاء المثل الحي الذي نذرت نفسي له. ولم يواز فرحة قيامي بأعمال رسم الكنيسة سوى مشاركتي بحفل افتتاحها إلى جانب المسؤولين الروحيين المسيحيين، وسائر جمهور المؤمنين. وإنني في هذا السياق أدعو جميع المعنيين إلى تهيئة الظروف المؤاتية لي ولسواي من أولئك المؤتمنين على رسالة لبنان، لتحقيق مشاركتنا المطلوبة دوماً في أعمال كهذه لتأكيد خصوصية وفرادة الهوية اللبنانية. إننا بهذا العمل نبرز من جديد أن في كل مسيحي لبناني بعضاً من الإسلام، وأن في كل مسلم لبناني بعضاً من المسيحية. إنها فرادة لبنان، وسبب قدرته على مقاومة الأعاصير وانتصاره عليها. ويكفيني تأكيداً على قناعتي برسالتي هذه أن اكثر مدعاة افتخاري من لوحاتي هي لوحة العشاء السري الرائعة الجمال والتمايز.
رسم الوادي المقدس
* ما هي أهم المعارض التي شاركت فيها؟
- لقد عرضت في سلسلة من المعارض داخل لبنان وخارجه. مثل معرض درج الفن، ومعرض في أنطلياس، وفي البيال من بيروت، ونلت من الأونيسكو 4 شهادات تقدير وميداليتين. وعرضت في قطر كونها هذه السنة عاصمة للثقافة. ومشاركتي في معرضها من خلال لوحات حديثة تتوزع بين البحر والحديقة والمرأة. وأحضّر حالياً لمعارض خاصة تنظمها هيئات وجمعيات مهتمة.
* هل ترغبين في أعمال جديدة ذات سمة مسيحية؟
- أنا أعدّ أعمالاً جديدة متنوعة ذات سمات إسلامية ومسيحية. ولكنني أفكر في مشروع رائد أعلن عنه الآن للمرة الاولى. لقد اطلعت على بعض معالم الوادي المقدس المصنّف في لائحة التراث العالمي، أي أنه بات ملك الإنسانية جمعاء. وهذا يرتّب علينا جميعاً مسؤوليات كبيرة لجهة العناية بهذا الوادي والمحافظة عليه من ناحية، ولجهة إبراز كنوزه الروحية والتراثية المغمورة للعالم من ناحية ثانية. وقد علمت أن هذا الوادي، وإن كانت سمته الحالية مارونية، فإنه يحتضن تراثاً مشتركاً لكل الكنائس، بالإضافة إلى آثار تكاد تندثر لوجود المتصوفين المسلمين فيه. من هذا المنطلق، وعلى قاعدة فرادة لبنان الحضارية أفكر بإطلاق ورشة رسم معالم الوادي المقدس، وتقديمها للعالم تحفاً رائعة لأجمل ما يجتمع فيه خلق الله وصنعة الانسان. وسوف أباشر قريباً باتصالات مع القيمين على هذا الوادي، وبخاصة السلطات الروحية وعلى رأسها البطريرك الكردينال صفير، توصلاً إلى صيغة تنفيذية لهذا المشروع الذي يستقطب طاقات وقدرات فنية وإبداعية كبيرة. وإذا تمكنت من تحقيق هذا العمل فإنني أكون قد حققت حلماً كبيراً رائعاً. وأعتبر إعلاني عن هذا المشروع الحدث هو الخطوة الأولى على طريق التنفيذ. ومما لا شكّ فيه، وبشفاعة قديسي الوادي سيكتب النجاح لهذا الحدث الفني اللبناني الجذور والعالمي الأمداء.
(1)
(2)
(3)

(4)

(5)

كلام الصور.
1 ـ رمضان ترسم مار شربل في الاردن.
2 ـ تزور ووالدتها البطريرك صفير ويبدو المطران بولس الصيّاح.
3 ـ لوحة مريم والطفل يسوع.
4 ـ ولوحة عماد يسوع.
5 ـ لوحة العذراء ومار يوسف يهرّبان الطفل يسوع.