لبنان... "تحفة ثقافية" في 12 لوحة "مائية"

د. شادي شمالي قرأها 1,758
  

لبنان... "تحفة ثقافية" في 12 لوحة "مائية"

د. شادي شمالي

أصدرت وزارة السياحة اللبنانية، روزنامتها الجديدة الخاصة بالعام 2010، تحت عنوان "الماء"، مع نص من سطر واحد، يحمل توقيع أمين عام الأمم االمتحدة، بان كي مون، لمناسبة "أليوم العالمي للمياه"، جاء فيه: "المياه هي أثمن مواردنا الطبيعية وينبغي أن نعمل سوياً، أكثر من أي وقت مضى، على استخدامها بحكمة".

 ArtworkWater01.JPG

الروزنامة غير عادية...

 فهي، مقارنة بالروزنامات التي تصدر في مختلف أرجاء العالم في مثل هذا الوقت، تعتبر "تحفة ثقافية"، تتسلل –عبر العين- الى أعماق العقل الباطن، وتفتح نوافذه على فضاءات لانهائية: فنياً، جمالياً، فلسفياً، دينياً وتاريخياً أيضاً.

 ArtworkWater02.JPG

12 صورة، بل لوحة، بعدسة الفنان الفوتوغرافي الفرد موسى، تضع المرء أمام مشاهد مختلفة من جنة اسمها لبنان، انطلقت منها شرارة تقديس الماء في العالم القديم، واستمرت حتى الآن، بما يشبه الأعجوبة: "فبينما تستهلك ساكنة العالم المتنامية مزيداً من المياه العذبة، يؤدي تغير المناخ في العديد من المناطق الى الحد من توافر المياه نظراً لانحسار الجليديات، وتصبح التساقطات المطرية أقل قابلية للتنبؤ، وتزداد الفيضانات وحالات الجفاف شدة. ومن الأهمية بمكان إدارة المياه بعناية وموازنة الاحتياجات المتنوعة للمياه"، حسبما جاء في الفقرة الثانية من خطاب بان كي مون في 22 آذار الفائت.

الغلاف تتوسطه صورة مياه متفجّرة على خلفية باللون الأسود، وهي لقطة شديدة الإيحاء بانبثاق الحياة من العتمة (سفر التكوين): "في البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه (...) وقال الله ليكن جلدٌ في وسط المياه وليكن فاصلاً بين مياه ومياه".

 ArtworkWater03.JPG

والخيار الذي تضعه الروزنامة، خيارٌ بالغ الوضوح، بين نقيضين: أبيض وأسود، لونان يحركان الحواس، ويطرحان السؤال: أي لبنان نريد؟.

وأكثر من ذلك: اذا كان لبنان جنة هذا الشرق، فهل نختار نقيضه؟.

الحكاية من البداية  

نقرأ في الأساطير الشرقية القديمة وفي الديانات السماوية التوحيدية ان الخلق لم يظهر من عدم، وانما كانت له بداية "هيولية" ظهر منها الماء. فالأسطورة البابلية تقول: "في البدء، أو في الأزمان الأولى لم يكن سوى المياه والضباب". وفي الديانة اليهودية (التكوين-1): "في البدء خلق الله السماوات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفرف على وجه المياه". وفي القرآن الكريم (سورة هود): "وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء".

 ArtworkWater04.JPG

نلاحظ من خلال هذه الأقوال الأسطورية و"الدينية السماوية"، التي تعرض لموضوع المياه البدئية، أن المياه كانت في البدء ولا شيء سواها قد وجد في الكون، لهذا تقر الاسطورة والدين ان كل شيء قد نشأ من الماء، كما خلقته الآلهة الكونية للمرة الأولى، بل من الماء ظهرت الحركة وتفتقت من قلب السكون، وبالحركة ظهرت تحركات الموجودات البدئية، ثم ظهرت أشكال الوجود تباعاً حسب مشيئة الآلهة.

وبغض النظر عن الممارسات والطقوس الكهنوتية المصاحبة للماء، فإننا نجد وبجلاء وعلى مرّ الزمن ومهما اختلفت الأماكن، أن الماء شغل حيزاً كبيراً من العقل الروحي والديني لكثير من معتقدات البشر وأديانهم. وأي باحث في مقارنة الأديان سيدرك عند تتبعه للنصوص الدينية الموقع المتميز الذي احتله الماء بها، فلا تكاد تخلو عقيدة دينية الا وكانت تقدس هذا الماء، بطريقة معينة سواء فكراً أو طقساً. وهذا يرجّح ما للماء من أهمية كونية، وماله من ارتباط وثيق بحياة البشر سواء أكانوا أفراداً، قبائل أو حتى شعوب وأمم.

 وعلماء التاريخ والجغرافيا البشرية عادة ما يربطون بين نشأة الحضارات والماء، فالحضارة المصرية ارتبطت بنهر النيل وحضارة سبأ ارتبطت بالمياه الموسمية وسد مأرب، وحضارة العرب ارتبطت ببئر زمزم وتفجّر الماء العذب منه.

فالماء وبحق موغل في تاريخ الحضارات القديمة، ومنها الحضارة السومرية والحضارة الرافدينية. فقد انتهى فكر السومريين الى أن الماء هو أصل الوجود والحياة، فعندهم: "ومن الماء خرجت الحياة وعمرت الأرض والسماء"، أما الحضارة الرافدينية القديمة فترى أن الآلهة "أنانا" قد استعادت الحياة بتناولها طعام الحياة وماء الحياة، بعدما أوشكت على الموت.

 وقطرات الماء الساقطة من السماء الى الأرض على شكل مطر، كان لها مغزىً كبير وعميقٌ في التفكير الإنساني، فهي تمثل في الأساطير الدينية القديمة كالمني الذي يطلقها الذكر (المتمثل في السماء الواهبة) لتخصيب الأنثى (المتمثلة في الأرض المستلمة). فهذه عملية حياتية في عمق فلسفة الأديان، ولها دور كبير جداً في فكر الإنسان وتأملاته. وكان الكنعانيون أول من أطلق هذه الفلسفة وقسّم الآلهة الى قسمين:

 ذكور ولدوا من تزاوج السماء والأرض، وباتوا يمثلون المياه بمختلف أشكالها، وهم: إيل: إله المطر. بيتيل: إله منبع الأنهار. عتل (أطلس): إله البحر والملاحة. عاي (أيا): إله المياه البابلي الذي تنسب اليه مدينة عاي الكنعانية. داجون: إله الجنوب والمطر والأسماك، وأحياناً يوصف كإله الطقس. وسيتون (صيد): إله الصيد البحري (صيدا).

إناث، وكلهن يعبّرن عن الأرض (التراب) وهنَّ أخوات الآلهة: عشيرة أو عشتارة أو عشتار. ريّا. بعلتيس. وأنوبرت.

العمادة والوضوء

والماء يُنظر إليه من منطلق القداسة والتبجيل في جميع الأديان السماوية، القديم منها والحديث. فهو في مرتبة عالية في الممارسات والفكر الديني الإسلامي: "وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" (الأنبياء 30)، ولا يخلو أي مسجد من مصدر للمياه النظيفة السائلة يستخدمه المسلمون للوضوء قبل الصلاة خمس مرات في اليوم.

 وفي الديانة المسيحية نجد في الماء عنصراً مهما في إقامتها لمراسيم التعميد ولا يستعاض عنه، فيدخل الماء في عملية التعميد الكنسي وصلوات القربان المقدس عند المسيحيين كرمز للتطهير من الذنوب، كما أن السيد المسيح (ع) تعمّد بالماء الجاري (نهر الأردن) على يد النبي يحيى (يوحنا) (ع) فكان لهذا التعميد أثره الخاص والمهم بلاهوت المسيح والكنيسة من بعده.

 أما عند اليهود فالماء مقدس تقديساً كبيراً ويظهر هذا واضحاً في طقوسهم الدينية، وفي فكرهم أيضا: "روح الله يرف على وجه المياه" (التوراة-التكوين). ومن فرائض اليهودية أيضاً استخدام الماء في طقوس التنظيف وتبرئة الذات من الذنوب وفي التعميد أحياناً، كما يعمد اليهود الى غسل أيديهم قبل كل وجبة طعام وعن طريق تقليب الماء بين الكفين، الأيسر والأيمن، بمثابة تبرّك..

وكانت للديانات القديمة قدسية خاصة للمياه، لهذا فقد اعتبر الإغريق القدماء أن بعض الأنهار والبحار مقدسة ومنحوا المياه آلهة مسؤولة عن الخير والخصوبة والكوارث. وفي الديانات المصرية والسومرية والبابلية والكلدية والآشورية كانت لهم ممارسات وطقوس تقام بمصاحبة المياه الجارية النقية، والتي تمتلك صفة الحياة، فمثلاً في مصر كان التلميذ المرشح للكهانة إذا نجح في الامتحان القاسي الذي يجرى له، يخلع ملابسه ويستحم (يتطهر) في الماء ويطيبونه بالعطور ثم يرتدي زيّ رجال الدين، وكان الفرعون يقوم بمراسم تبخير المعبود وتطهيره بسكب المياه المقدسة عليه.

وفي الواقع أننا لا نزال نرى هذا التقديس باقياً حتى الآن عند كثير من الشعوب.

فالماء الحي (ميا هيي) شعار وصفة ملازمة من الناحية الفكرية والطقسية للديانة المندائية. لكن ليس كل ماء هو مقدس في المندائية، وانما فقط الماء الجاري الحي الذي يطلق عليه (يردنا)، فهناك الماء الراكد او الميت الذي ترفضه الديانة المندائية، والذي يرمز الى الظلام والموت. أما الماء الجاري الحي (يردنا) فهو الماء الذي يحمل كل صفات الحياة. الماء الذي ينقي نفسه بنفسه.

ومن الجدير بالذكر أيضا، اكتشاف الأحواض والبرك الجارية في كثير من الحضارات القديمة، والتي يؤكد بعض الباحثين على أن الناس كانوا يستحمون (يغطسون) من ضمن المراسيم الدينية (أي بمصاحبة القراءات الدينية).

***

من هنا تبدأ أهمية المحافظة على المياه العذبة، وعدم تلويثها، لانها من العناصر الجوهرية في المحافظة على البيئة وجعل الطبيعة مزدهرة دوماً، فعملية تلويث المياه والعبث بها بما يؤدي الى نقصانها او زوالها، يدخل من ضمن المحرمات الدينية التي نصت عليها كثير من أديان العالم، القديمة والحديثة، إضافة الى الأعراف الدولية في المجتمع المدني الجديد.