«أصدقاء محطّة السكّة الحديديّة في طرابلس» يطالبون بتصنيفها اثرية وتحويلها الى متحف
تأسست عام 1911 وكانت تصل الفيحاء بالعاصمة الفرنسية
«أصدقاء محطّة السكّة الحديديّة في طرابلس»
يطالبون بتصنيفها اثرية وتحويلها الى متحف
د. شادي شمالي
أصدرت وزارة السياحة اللبنانية روزنامة رائعة، تروي في 12 صورة معبّرة قصة محطات القطار في لبنان، وتحمل توقيع زينة حداد، التي اختارت لشهر كانون الثاني لقطة بانورامية لنفق شكا، تلتها لقطة مؤثرة لقطار متوقف امام اطلال محطة مار مخايل، فأخرى لمحطة رياق، لتنتقل منها الى محطة طرابلس، وهكذا دواليك، حتى تنتهي في كانون الأول 2010 بصورة معبرة لحارس محطة خربة، ينتظر المجهول وهو جالس تحت ساعة معطلة!!!
وترافق اصدار الروزنامة مع معرض «أنقذوا محطتنا» الذي اقيم الشهر الفائت في القاعة الزجاجيّة لوزارة السياحة، وهو المشروع الرسمي الثاني لمجموعة «أصدقاء محطّة السكّة الحديديّة في طرابلس»، إذ عرضت سابقاً شريطاً وثائقياً بعنوان «إعادة إحياء شرايين لبنان»، تناول المحطة التي اقترب موعد الاحتفال بمئويتها (2011)، فيما هي غارقة في النسيان والإهمال.
يذكر ان «أصدقاء محطّة السكّة الحديديّة في طرابلس»، الذين اتخذوا لهم موقعاً على «فايسبوك»، يناضلون للحفاظ على ممتلكات محطّة طرابلس. أبرزها قطاران ألمانيان يعودان إلى عام 1885، وأربعة قطارات أخرى تعود إلى عام 1901. وهم يطالبون بتصنيفها كمحطّة أثريّة وتحويلها إلى متحف. المجموعة يديرها الياس خلاط، الذي يطمح لإعادة الحياة الى محطة طرابلس التي تأممت في عهد الانتداب الفرنسي، إذ يخطط لإشراك مندوبي السكك الحديد الفرنسيّة في النشاط الباريسي من خلال دعوتهم إلى المعهد ، وستواصل هذه جمع التواقيع على عريضة أطلقتها سابقاً في طرابلس، في مناسبة المعرض، الذي شارك فيه عشرة مصوّرين. وستتم المطالبة بمشروع قانون كي تتمكن وزارة السياحة من تصنيف المحطة وممتلكاتها بالأثرية.
السكّة الحديديّة التي دار حولها معرض الصور، تأسست عام 1911 وكانت تصل طرابلس بباريس. ثم توقّفت كغيرها من السكك في لبنان مع بداية الحرب عام 1975. وكان سكّان طرابلس قد أسّسوا بأنفسهم هذه المحطة، كشركة مساهمة، ليواجهوا التهميش الاقتصادي الذي لحق بمدينتهم لدى تأسييس خط بيروت دمشق (1901).
مشروع المتحف
وكانت ثلاث طالبات قد عرضن العام الفائت مشروعا طموحا بإطلاق العمل في محطة القطار في طرابلس والإستفادة من المقطورات والمركبات والمبنى السابق لإقامة متحف على أرض المحطة، وذلك في لقاء عقد في مركز رشيد كرامي الثقافي، حضره رئيس بلدية طرابلس رشيد جمالي، رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين، منسق تيار المستقبل في الشمال عبد الغني كبارة، رئيس جمعية تجار طرابلس فواز الحلوة، أنطوان منسى نائب رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم وعضو الهيئة التأسيسية لإحياء تراث طرابلس، إضافة إلى الطالبات الثلاث جويل بيطار، نانسي قزين، ساندرا أبي راشد والمشرف على المشروع إلياس خلاط، وحشد من الأساتذة والمهتمين.
وتحدث المشرف على المشروع إلياس خلاط فسلط الضوء على محطة القطار في طرابلس كمعلم تاريخي "لا بد من الحفاظ عليه والتأسيس لمتحف مخصص لذاكرة قطار الشرق السريع على أرض المحطة، مشيرا إلى أن القطار المذكور ربط طرابلس بباريس عبر أوروبا في مطلع القرن العشرين".
من جهته أوضح رئيس يلدية الميناء عبد القادر علم الدين أهمية محطة القطار التي تقع بجوار مرفأ طرابلس والتي قامت بدور إقتصادي فاعل من خلال نقل بضائع الترانزيت عن طريق البر عبر الأراضي السوريةإلى دول الخليج والعراق وإيران.
وشدد رئيس بلدية طرابلس رشيد جمالي على الدور الإنمائي للمشروع بإعادة ربط طرابلس عبر سكة الحديد مع الدول العربية ومع الدول الأوروبية، للنهوض بالمدينة وتعزيز إقتصادها ودفعها نحو النمو والإزدهار، وإعادة الإعتبار لدورها الإقتصادي الذي كان قائما قبل الأحداث.
ووعد نائب رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم أنطوان منسى بإجراء إتصالات واسعة مع اللبنانيين الموجودين في دول الإغتراب لتفعيل المشروع وعرضه في المحافل الدولية لتلقي الدعم.
محطة الميناﺀ
تاريخيا، صدرت عام 1909 ارادة السلطان باعطاﺀ الامتياز للخط الحديدي بين طرابلس وحمص الى شركة دمشق وحماة بطول يصل الى 10 كلم. نفذ المشروع خلال عامين وافتتح سنة 1911. لكن خط السكة الحديد اقتلع وفقا لما اورده رفيق التميمي ومحمد بهجت في كتابهما "ولاية بيروت" ابان الحرب العالمية الاولى، وتم نقل
قضبانه الى خط رأس العين من سكة بغداد لضرورات الحرب العالمية الاولى، وبذلك جردت طرابلس من سكتها الحديد للمرة الاولى واستمر الامرعلى هذا المنوال حتى العام 1921، حيث اعيد العمل بالخط الذي ربط مرفأ طرابلس بحمص والداخل السوري، حتى بداية الحرب افي لبنان العام 1975، حيث توقف العمل نهائيا على هذا الخط، ان لجهة نقل الركاب او البضائع.
منذ ذلك الحين تحولت محطة القطار في ميناﺀ طرابلس الى عنبر كبير يضم في ارجائه قاطرات وعربات نقل قديمة و "فاغونات"، لكنه لا يحجب عن المار من جانبها مشهد القطع القديمة التي حملت آلاف الركاب الى مقصدهم او نقلت البضائع على مدى عقود، ناهيك عن بناﺀ المحطة المتداعي في حجارته والمثقوب في سقفه في
انحاﺀ كثيرة منه، تجاوره قلعة اثرية (برج السباع) التي فقدت اجزاﺀ من سقفها وجدرانها، في تناقض واضح مع ما تحمله لوحة ثبتت عند مدخل المحطة تفيد بان مشروع ترميمها واعادة تأهيلها يبدأ العام 2001، لكن من دون ان يبدأ عمليا بل بقي مجرد اعلان النوايا ولم يخرج بعد الى حيز التنفيذ.
موظف سابق في المحطة (متقاعد) قال: "توظفت في سكة الحديد اواخر الخمسينات، وكان لها عز وحركة مكوكية لا تهدأ على مدى الاربع وعشرين ساعة، وكانت كساعة "بيغ بن" لاتتوقف، وصفاراتها تهز ارجاﺀ المدينة كل ساعة معلنة عن وصول او مغادرة عربات القطار للمحطة، وكنا نشاهد اشخاصا من جنسيات مختلفة
يأتون بواسطة القطار ويمضون اياما عدة في المدينة، وهذا الأمر كان يساعد في تحريك العجلة الاقتصادية والسياحية في شمالنا، ولكن منذ العام 1975 ابان بدﺀ الحرب، توقفت الحركة في المحطة ولم تعمل منذ المنطقة وكان لها تاريخ مجيد في تعزيز وتفعيل الاقتصاد في منطقتنا، وحسب المعلومات التي بحوزتنا، تشير الى ان احصاﺀات العام 1974 دلت على أن 80ألف مسافر استخدموا قطارات تلك المرحلة، وتم شحن 55828 طناً من البضائع وحصل هذا كله بالرغم من حالة
الخط السيئة التي لا تسمح بسرعة السير عليه، وسوﺀ حالة القاطرات، ويتبين من هذا الأمر، اهمية النقل بواسطة سكةالحديد".
قطار الشرق
حلم طرابلس
لعبت سكة الحديد الساحلية دوراً هاماً في حركة المواصلات داخل لبنان، وبينه وبين الداخل العربي. واستخدم القطار البخاري لنقل البضائع من مرفأي بيروت وطرابلس، إلى الخارج، وأمّن حركة نقل ومواصلات يوم لم تكن الطرق المعبدة قادرة على تحمل حركة النقل.
إلياس خلاط، الذي أطلق مبادرة تحويل المحطة إلى معلم سياحي، تحدّث عن مبادرته التي انطلقت من موقع "فيسبوك"، قائلا: "فتحنا صفحة جمعت أصدقاء محطة قطار طرابلس بهدف المطالبة بتصنيف مباني المحطة المصممة على النمط الفرنسي، تصنيفا أثريا على غرار المباني المشابهة بفرنسا".
وقال "عايشت هذه المحطة، ويؤلمني أن يكون هذا مصيرها، قطاراتها هي آخر بقايا قطار الشرق السريع الذي ربط طرابلس بباريس، حيث انطلقت من المحطة ثلاث رحلات أسبوعيا واستغرقت الرحلة أربعة أيام ونصف اليوم". وأضاف "من خلال تدريسي لمادة السياحة، فقد اتخذت ثلاث طالبات من طالباتي المحطة كمشروع لتخرجهن، ووضعنا معا مشروعا لتحويل المحطة إلى معلم سياحي من دون أن نؤثر سلبا على المحطة في حال إعادتها للعمل لما في هذا المشروع من ضرورة لإعادة ربط طرابلس بأوروبا".
وذكر أنه بحسب معاينته "توجد في المحطة سبع قاطرات رئيسية، بينما كان هناك ثمان، لأن القطار لا يتحرك إلاّ بشكل مزدوج، آملا الحفاظ على القاطرات التي تأثرت بالأحداث ولحقها الضرر الكبير، ونهبت، ويمكن إعادة ترميمها لتكون شاهدا على مرحلة هامة من تاريخ لبنان الحديث".
وأوضح أنه في الحرب العالمية الثانية، ربط الجيش البريطاني طرابلس بحيفا، ولم يكد ينتهي المشروع حتى وقعت نكبة فلسطين وأقفل الخط واستخدم في رحلة واحدة إلى الإسكندرية. وتوقفت الحركة بين طرابلس والناقورة واقتصرت على الحركة شمالا نحو أوروبا. وأضاف "هناك مساحات واسعة تابعة للمحطة، وبالإمكان بناء المشروع السياحي من البقايا الموجودة في المحطة بعد ترميم المباني، وتبقى مساحات كافية لمشروع تسيير الخط".