من أرض "ناسك الشخروب" وصولا الى "صخرة طانيوس"-رحلة مشوّقة على "درب بسكنتا الأدبي"

درب بسكنتا الأدبي يجمع بين المشي في الطبيعة واكتشاف المعالم الثقافية والأدبية في منطقة بسكنتا والجوار. يمتد الدرب على مسافة 24 كلم ويضم عشرات المحطات ذات علاقة بشعراء المنطقة وأدبائها مثل ميخائيل نعيمه وأمين معلوف وعبدالله غانم وسليمان كتّانة ورشيد أيوب وجورج غانم. يستطيع الزائر الانطلاق سيراً على الأقدام من أيٍ من مداخل درب بسكنتا الأدبي وتمضية يومين أو ثلاثة في بسكنتا وقرى عين القبو وكفرعقاب ووادي الكرم وبقعاتة كنعان المجاورة للتعرّف إلى الدرب عن كثب برفقة مرشد / دليل محلي.
هذا الدرب الثقافي، الذي انطلق منذ سنوات كجزء من مشروع "درب الجبل اللبناني"، يعتبر بمثابة موسوعة ميدانية، او متحف مفتوح، مليء بالكنوز الفكرية، وسط الطبيعة اللبنانية الخلابة، التي تشكل في ذاتها مصدر غنى للجسد والروح على حد سواء، الهمت ميخائيل نعيمه مجموعة من الكتب، بينها: "كتاب مرداد" (1948)، "سبعون" (1959-1960)، و"مذكرات الأرقش" (1948)، وعبدالله غانم: "العندليب" (1939)، "فوق الضباب" (1965) و"جبل النساك" (1946)، وأمين معلوف: "صخرة طانيوس" (1993)، "الحروب الصليبية من منظار العرب" (1986)، و"بدايات" (1988)، وجورج غانم: "مرايا غبار" (1982)، "آتٍ بلا رياح" (1976)، و"نداء البعيد" (1957). وسليمان كتانة: "يسوع أبد الإنسان" و"الجذور" (1985).
عام 2006، سار عدد من الصحافيين على "درب بسكنتا الأدبي"، ومن بينهم تغريد عبد الله، التي عادت بالآتي:

"مزار" نعيمة
من وادي الجماجم السحيق، نعبر بتغرين ومنها إلى بسكنتا، البلدة التاريخية العريقة الرابضة عند قدمي جبل صنين.. وما ان تصل حتى تتسع بساتين التفاح والكرز والدراق، والتي لا يمكن وصفها بالبساتين، إذ تتخللها اشجار الصنوبر والسنديان والشربين، تواصل السير في تلك الطريق الملتوية التي تحوطها اشكال صخرية، يعجز أفضل نحات عن أن يقوم بمثلها، وبيوت حجرية عتيقة...
في هذا الصعود الدائم، بداية نحو "مزار" الأديب ميخائيل نعيمة، مدفنه ونصبه، تستحضرك ذكرى أدباء بسكنتا الكبار، امثال أمين معلوف ورشيد أيوب وعبد الله غانم وسليمان كنفاني.. وتفهم حنين رشيد أيوب إلى بسكنتا وحنينها "يا ثلج قد هيجت أشجاني"، ودعوة ميخائيل نعيمة رفيقه جبران إلى شخروبها، وتعلق عبد الله غانم بها وبصباها..
تصل إلى معلم نعيمة، ليطل عليك وجهه. ومن قلب صخرة رمادية شاهقة من صخور صنين، بارتفاع ثلاثة أمتار وربع المتر، تبدو فيها أسارير وجهه وكأنها في لحظة تأمل وتفكر. تطل على مدفنه المتواضع، الذي تمناه نعيمة في أرض العائلة.
"وجه نعيمة نحته الفنان عساف عساف"، يقول الدكتور نديم نعيمة، ابن شقيق الأديب الراحل، و"مدفنه أيضاً نحته عساف على شكل باب موغل في القِدَم، وجعله مفتوحاً على نحو جزئي. بناء على وصية نعيمة، الذي قصد بأن لا حاجز في المعنى الحقيقي بين الموت والحياة، إذ أن الموت فقط خطوة تليها خطوات أخرى في حياة أخرى..
المعلم اليوم صار، مزاراً لعشاق نعيمة وأدبه وفكره. وها هو منزله، نزولاً بضعة امتار عن مدفنه، يضيف الدكتور نديم.
تنطلق من تلك البقعة المميزة "بصفاء الضوء"، كما وصفها نعيمة في الكثير من تأملاته في الطبيعة، والتي أطلق عليها فيما بعد أسم كهف الشخروب والفلك.. ولهذا لقبه توفيق يوسف عواد بـ"ناسك الشخروب" حيث هناك في تلك الخلوة الطبيعية، وضع معظم مؤلفاته. تنحدر قليلاً نحو منزل نعيمة، معلم من معالم هندسة الربع الأول من القرن. حجارته من "شخروب" ميخائيل نعيمة، ورصف حجارته بناء من بسكنتا عام 1939.
في باحة البيت، شجرة جوز عملاقة عمرها أكثر من مائة عام. ويقول الدكتور نديم، أن نعيمة كان يقبلها صباح كل يوم..

"الدرب الأدبي"
من منزل نعيمة تنحدر نزولاً نحو الوادي السحيق في طبيعة هانئة تسبّح الخالق. جبال وأودية ومواقع طبيعية تستقطب الكثير من الهواة والسياح الذين يهربون من المدن المكتظة والفنادق الضخمة، للمشي بين الأشجار والأنهر والحصول على بعض المغامرة.
نمشي ساعات تحت أشعة الشمس في دروب الضيعة العتيقة وفي بساتينها وبين أشجارها، في هدوء ساحر لا يعكر صفوه أحد.. ويقطع عليك الهدوء هذا، القائم على الرحلة باسكال عبد الله يزودك بكل ما يحوطك من معالم تاريخية ومن أسماء نباتات ومن حكايات وقصص عن هذه الكنيسة وعن هذا ا لحصن وهذه الصخرة.
يتحقق عندها هدف الرحلة في "مشي الدرب الأدبي"، فتعرف لماذا عاش في هذه المنطقة أمراء المردة، ولماذا تكبد الغزاة عناء اجتياز واد تعرف إحدى مغاوره بمغارة سيف الدولة، وتدرك كم طبعت سكينة تلك الروابي وهدؤها أدباء بسكنتا. وتشاهد خلال رحلتك البيئية ـ الأدبية، الترفيهية، بقايا هياكل الآلهة الرومان والتي لا يزال بعضها قائماً، كمعبد باخوس، إله الخمر في قناة باكيش.
تجتاز أراض زراعية وبساتين التفاح لتصل إلى حيز هادئ منعش تكثر فيه أشجار الصفصاف، ما يدل على توافر المياه في تلك ا لبقعة. ربما يكون نهر بسكنتا، لكن من دون مياه في ذلك الوقت من السنة.
تلمح مغارة سيف الدولة، المغارة الأثرية القائمة في قلب الصخور، وتدور التكهنات بين أفراد المشائين عن سبب تسميتها بمغارة سيف الدولة، لكن من دون الوصول إلى إجابة شافية.
وماذا عن آثار القصر المنيف للأمير سمعان، أمير المردة في "قمة الحصين"، والتي يدعوها أهل بسكنتا، من دون أن نعرف السبب بـ"قمة الحسين". ويخبرك باسكال بأن المؤرخ اسطفان الدويهي قال إن بطريرك الموارنة آنذاك عين الأمير سمعان ملكاً على كسروان، والقصر نفسه الذي لم يبق منه الا بعض الأحجار، كان الوكر الذي يلجأ اليه الأديب عبد الله غانم، كسب ما أخبرنا ولده القاضي غالب غانم.
منازل الأدباء
في المساء، تقوم بجولة على منازل الأدباء... في منزل سليمان كتاني الذي يخبرك أين شقيقه عن مؤلفات هذا الرجل الذي لم ينصف كما يجب، الأمر الذي عبر عنه في أحد أقواله "انها جذوري التي أحيا بها إلى الآن، تسرح تحت التراب وتتمدد فوقه، في عناق الشمس والريح".
ثم ننتقل إلى منزل الأديب عبد الله غانم. ويستقبلنا ابنه القاضي غالب بترحاب كبير، ويبدأ في سرد سيرة والده الأديب والشاعر الذي امتهن الصحافة، مصدراً جريدة "صنين" الأسبوعية ومجلة "الدهر" الشهرية.
ويقول الدكتور غانم ان شعر والده تميز بالصفاء والتأمل الصوفي، وان السيدة فيروز غنت له إحدى قصائده مقتبسة من كتابه العندليب "دقت على صدري وقال لي فتحوا.. تاتشوف قلبي ان كان بعدو مطرحو".

صخرة طانيوس
تتوجه من بسكنتا، نحو سيدة النياح في بقعاتة كنعان. وتلمح في طريقك المنزل الجبلي العتيق للأديب أمين معلوف. وفي خلال الطريق، تتعرف على معظم المعالم التي انتقاها الأديب معلوف من بلدته عين القبو. والقرى المجاورة لروايته الشهيرة صخرة طانيوس. فتمر بموقع الكمين الذي نصب للبطريرك في القصة. ثم تزور دير مار سمعان حيث دفن البطريرك. ثم تتوجه مشياً على دروب رجل وطرق معبدة، فتشاهد بيت أبو كشك. ثم تمر في ساحة البلاطة في كفر عقاب، ثم تسير نحو الموقع المفترض لقصر الشيخ فرنسيس وعين الضيعة ومركز ميمونة للمنتوجات الريفية.
الجو ساحر في تلك المنطقة الشرقية لبسكنتا، تلفها الأشجار من الناحيتين، حتى تشعر انها لن تنتهي ابداً. تسير بين أشجار تكسو التلال وتنحدر نزولاً باتجاه وسط البلدة في عين قبو، متمتعاً بألوان الخريف وزخات المطر والبيوت القرميدية العتيقة التي ترقد وسط اخضرار قل مثيله...
وعن بعد تلمح صخرة طانيوس المفترضة، والتي وصفها معلوف بمقعد، جليل، متقعر، كأنه اهترأ في موقع المؤخرة، بمسنده الشاحف المستقيم المنسدل على الجانبين كالمرفق".
وبعد هذا التطواف في قلب الطبيعة، تقصد منزل الفنان الرسام جورج أوربان تلاحظ في منزله ارتباطه بالريف اللبناني وعاداته بحيث اختار منه معظم وجوه رسوماته ولوحاته، حتى إنه قدم 15 لوحة فنية تمثل الأديب ميخائيل نعيمة.

دروب لبنان التاريخية
فكرة مشي الدرب الأدبي تندرج ضمن مشروع درب الجبل اللبناني، الذي تنفذه شركة "ايكوديت" بالتعاون مع جمعية (AFIC)، وتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. ويهدف النشاط إلى تجربة الدرب الأدبى مع أهالي بسكنتا وزائريها ليندرج هذا الأمر ضمن تطوير الدرب الأدبي الذي يربط المعالم الأدبية لكل من أمين معلوف وتحديداً كتاب "صخرة طانيوس" وميخائيل نعيمة وعبد الله غانم.

ويقول كريم الجسر، نائب مدير شركة "إيكوديت"، إن هذا المشروع الوطني، يهدف إلى إحياء دروب لبنان العتيقة التاريخية، والتي محا الزمن الكثير منها، من أجل تحريك النمط الريفي وجذب السياح، ويكون بمثابة صلة وصل بين جميع اللبنانيين.
لبنان يعرف بدروبه الجبلية، يقول الجسر فهي تدل عليه. الا انها بدأت تمحى لأسباب طبيعية حيناً، وأخرى تتعلق بالنمط الحياتي حيناً آخر..
وهذه الفكرة ليست جديدة في تجارب العالم، ففي أميركا تم استحداث الدروب منذ أكثر من مئة عام لأهداف سياحية وبيئية. وفي فرنسا، ثمة محاولة للحفاظ على الدروب القديمة بالتوافق مع استحداث أخرى جديدة.

ونحن نحاول إحياء الدروب الصغيرة، وجعلها درباً طويلاً متواصلاً من شمال لبنان وحتى جنوبه. ولهذا نحاول ربط الدرب بما يميز المنطقة التي يمر بها. فدرب بسكنتا مرتبطة بالدرب الأدبي، لما تعده هذه المنطقة من أدباء ومفكرين وفنانين. ولهذا قصدها أكثر من 35 شاباً ساروا في دروبها، زاروها ثم غادروها لكنها لم تغادرهم. بعبقها وترابها وأدبائها وحنينها...
* الرسمات بريشة الفنان جورج آرويان
كلام الصور
1- مدخل منزل ومحترف الرسام جورج أرويان بريشته
2- منزل أمين معلوف
3- منزل عبدالله غانم
4- عين القبو
5- دير مار سمعان للروم الكاثوليك
6- منزل نعيمه الصيفي
7- خريطة الدرب