رحلة مع مفيد مسوح عبر صفحات كتابه "جماليات الإبداع الرحباني" - (2 من 2)
رحلة مع مفيد مسوح عبر صفحات كتابه
"جماليات الإبداع الرحباني"
(2 من 2)
حاورته سوزان ضو صايغ
تُقرّر السّفر معه بين الصفحات، يحملك من دون أن تدري إلى آخر صفحة، تعشق البداية، تغوص في التحليل، في الجهد الذي كرّسه يومياً وعلى مدى سنتين من البحث المتواصل، ليزرعها بذور قمح تنبت في تراثنا ومنه فتؤرخ حقبة مرّ بقرب أبوابها الكثيرون من دون أن يطرقوا الباب.
الدكتور مفيد مسّوح، حكاية قلب استفاض عشقاً للأخوين رحباني، فكان كتابه عصارة الحب الذي يشبه الموسوعة بكل ما فيها من... حبّ.
جريدة "الأنوار" اللبنانية – بيروت
9) هل عُدتَ الى مراجع موضوعة عن التراث الرحباني، قبل إقدامك (أو خلال اشتغالك) على تحليل النصوص الرحبانية؟
ج9. كما ذكرت منذ قليل المراجع كانت محدودة، والحقيقة أنني كما أكدت في تمهيد الكتاب لم أعتبره كتاباً أكاديمياً.. للأسف الشديد، إن الكتب والدراسات الخاصة بالمدرسة الرحبانية قليلة جداً وتكاد في معظمها لا تفيد لأغراض البحث والرجوع. أول ما بدأت به لتحضير مكتبتي المرجعية هو وضع قاعدة بيانات سهُل معها فيما بعد العودة والتدقيق والربط إلخ.. وخلال الكتابة كبرت قاعدة البيانات وصُحّحت بعض معلوماتها. على أساس هذه القاعدة قمت بتحليل جوانب في عناصر ومكونات الأعمال المسرحية تتعلق بالممثلين وأدوارهم وبالمشاركين والفنيين وبعدد الأغنيات ومقاماتها والقصائد وأماكن العرض وكذلك بالآلات الموسيقية والعازفين إلخ.. كل معلومة ذات أهمية في المسرحية كان لها نصيباً في التحليل والعرض. من هنا جاء تقدير الأستاذ هنري زغيب، في مقدمة الكتاب ووصفه إياه بالعمل الموسوعي وبالسّفر المعمق والعمل الضخم.. إنني أعتز وافتخر بهذا التقدير الذي أعتبره وساماً وجائزة نالها الكتاب قبل أن يصدر.
10) هل التقيتَ منصور الرحباني وأنتَ تكتب عن الأعمال الرحبانية؟ أم انك التقيتَه بعد صدور الكتاب؟
ج10. يقرأ مقتنو الكتاب على غلافه الخلفي في كلمة التعريف التي كتبها الأستاذ منصور الرحباني، طال عمره ودام عطاؤه، قوله: (الدكتور مفيد مسُّوح، الذي لم يسعدني اللقاء به بعد، حقق في هذا السّفر الموسوعيّ...) فيدركوا بأنني، للأسف، لم أكن قد التقيت بمنصور قبل إصدار الكتاب. إلا أنني كنت على اتصال متقطّع به عبر الهاتف، وكان على علم بمراحل التحضير، كما أنه، وأفتخر بهذا، هو من أرشدني إلى الأستاذ هنري زغيب ووصلني به كي يشرف على إصدار الكتاب في لبنان.
في بيروت التقيت لأول مرة في حياتي بمنصور الرحباني الذي كنت أراه من بعيد في دمشق، مع عاصي وفيروز وفيلمون ووديع ونصري وآخرين.. قرب أو خارج كواليس مسرح معرض دمشق الدولي، أو قرب منزل صديقهم الراحل الأستاذ نجاة قصّاب حسن. التقيته في بيته في أنطلياس وفي الاحتفالات بعشرينية غياب أخيه عاصي، التي كان إطلاقي الكتاب جزءاً منها وهو مهدى إلى الأخوين رحباني بتلك المناسبة.
11) هل كان لقاؤك الشخصي مع منصور الرحباني سيلقي ضوءاً آخر أو إضافياً على تَحليلك النصوصَ الرحبانية؟
ج11. ربما، ولكن ليس بالضرورة. الكتاب ليس سيرة حياة منصور وعاصي أو فيروز وليس عرضاً لحياتهم العائلية ولنشاطاتهم وفعالياتهم الفنية والاجتماعية كما هي الحال في كتاب السيدة ريم نجم (فيروز.. وعلى الأرض السلام) أو في كتاب الأستاذ هنري زغيب (طريق النحل). وليس في الكتاب شواهد وحقائق بلسان الأخوين رحباني، اللهم ماعدا ما نشرته الصحف عن لسانيهما في حالات وأوقات معينة. لذا أقول بصراحة أنني لم أكن قد شعرت بالحاجة إلى العودة إلى الأستاذ منصور وأنا أكتب. وأضيف بأنه من المحتمل أن تكون بعض المعلومات الواردة في التحليل أو التعريج غير عالية الدقّة أو أكيدة.. إنما لا أعتبر أن في هذا ما ينقص من قيمة الكتاب، الذي اطّلع عليه كاملاً كل من هنري زغيب ومنصور الرحباني قبل النشر.
12) أية صورة للبنان وجدتَ في النص الرحباني؟ وأيُّ إسقاطٍ ترى فيه على لبنان اليوم؟ وهل لبنان اليوم لا يزال فعلاً لبنان الأخوين رحباني؟ وما هي الرسالة الرحبانية للبنان؟
ج12. يحزنني جداً أن أرى ما آلت إليه أحوال لبنان في هذه الأيام. منذ أواسط السبعينيات كنت، وأنا أسمع أخبار الاقتتال في لبنان، كنت أتذكر عبارة فيروز في (جسر القمر) التي تتساءل فيها الصبية، التي رصدت (أي سُحرت) بسبب اقتتال الأهالي، كيف لهم أن يتقاتلوا على الأرض والحجارة بينما الحقول وسيعة والدنيا تتسع الجميع. في لقاءين أجرتهما معي قناتا (TL) و (NBN) في احتفالات لبنان في حزيران عام 2006 بعشرينية غياب عاصي، قلت على الهواء موجهاً كلامي إلى أهلي في لبنان: أستغرب كيف لمجتمع فيه الأخوان رحباني وفيروز أن يتنازع زعماؤه لأسباب سلطوية، فيتوتر البلد ويحلُّ الظلام فوق أرضه ويسيطر الحزن والقلق والخوف على قلوب أبنائه وتنتشر البغضاء وتلغى وتائر التطور والتقدم التي عهدها العالم في لبنان وتلغى معه (الحياة الطبيعية) وفرحها التي اعتاد البنانيون عليها!!
لبنان.. في صورة الضيعة الرحبانية وحقولها ومواسم أعيادها وطقوس أفراحها، لبنانٌ مثاليٌّ في التّحابّ والتعاون والعيش بوئام ومحبة ضمن روابط انتماء وطنيّ تفوق في متانتها أي انتماء آخر. وهو في حالات السلم والهدوء مثاليٌّ في العطاء والإبداع وتقديم أنصع الأمثلة على التفوق والمهارة على مستويات عالمية.. وفي الحالات الأخرى لا ييأس ولا يفقد الأمل ولا يسمح بتكريس التراجع مصيراً أو واقعاً. لقد صوّر المسرح الرحباني لبنان السلام والبناء بفخر واعتزاز دون أية همسةِ تعصّبٍ أو تعالٍ على الآخرين أو استهتار بهم.. فجاءت صورة هذا الـ"لبنان" مدهشة مرضية محفّزة للغير بل مثالاً يحتذى ويقتدى به.
عندما تعرّض النصّ الرحباني إلى حالة مؤسفة حلّت بلبنان (كما في أيام فخر الدين) استعرض الأحداث وعرض ردود أفعال الناس عليها بطريقة استحضرت بالفعل أيام فخر الدين البطل اللبناني الكبير الذي التفّ حوله اللبنانيون في مقاومتهم للحملات العثمانية، فجاءت الإرادة اللبنانية الصلبة عامل وحدة وطنية حقيقية صمدت بفضلها القوات الوطنية وكانت محدودة بسبب انشغال الناس بالبناء والتنمية. في جميع المسرحيات مثّلت الضيعة الرحبانية والبلدة الرحبانية لبنان الكبير العريق الساعي أبداً إلى التطور والتقدم عبر العمل والجدّ والبناء والانفتاح وحبّ الطبيعة والأرض والجمال والمجتمع الصاعد بكافة أفراده.
وفي نفس الوقت وكالعادة تبرز الثنائيات في مكانها كي يكشف النص الرحباني المسؤولية في الحزن والتراجع وبؤس البعض ووقوع المظالم عليهم إلخ.. ويسلط الضوء على ذوي النفوس الضعيفة والانتهازيين والأنانيين الذين يدفعهم الطمع وشهوة السلطة أو الجاه إلى التحالف مع أعداء البلد أو حاسديه في خططهم العدوانية مقابل منفعة شخصية تافهة. إن صورة من هذا النوع مثلاً تعرضها مَشاهدُ من عمل مسرحيّ ما لا ينحصر تأثيرها بحدود المكان المنوّه إليه في العمل. غالباً، ماعدا المسرحيتين التاريخيتين (أيام فخر الدين) و (بترا)، لا معنىً جغرافياً للمدينة أو البلدة التي يذكرها العمل. بالتالي نحن أمام فرصة دائمة لإسقاط مغزى المسرحية وجوهرها على أية بيئة مشابه، اجتماعياً وفكرياً وسياسياً.
مسرحية (جسر القمر)، والتي كتبت وقدّمت عقب الحرب الأهلية عام 1958 تُسقط بكل بساطة على ما يجري في لبنان من تجاذب وتسابق من أجل المصالح الضيقة لا من أجل مصالح الوطن والشعب.
ومسرحيات أخرى مثل (بياع الخواتم) و(المحطة) إلخ.. ذات الأبعاد الكثيرة والمشاهد العديدة نسقطها على ساحة لبنان اليوم فنصل إلى كشف ما وراء الأحداث وكشف نوايا المخربين. جميع مسرحيات الأخوين رحباني قابلة للإسقاط، ليس فقط على ساحة لبنان بل على سائر ساحاتنا المصابة بأمراض نقرؤها في الشخصيات والمشاهد الرحبانية وناخذ منها العبر.. عقودٌ مرّت وسنينٌ تمرّ وكلنا نتذكر العبارات الرحبانية ورمزيتها ونحن نعيش أحداث الساعة وأزمات الأيام.
أجل لقد كانت رسالةً من الأخوين عاصي ومنصور منذ "جسر القمر" وحتى مسرحيات منصور الحالية، إلى الشعب اللبناني أن لا تستهتروا بوطنكم وبتاريخٍ لكم في أوراقه أمجادٌ ولا تتساهلوا مع المستهترين والمخرّبين الذين يحيكون لكم الشرور كي تبقى لهم مصالحهم ويبقوا متنفّذين ومتحكمين.. وهي رسالةٌ تضيء للناس الطريق إلى الحرية والكرامة والعدالة والسعادة والازدهار وضمان السلم والمحبة وإحياء الجميل من تراث الأمجاد التي صنعها سابقون كانوا متفائلين واثقين بمن يجيء بعدهم ليكمل مسيرة أمجاد الوطن. وهي رسالةٌ لنشر الوعي الاجتماعي ولنشر النور وفكر الانفتاح والتحرر والتطور ومساواة المرأة بالرجل واحترام الطفولة والعناية بها ومكافحة الجهل والتخلف وما ينجم عنهما من آفات اجتماعية.
وهي أيضاً رسالةٌ إنسانية كونيّة تعلن على الملأ أن لا حياة سليمة بدون سلم عالميّ واحترام لحقوق جميع شعوب الأرض في الحرية والعيش الكريم والمساواة والتقدم وإلى اندماج الحضارات ثقافياً وفكرياً.
هذه هي الرسالة الرحبانية التي كم أتمنى أن يفيد منها جيل الشباب في بلداننا وأن ينشروها وسع ما يقدرون.
13) ما الخلاصة الرحبانية التي تَخرُجُ بِها بعد إنْجازك هذا السِفْر النقدي القيِّم؟
ج13. أحبّ كلمة "سفر" هذه التي أضافت إلى الكتاب قيمة لم أكن أحلم بها.. وبراءة الإضافة لأخي الكبير الأستاذ هنري زغيب، الذي وجد في بحثي قيمة "السّفر" لأنني كنت فيه كمن يقف على تلـّة عالية من "جبال الصوّان" أصرخ في أهلي وأحبائي في الأربع جهات: "خزّقو هالتياب السّود.." وأشدهم إلى الفكر الرحباني.. الذي طالما (مأخذاً) قيل عن طوباويّته.. وكم عشقتُ هذه الطوباوية. أثبتت الأيام، ونحن ندخل الحادي والعشرين من قرونٍ تأرجحت خلالها نتائج الجهود البشرية الهائلة بين الانتصار القلق والانكسار دون أن تنهار "الإنسانية"، اثبتت أن الإنسانية على قوّتها بل تتعاظم، وأن الضعف البشري مهما تلونت صور بشاعته لن يلغي التطلّع الإنساني الشامل إلى حياة حرّة سليمة سعيدة تاجها الأخوة والعدل وأجدى وسائلها المحبة ونبذ العنف أياً كانت مبرراته.
أرى أن أيّ مثقف في بلداننا، يؤرقه تعرّض الإنسانية إلى اعتداء صناع الشرّ ووصلته رسالة الأخوين رحباني، عليه "التبشير" بالإنسانية بمفهومها الرحباني.. كي يتعاظم رفض العنف وتتعاظم الثقة بالإنسانية الباقية.
14) كيف تُقَيِّم احتفالك في بيروت بصدور هذا الكتاب (في ذكرى عاصي الرحباني بالذات، وفي احتفال "الأُوديسيه" بالذكرى؟ وأيُّ إقبال يلقاه كتابك، مطروحاً في الأسواق، ومُعلَناً عنه في رأس الصفحة الرئيسة من "جماليا"؟
ج14. الاحتفال الذي أقامته "لجنة الأوديسيه" بذكرى عشرينية غياب عاصي الرحباني كان مهيباً وعلى مستوى يليق بالمحتفى به. وكان ضمن جملة من النشاطات قامت بها هيئات إعلامية ومجتمعية وأدبية فنية وكانت مدعومة من قبل الرئاسة والحكومة ومجلس النواب الذين أرسلوا مندوبين إلى معظم هذه الاحتفالات. التعريف بكتابي وتوقيعه جاء ضمن احتفال "الأوديسيه" بإدارة وتنظيم الأستاذ هنري زغيب، والذي استضاف أيضاً ضيوفاً من سوريا من بينهم عازف الكمان مروان غريبة الذي شارك رمزياً في الأمسية الموسيقية. كان هذا بالطبع شكلاً من أشكال تبني الكتاب من قبل من هم الأقرب إلى جوهره. وكنت شاكراً لهم على هذه الفرصة التي وفرت لي أيضاً فرصة التعرّف عن قرب على آل الرحباني وأصدقائهم. غير أن الكتاب الذي تحدثتْ عنه الصحف خلال الأيام الأولى لصدوره تأثر كغيره من الكتب بمأساة تموز 2006 التي أبعدت الناس لفترة طالت عن اقتناء الكتب عامة.
كنت أخال الكتاب في البداية وقد تزاحم الناس أمام المكتبات يطلبونه ليزيّن مكتباتهم المنزلية. فهو كتابٌ موسوعيٌّ صفحاته مليئة بالمعلومات القيّمة في المسرح والموسيقا والغناء والأدب، وتحليليٌّ يظهر ما لا تظهره المسرحية مباشرة ويسلط الضوء على القيم الجمالية والإنسانية، وتسجيليٌّ يضم نصوص الحوارات والأغاني الرحبانية بلون آخر وبطريقة تسهل معها العودة إلى ما يريده الراغب في المعرفة أو الباحث في الفكر الرحباني أو في المسرح الغنائي. غير أن الإقبال على الكتاب لحد الآن ليس بالمستوى الذي كنت أتمناه. ربما لأنه لم ينل حظه الوافر من الدعاية في لبنان بعد التوقيع بسبب مأساة تموز. آمل أن يعود الكتاب إلى الظهور الآن في خضم مهرجانات صيف لبنان 2008، خاصة وأن المصطافين القادمين من بلدان الاغتراب سمع معظمهم عن الكتاب ولم يتمكنوا من الحصول عليه هناك.. سيجدونه إذن الآن في مكتبات لبنان.
جديرٌ بالذكر أن إذاعة "سوريا الغد" أجرت معي لقاءً عن الكتاب وعن السيرة الرحبانية عبر الهاتف في إطار برامجها للاحتفاء بالسيدة فيروز أيام عرضها مسرحية "صح النوم" في دمشق.
كُتبتْ حول الكتاب عدةُ مقالات بأقلام أدباء قرأوه وجاء تقييمهم له مقدّراً مكانته وما بُذل من جهدٍ لإصداره.
15) عالَجتَ في كتابك الأعمال الرحبانية الممتدّة من "موسم العز" (1960) وتوقّفت عند "بترا" (1977)، آخر عمل للأخوين عاصي ومنصور. وبعد غياب عاصي (1986) أنتج منصور وحده عشر مسرحيات حتى اليوم. فهل تفكّر في الاشتغال على أعمال منصور الرحباني، كما اشتغلتَ على أعمال الأخوين؟
ج15. مؤلمٌ هذا السؤال!! لقد قطعتُ عهداً على نفسي أن أكمل ما بدأته مع الأخوين رحباني بجزء ثالث أغطي فيه مسرحيات منصور، طال عمره وزاد عطاؤه. ولكنّ هذا العمل الذي أتمنى ألا يسبقني إليه أحد، يتطلب مجهوداً كبيراً ليس في مقدرتي الآن بذله. أترك الموضوع إلى المستقبل وأنا متفائلٌ أن سيأتي اليوم الذي أستطيع فيه العودة إلى مسرحيات منصور من "المؤامرة مستمرة" - 1980 إلى "عودة طائر الفينيق" – 2008 وما بعدها أملاً.
رحلة مع مفيد مسوح عبر صفحات كتابه
الجزء الثاني
طالعوا جريدة الأنوار صباح كل يوم
مقالات وتحليلات وأخبار سياسية
لبنانية وعربية وعالمية
مقالات وأخبار اقتصادية
ثقافة ومنوعات
تحقيقات