رحلة مع مفيد مسوح عبر صفحات كتابه "جماليات الإبداع الرحباني" - (1 من 2)

سوزان ضوّ قرأها 14
 

رحلة مع مفيد مسوح عبر صفحات كتابه

"جماليات الإبداع الرحباني"

(1 من 2)

حاورته سوزان ضو صايغ

تُقرّر السّفر معه بين الصفحات، يحملك من دون أن تدري إلى آخر صفحة، تعشق البداية، تغوص في التحليل، في الجهد الذي كرّسه يومياً وعلى مدى سنتين من البحث المتواصل، ليزرعها بذور قمح تنبت في تراثنا ومنه فتؤرخ حقبة مرّ بقرب أبوابها الكثيرون من دون أن يطرقوا الباب.

الدكتور مفيد مسّوح، حكاية قلب استفاض عشقاً للأخوين رحباني، فكان كتابه عصارة الحب الذي يشبه الموسوعة بكل ما فيها من... حبّ.

جريدة "الأنوار" اللبنانية – بيروت

jamaliyat%20-%20MM.JPG 

1) منذ متى بدأ اهتمامُك بالتراث الرحباني؟

ج1. منذ أن بدأت في شخصيتي صفة الاهتمام بالكلمة الحلوة واللحن الجميل. كان ذلك بالضبط عندما تكرّر تقديم أوبريت "الموسم الأزرق" وأغنياتها عبر محطة إذاعة دمشق في أوائل ستينيات القرن الماضي ولم أكن قد أكملت العاشرة من عمري. كان الراديو في البيت يشتغل دائماً طالما أن هناك محطّات تذيع أغاني وديع الصافي وصباح وفيروز. ولكن أوبريتات "الموسم الأزرق" و "حكاية الأسوارة" وغيرهما كانت مختلفة عن الأغاني العادية. معها، ولأول مرّة استمتع الناس بالتمثيل الغنائي.. ربما أحبَّها الأطفال كثيراً (وكنت واحداً منهم) لكونها تروي حكاية لذيذة السّرد والموضوع بطريقة غنائية ومع حوار منغّم أخذهم إلى عالم من الأحلام يفوق بألوانه وأسراره حلاوة حكايات الجدّات والأمهات.

منذ تلك الأيام تعلّقت بالأخوين رحباني وفيروز (كما كان جميع أفراد أسرتي). في أيام الدراسة الإعدادية والثانوية كان لي عدد كبير من الأصدقاء والصديقات ممن شجّعتهم على الاهتمام بالمسرح الغنائي الرحباني وحفّزتهم على الاشتراك في الفرق الفنية المدرسية أو الشبابية، والتي كان جلُّ مختاراتها للدبكة والرقص الشعبي مأخوذاً من أغنيات هذه المسرحيات (موسم العز، جسر القمر، دواليب الهوا، بياع الخواتم إلخ..)، ولم أكن عضواً في أية فرقة ولم أشترك في أيّ مهرجان بل كنت أكتفي بالتفرّج، لأنني (ومازلت) لا أجيد أي نوع من أنواع الدبكة التي تسحرني حركاتها وتناغمها مع الألحان والرشاقة التي تعكس مهارة الراقصات والراقصين.

ولكن التراث الرحباني كان عندي منذ صغري ليس أغنية أو دبكة فحسب، بل أدباً متكاملاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، خاصة بعد أن أدركت معنى انتقال الأخوين رحباني من مرحلة الأوبريت إلى مرحلة المسرحية، في مسرحياتهم الأولى.

في الستينيات كنت أعتمد على الرّاديو وفي أواخرها كانت المسجّلات ذات الشريط الطويل على بكرات كبيرة. وكنت أستمع إلى المسرحيات القديمة وكم مرّة تجادلت مع الآخرين الذين كانوا يتكلّمون عندما يمرّ وقت الحوار، إهمالاً منهم له بالمقارنة مع الأغنية. كنت أحب المسرحية كلّها، وكانوا ينتظرون الأغنية.. وعبثاً كنت أحاول لفت انتباههم إلى جمال الحوار وجمال المسرحية وإقناعهم بأن الأغنية تخدم المسرحية. كان هذا بالنسبة إلى الكثيرين صعباً وكانت محاولاتي إقناعهم أصعب.

في أوائل السبعينيات ظهرت أجهزة الكاسيت الصغيرة الحجم فتوفرت لديّ إمكانية الاستماع المتكرر والإصغاء إلى كلّ كلمة كتبها الأخوان عاصي ومنصور.. محكيّة كانت أم مغنـّاة. كانت المسرحيات الرحبانية صديقة معظم أوقاتي إضافة إلى الموسيقا الكلاسيكية التي اعتدتُ عليها منذ صغري. ومنذ مسرحية "جبال الصوّان" صرتُ أنظر إلى المسرح الرحباني كما أنظر إلى أهرامات مصر أو أرز لبنان أو أبجدية رأس شمرا. ومنذ استوعبت (ولو جزئياً) ما أراد عاصي ومنصور قوله في هذا العمل المسرحي الضخم تولّد عندي إحساسٌ بأنني معنيٌّ (يوماً ما) بعرض ما يفعله هذا الصرح، الذي كان يتعاظم بناؤه أمام أعين الناس ويتجذّر في حياتهم، في داخلي وما يمكن أن يفعله في الناس أفراداً ومجتمعاتٍ حالياً وفي المستقبل. كان بذهني أن تكون الصحافة وسيلتي لهذا العرض وليس الكتاب. لأنني كنت على قناعة بأن من سيكتب في التراث الرحباني لابدّ له وأن يكون متخصّصاً في أحد فنون المسرح، لما يتّصف به هذا التراث من عمق وشمولية وتميّز.

نَمَتِ الفكرةُ في رأسي بعد غياب عاصي عام 1986، بعد أن تعرّفت عن كثب على جميع مسرحيات الأخوين رحباني حتى بترا، آخر مسرحية في هذا التصنيف. كنت حينها في آخر أيام مرحلة الدراسات العليا وأحزنني كثيراً رحيل عملاقٍ كان سيملأ دنيانا بعشرات من الأعمال الأخرى لو قدِّر له أن يبقى. ومن شدّة حزني كنت أرجع إلى أولى المسرحيات (موسم العز)، كي أستمع إليه وهو يتحدّث باللهجة البيروتية بخفّة دمٍ في شخصية (أبو حمزة) ثم إلى صوته وهو يسرد وصيّة الأب لابنته في عرسها.. وكم من دمع تدفّق من عينيّ وأنا أستمع إلى هذا المقطع وأقول (ضيعانك يا عاصي). كانت تلك الأيام نقطة العهد لروح عاصي أن أكتب عنه يوماً ما، دون أن أحدّد كيف ومتى وماذا.

بعدها.. ما وفّرتُ فرصة أقترب فيها من التراث الرحباني.. في البيت أو السيارة.. في الليل أو النهار.. سماعاً وقراءة وتتبعاً وتدويناً. حتى صرت أحسّ بأنني إبنٌ لهذا التراث الإنساني العظيم.

2) ما كان الدافع الرئيس لانصرافك الى سماع الأعمال الرحبانية، وتفريغها والكتابة عنها، مع كل ما في ذلك من ضنى العمل الشاق الطويل؟

ج2. أبدأ من نهاية السؤال لألغي كلمة "ضنى" من قاموس علاقتي مع تراث الأخوين رحباني. قلت سابقاً ويسعدني أن أكرّر قولي: إن أحلى فترةٍ عشتها في حياتي هي أيام وليالي السنتين اللتين كتبت خلالهما كتاب "جماليات الإبداع الرحباني". ربما كان فيهما من الصّعوبة والحرج ما أرّقني ولكنني كنت أقوم بعملٍ حافزُه رغبةٌ داخليّة عميقة عمرها عقدان من الزمن ومبرّرها أسفي أن تخلو مكتباتنا من كتابٍ واحدٍ يحلّل ويعرض هذه الأعمال ويسلّط الضوء على جمالياتها وعلى قيم الخير فيها. حتى ساعة البداية في تحضير الكتاب كان قد مرّ على انطلاق المدرسة الرحبانية في فن المسرح الغنائي أكثر من نصف قرن ولم يعطنا أحدٌ من الأدباء والنقّاد من معاصري ومرافقي هذه المدرسة شيئاً يذكر عن عناصرها ومميزاتها أو يعكس فرادتها ويربط بين مكوناتها من جهة وحياة الناس وثقافاتهم وهمومهم وهموم الوطن من جهة أخرى.

وإذا أردتُ التحدّث عن نفسي فقط، فإنني أقول بصدق: ما من مرّة سمعت أو شاهدت أي مشهد من مشاهد هذه المسرحيات إلا واستمتعت بذلك كما لو أني أفعل هذا للمرة الأولى. في الكتاب يستنبط القارىء كم كنتُ دقيقاً في الدّخول إلى تفاصيل النصوص والمشاهد وكم تطلّب العرض والتحليل والربط والاستدراك من عودة إلى الاستماع.. ولكن ذلك لم يكن مجهداً بالنسبة لي بقدر ما كان ممتعاً. بعض الفقرات القليلة الأسطر في الكتاب تطلّبت صياغتها ومراجعتها ساعاتٍ وكانت تستحقّ ما بذلته من جهد لإخراجها بهذا الشكل.

3) كيف عمَدْتَ الى الاستماع، وتفريغ النصوص من الأعمال الصوتية؟ وما الوقت الذي استغرقَهُ منك هذا التفريغ، وسط أشغالك الهندسية الضاغطة؟

ج3. عندما بدأت العمل على مسرحية "موسم العز" كنت كشاعر الزّجل الماهر الذي يرتجل شعره انطلاقاً من الموقف. إذ المسرحية بحد ذاتها غايةٌ في اللطف موضوعاً وأسلوباً وتدرّجاً ووسائل. منذ طفولتي أعشق هذه المسرحية، واعذريني إن أثارك ما سأقوله الآن: في الأيام الأولى من زواجنا طلبت من زوجتي (متجاوزاً قناعتي بسخْف الفكرة واستحالة تنفيذها) أن تضع نسخة من شريطَي المسرحية هذه قربي وأنا أغادر الحياة!. وأجابتني زوجتي بحنكتها المعهودة كي لا تنهرني، وهي مدركة البعد الروحي الكبير في طلبي: "بدل أن تفكر هكذا اكتب بحثاً عن المسرحية".. استدركتُ وقلت: "أجل وسأهديكِ إياه"، دون أن ألزم نفسي بموعد.

من عادتنا أنا وزوجتي أن تدور الموسيقا في بيتنا أو في السيارة بشكل دائم. عندما كنا نستمع إلى الأعمال المسرحية للأخوين رحباني كنت ألفت انتباهها دائماً إلى ما يكمن وراء عبارات ومواقف ومشاهد هنا أو هناك. وكانت تتقبّل باستمتاع ما أقترحه، وهي بالمناسبة ابنةٌ لمنزل يقدّر الفنّ الجاد، واختٌ لموسيقار كبير معروف في سوريا والعالم العربي هو عازف الكمان مروان غريبة، (وكان مرجعي في مسائل تتعلق بالمقامات وأنا أحضّر الكتاب). كان استماعي (واستمتاعي) في الأوقات الضائعة جزءاً ممهّداً (أو مكملاً) لِما بدأت أقوم به في ربيع 2004. أما تفريغ النصوص فقد استغرق وقتاً طويلاً ولكنني كنت أقوم به خلال الكتابة.. أي في سياق البحث والتحليل. بعض العبارات كان تسجيلها في الشريط غير واضح. كنت أعيد الاستماع وأسأل من كان قريباً مني (وكنت أفضّل مَن هم مِن لبنان) حتى أصل إلى اللفظة الغامضة فأشعر بالانتصار. بعض المسرحيات غير متوفر على أقراص، والتعامل مع الكاسيت أصعب مما هو عليه في حالة القرص المضغوط. قمت مثلاً بنقل مسرحية "دواليب الهوا" إلى حالة القرص من الكاسيت بطريقة خاصة ولاستخدامي الشخصي حصراً. بعض الأعمال مسجّل على شكل قرص مضغوط مرئي ومنها الأفلام الثلاثة، وقد استفدت من قرص فيلم "بياع الخواتم" مع أنه يختلف عن المسرحية.

ما من شكٍّ أن تحضير كتاب بهذا المستوى من الموسوعية تطلّب وقتاً كثيراً. لقد استغرق إعداد نص الكتاب مع النصوص الرحبانية أكثر من ألفي ساعة عمل جدّي. ويرى من اقتنى الكتاب أن تنسيقه أيضاً تطلّب جهداً. إذ لم أكن لأرضى أن يكون شكل الكتاب دون المستوى الذي يليق بالتراث الرحباني العظيم. وبما أنني أعمل في صناعة البناء لا في واحد من حقول الأدب والفن أو الإعلام أو التدريس فإنه لم تكن لديّ فرصةٌ للعمل على الكتاب إلا في أوقات الراحة والليل ونهاية الأسبوع والإجازات إلخ.. ولكنْ من حسن حظي أنني أعمل في إدارة المشاريع الهندسية وبالتحديد في الرقابة على الجودة، لا في عملية البناء نفسها، مما لم أكن معه مرهَقاً في نهاية النهار. كنت أصل إلى مكتبي في البيت هرِعاً ومشتاقاً للجماليات الرحبانية، كما لو أنني شابٌ على موعدٍ مع حبيبته.

وأضيف بأن انشغالي في الكتاب كلّ ليلة روّضني على ازدواجيّة في الحياة سمحت لي بالانتقال من حالة الاهتمام بالثقافة إلى حالة إنتاجها.

4) كيف بدأتَ الكتابة والتحليل؟ ما كانت معايير تَحليلك: أدبية؟ مسرحية؟ شعرية؟ لَحنية؟ تراثية؟

ج4. ربما يخلص من يقرأ الكتاب إلى انطباع بأن تشابهاً كبيراً اتّسم به عرض كل المسرحيات. قد يكون هذا صحيحاً في ما يخصّ الأسلوب. المسرحيات الرحبانية مختلفة عن بعضها كثيراً. ربما يرى مَن لا يدخل في تفاصيل أوبرات فاغنر أنها مثل بعضها وهي بالعشرات. في تفاصيل المسرح الغنائي الرحباني مراحل من التطور في الموضوع والبيئة والوسائل وأسلوب العرض وتقنيات المسرح والموسيقا والديكور ومتطلبات خاصة يفرضها الموضوع بحد ذاته. المسرح الرحباني ليس سهلاً ولو بدا بسيط اللغة وقريباً جداً من لواقط الاستيعاب عند المشاهد.

بداية كان لابدّ من إجراء تصنيف للمسرحيات تبعاً لمواضيعها، علماً بأن جوهر هذه المسرحيات هو جوهر الفكر الرحباني. إنما عرضتُ المسرحيات في الكتاب على أساس كرونولوجيّ بدءاً من أولها (موسم العز- عام 1960) وحتى آخرها (بترا- عام 1977). وقدّمتُ للمسرحية بأشكال تنوعت كمدخل للعرض وسرتُ بالقارىء خطوة خطوة مع مَشاهد العمل مُسهباً أحياناً ومختصراً أحياناً أخرى، مكرّساً الصفحات للحوار مرةً وللتعليق والتحليل أخرى ومعرّجاً إلى هذا أو ذاك من المعنى الذي قصده الأخوان رحباني في عبارة أو مقطع من أغنية أو لحن أو حدث. مدة المسرحية ونصُّ حواراتها لا يعطي للكاتب من المجال ما يكفي للشرح أو التفصيل.. يترك هذا الأمر للمتلقّي، واثقاً بأن رسالته ستصل في معظم الحالات. في تحليلي للنص والمشهد واللحن وتفسيري للعمل من خلال عرض جميع مكوناته انتقلت المسرحية إلى ما يشبه الرواية.

المهم في الأمر أنني، مع التزامي بنصوص المسرحيات، لم أكن حاملاً كاميرا تعيد تصوير العمل وإنما قمت بتحويل كل مسرحية إلى رواية فيها شيء من ذاتي ومما تركه الفكر الرحباني من أثر على ثقافتي وطريقة تفكيري.

خلال العرض تطرّقت إلى مواضيع متنوعة جاءت جميعها في صلب محور المسرحية، بأسلوب التداعي أو الربط. فالمسرحيات تشكل مع بعضها أدب مدرسة فريدة متكامل. وكان لابدّ من الربط كي يخرج الكتاب متكاملاً. هذا الربط فنٌّ بحدّ ذاته. وأهم مقوماته القدرة على استحضار عناصر متشابهة أو متضادة أو متعلقة بعضها ببعض أو تشترك في تكوين الوعاء الذي يحمل الفكر. لم تقتصر معايير التحليل على مقارنة عمل بعمل أو دور بدور. معايير التحليل في الحقيقة مستقاة من المعايير الرحبانية في الحياة، والتي نشأتُ أؤمنُ بها مدرسةً تربويةً وطنيةً إنسانيةً بنّاءة. وبالتالي فقد حلّلتُ الأطروحات الرحبانية من خلال مكونات البنية الدرامية وسيرورتها متطرّقاً إلى ظروف البيئة السياسية والاجتماعية السائدة أيام العرض وإلى البيئة المقصودة في العمل المسرحي. وبين هذا وذاك تأتي كلمات الحوارات والأغاني والموسيقا وتقنيات المسرح والديكور وغير ذلك، قيماً إبداعية وتجلّياتٍ فكرية وعناصرَ حاضنة للبنية المسرحية وفكرها هي ما سمّيتُها "جماليّات الإبداع الرحباني". فوق هذا، يأتي المكون التراثي جمالية إضافية من حيث التواصل مع التراثين اللبناني والشرقي من جهة وتكوين الشخصية التراثية الرحبانية المتطورة من جهة أخرى. لقد نالت هذه الشخصية حقها من الإضاءة في دراستي التحليلية والتفصيلية.

5) هل عدتَ الى مراجِعَ في التراث اللبناني كي تبلُغَ عمق التأثُّرات الرحبانية؟ وما كان لَها من انعكاس وظهور في أعمالهما؟

ج5. لاشك أن المادة الرئيسة التي كانت على سطح مكتبي مرجعاً دائماً هي أقراص وكاسيتات الأعمال الرحبانية الكاملة، حتى تلك التي لا تقع في إطار مسرحيات الأخوين رحباني. بعد أن أنهيت الجزء الأول من الكتاب اقتنيت مجموعة النصوص المسرحية الصادرة تحت إشراف وبتقديم الشاعر والأديب اللبناني والأب الروحي لحفظ التراث الرحباني الأستاذ هنري زغيب، وقد أفدت منها في حالات استعصى عليّ فهم عباراتٍ محليّة أو مفردات ذات خصوصية لبنانية أو من مناطق محددة في لبنان. المادة الثانية من حيث الأهمية هي قصاصاتي الغالية التي تجمّعت في صناديقي من صحف ومجلات وملاحظات على دفاتر وأوراق دوّنت فيها معلومات أو أحداثاً أو انطباعات منذ أوائل السبعينيات تتعلق بالمسرح الرحباني وبالسيرة الرحبانية وبالفرقة الشعبية اللبنانية وبالفعاليات الفنية في لبنان وسوريا وغيرهما. المادة الثالثة من حيث الأهمية هي المخزون الثقافي المتراكم بفعل قوة تأثير الفكر الرحباني في نفسي وأنا أربط كل ما شاهدته وما سمعته بما أعيشه.

أما المراجع المتعلقة بالتراث اللبناني بعمومه فكانت عديدة منها كتاب الدكتور نبيل ابو مراد "المسرح اللبناني في القرن العشرين" وكتاب "في الموسيقى اللبنانية العربية والمسرح الغنائي الرحباني" لنزار مروّة وهو من إعداد المفكر والناقد محمد دكروب، والكتاب السمعي البصري "الأنواع والأشكال في الموسيقى العربية" لفيكتور سحّاب وكراريس وكتب أخرى عديدة في الموسيقا وفنونها وآلاتها وفي التاريخ أيضاً.

يقرّ عديد النقاد ويؤكد الأخوان عاصي ومنصور أنهما استقيا من ثلاثة مصادر رئيسة ما يربط تراثهما بالتراث الإنساني: التراث الشعبي اللبناني الذي كان لحين ظهور المدرسة الرحبانية عفويّ الطابع، ما عدا محاولات محدودة لا تنقصها الجرأة أو القيمة الإبداعية أو الجمالية، والتراث الشرقي العربيّ غالباً وخاصة المصريّ والبدويّ، والتراث الأوروبي الكلاسيكي. أعتقد أن المدرسة الرحبانية كانت واسعة الهوامش والأبعاد لدرجة استطاعت معها الاستفادة مما حفظه التاريخ من إبداعاتٍ تراثية وخلق تراثٍ جديدٍ لبنانيِّ الجوهر خليط الشكل والتقنية. وعلى سبيل المثال، تميزت الفرقة الأوركسترالية الرحبانية بتنوع كبير في الآلات، وكان مدهشاً لكثير من المختصين أن تبقى آلة البزق مثلاً إلى جانب البيانو والتشيلو وآلات النفخ النحاسية أو جمع القصب والفلوت في لحن واحد.

أما مواضيع ومحاور المسرح الرحباني فقد كان في معظمه لصيق لبنان وحياة اللبنانيين وتراثهم وتاريخهم مع سعة فائقة للإسقاط بحيث استوعبه العرب وأحبوه من الشرق الأوسط إلى بلدان المغرب.

6) ما هي الأعمال الرحبانية التي شاهدْتَها على المسرح؟ وهل ساعدتْكَ ذاكرتُك البصرية (في الأعمال التي شاهدْتَها) على فهم العمل أكثر من الأعمال التي اقتصرَت علاقتك بِها على الاستماع فقط؟

ج6. أحزن عندما يوجّه إليّ هذا السؤال. فبالرغم من تعلقي الكبير بمسرحيات الأخوين رحباني وبعروض السيدة فيروز والفرقة الشعبية اللبنانية فإنه لم يتسنّ لي حضور القسم الأعظم من هذه العروض التي كانت جزءاً من المهرجانات الفنية لمعرض دمشق الدولي. كانت التذاكر تباع وتحجز في أيام الصيف وكنت أقضي الصيف بعيداً عن دمشق، فإذا عدت في أيام المهرجان لا أجد تذاكر أو أجد أحداً من الأصدقاء وقد ترك لي تذكرة حضور في آخر صفٍّ في المسرح يكاد المشاهد لا يرى شيئاً مما يدور على خشبته. حدث معي هذا في صيف 1971 (صح النوم) وفي صيف 1975 (ميس الريم). غير أن هذه الحقيقة لم تغيّر في الأمر شيئاً. كنت أنتظر بلهفة ظهور الأشرطة وأنكبُّ عليها سماعاً وتكرار سماعٍ حتى أصل إلى ما يفوق ما قد يعطيني إياه حضوري المسرحية على مقعد في وسط الصف الأول. بعض الأعمال كانت مسجّلة للتلفزيون وفيما بعد على أشرطة فيديو اقتنيتها وشاهدتها واستفدت من بعض ما قدّمته. إنما أودّ أن أكرر أن المسألة لا تقتصر أبداً على حضور العمل خلال ساعتي العرض. هناك أشخاص حضروا جميع الأعمال المسرحية للأخوين رحباني واستمتعوا بها إنما لم يصلهم للأسف ما أراد العبقريان أن يوصلاه إلى الناس. وأنا مازلت حتى الآن أستمع إلى هذه الأعمال عبر الأقراص بنفس المتعة التي رافقتني وأنا أستمع لأكتب.

7) هل وجدتَ رابطاً بين عملٍ رحباني وآخر، وأنتَ قمتَ بِمسح شاملٍ لِجميع أعمالهما المسرحية؟

ج7. طبعاً.. إنما ليس لهذا الرابط معنىً رقميٌّ، إذ لسنا في حالة مسلسل من حلقات. الأعمال الرحبانية تشكل بترابطها وحدة.. ظاهرة.. مدرسة خالدة.. فكراً تربوياً في الوطنية والإنسانية والأخلاق. لقد عرضتُ هذا الترابط حيث كان فيه قيمة أدبية وجمالية. منذ ما قبل الكتابة كنت أتداعي بأفكاري وذاكرتي وأنا أستمع إلى عبارة أو لحن أو مشهد إلى ما يماثله أو يطابقه أو يعارضه في مكان آخر. لا أريد أن أسوق أمثلة هنا، إنما لتوضيح سبب الترابط الفكري أذكّر بأن الثنائيات أو المزدوجات والتي تشكل الوسيلة لعرض التناقض المحيط بالسلوك البشري موجودة في سائر الأعمال الرحبانية. بعض النقاد يرون في إعادة التطرق إليها تكراراً، أما أنا فإني أراها إبداعاً جديداً كلّ مرة. من هذه الثنائيات المتصارعة (الخير والشر)، (السلم والحرب)، (النور والظلمة)، (الفرح والحزن)، (الحب والكراهية)، (النقاء والفساد)، (الغيرية والأنانية)، (الإخلاص والخيانة) إلخ..

هناك أمرٌ آخر يشكل التكرار فيه واحداً من عناصر القوة الفكرية المستندة إلى الفراسة. قد لا يجد الكثيرون رابطاً جوهرياً بين مسرحيتي (جسر القمر – 1962) و (دواليب الهوا – 1965). بينما نحن، بغوصنا في أعماق الموضوعين، سنجد أن الصراع الأهلي الذي سيّرته المصالح الطبقية بين شرق جسر القاطع وغربه في جسر القمر مازال كامناً في قلب المجتمع بين حارتي الفوقا والتّحتا في دواليب الهوا، وأن التصالح الأهلي الذي أعاد الناس إلى حالة السلم والفرح هناك هو ما وجد فهد العابور نفسه مجبراً عليه فتنازل عن تحكّمه بالأهالي هنا في دواليب الهوا.

8) ما هو الخيط (المسرحي، والشعري، واللحني، والتراثي الفولكلوري اللبناني) بين جميع الأعمال الرحبانية؟

ج8. بالفعل هو خيطٌ.. قويٌّ.. أمينٌ وثيقٌ موثوقٌ مصنوعٌ من أعصاب السيرة اللبنانية في علاقة أهالي لبنان بالطبيعة والفكر من جهة وبعضهم ببعض من جهة ثانية. هو خيط لحبّات هذا المسرح الخالد. وهو متعدد المكونات كما ذكرتِ. ومن الصعب أن نحدّد نسب التكوين لأننا في أيّ عمل نجد أنفسنا أمام مسرح وشعر وموسيقا وفي قلب التراث الشعبي اللبناني كما نجد أنفسنا في قلب الحياة اللبنانية بينما أيدينا ممدودة بمحبة وصدق إلى العالم.

في كافة المسرحيات نعيش مسرحاً ينقلنا، بمَشاهده وعبر أفضل طرق التمثيل يؤديها ممثلون ماهرون مثقفون ومؤهّلون، ينقلنا إلى بيئة العمل المطلوبة. وسواء كان المشهد تراجيدياً أم كوميدياً أم سرديّاً فإننا نشعر وكأننا في قلب البيئة لا على خشبة مسرح، ماعدا الحالات التي يعيدنا فيها المؤلفان إلى مقعد المسرح عن قصد. وفي جميع نصوص المسرحيات، حواراً كانت أم نصوصَ أغنياتٍ بالعامية أم بالفصحى نقرأ شعراً جميلاً رحبانياً لبنانيّ الطابع. كما أننا، في جميع المشاهد من المقدمة إلى الخاتمة.. في الفواصل الموسيقية وفي الموسيقا الخلفية وفي ألحان الأغاني، نستمتع بألحان رائعة الجمال والتكوين والأداء من أوركسترا راقية مبنية وفق أحدث المعايير وأفضل القدرات تحمل مشاهد المسرحية وأغانيها وحواراتها في إبداعات لا حدود لتنوعها وتتاليها خدمة فائقة القدرة لمحور المسرحية ونصها وروحها.

الخيط الذي يجمع عقد هذه المكونات هو لبنان، وطن الفرح والبناء ومجمع الإبداع وفضاء التألّق بالجمال ونبض الحياة في تحديها للعداء للفرح والسلم والمحبة.. لبنان الرمز الأنصع لإنسانيةٍ لا تعرف الاستسلام والخنوع والانكسار والتشاؤم.. لبنان المتطلّع دائماً إلى المجد رغم الكبوات والمنادي أبداً إلى النور والانفتاح والفرح.

يتبع غداً

Al%20Anwar%20Logo.JPG

المقال في صحيفة الأنوار

الجزء الأول

عدد 8 آب 2008

طالعوا جريدة الأنوار صباح كل يوم

مقالات وتحليلات وأخبار سياسية

لبنانية وعربية وعالمية

مقالات وأخبار اقتصادية

ثقافة ومنوعات

تحقيقات

www.alanwar.com