نزوة ماركيز المباركة

عبادة تقلا قرأها 5
  

يعاني الرجل مما يسمى نزوة القصّ المباركة، فطوال حياته لم يفعل إلا الشيء الوحيد الذي أحبه، وهو رواية القصص، عند الأصدقاء، في الحمام، في كل مكان.

إنه يؤمن أنه إذا أراد أحدنا أن يكون كاتباً فعليه أن يكون كذلك طوال أربع وعشرين ساعة في اليوم، وثلاثمئة وخمسة وستين يوماً في السنة. أي كما قال أحدهم: (إذا ما داهمني الإلهام فسيجدني مستغرقاً في الكتابة).

يروي ماركيز أنه عندما ذهب إلى المركز السينمائي التجريبي في روما، ورأى المواد اللازمة لصناعة السينما(الأجهزة الصناعية والتقنية والتجارية) قال في نفسه: (اللعنة: لحسن الحظ أنني أملك آلتي الكاتبة).

لكن دودة السينما بقيت في داخله، وكانت دافعه لتأسيس مدارس وتنظيم ورشات سينمائية.

كانت البداية مع كتاب (كيف تحكي حكاية) الصادر في عام 1998 ضمن سلسلة الفن السابع، ويبدو أن التجربة استهوت ماركيز فتحولت مسألة الورشات عنده إلى إدمان، إذ لم يتصور مطلقاً أن رواية القصص جماعياً ستكون ممتعة إلى هذا الحد.

وهكذا كانت ورشة السيناريو الثانية التي عقدت في مدرسة سان أنطونيو لوس بانيوس الدولية للسينما والتلفزيون في كوبا، وتوزع أعضاؤها بين صحفيين لهم تجارب مع أفلام وثائقية وبرامج تلفزيونية، وكتَّاب سيناريو ومخرجي أفلام وثائقية وروائية قصيرة.

همس ماركيز في آذان مشاركيه في الورشة منذ الجلسة الأولى أن الجميع موجودون هنا من أجل حكاية القصص، فالعالم- برأيه- ينقسم بين أولئك الذين يتقنون رواية القصص ومن لا يتقنون ذلك. كما أن تبادل التجارب هو أحد أهداف الورشة عبر ممارسة لعبة اختلاق القصص والعمل أثناء ذلك على صياغة قواعد اللعبة، وأن ظرافة القضية في الورشة تتلخص في الانطلاق من اقتراح بسيط لم يتشكل بعد والعمل على تحويله إلى قصة يمكن لها أن تكون أساساً لسيناريو سينمائي أو تلفزيوني.

أما فيما يخص المشارك في هذه الورشة فإن عليه أن يكون مستعداً لتوجيه الضربات وتلقيها، إذ لا مكان لعديمي الصبر في ورشة ماركيز.

بعد ملاحظات ماركيز أو غابو، كما يسميه المشاركون في الورشة، يبدأ المشاركون برواية قصصهم.

يضعنا البعض أمام قصة ناضجة تصلح لأن تكون مادة لسيناريو جيد، وينجح آخرون في رسم ملامح شخصية ما ولكن دون الوصول إلى حبكة تؤطر الشخصية فيها، كما نطلع على تجارب لم تنضج بعد، عبارة عن مشاريع قصص يرويها أصحابها ليكتشفوا أنهم ما زالوا بحاجة للعمل أكثر عليها, ويتركهم غابو إلى أن يكتشفوا بأنفسهم الفجوات الموجودة في عملهم, ثم يقول:(خذ ما تحتاجه من وقت)، أو يحفز الآخرين إلى طرح آرائهم، ومحاولة إنقاذ قصة بدأ أحدهم بها وعجز عن المتابعة.

ترد ملاحظات كثيرة على لسان غابو أثناء جلسات الورشة، ملاحظات يحتاجها كل مهتم بفن القصة وكتابة السيناريو.

يرى ماركيز أن التجارب أثبتت أنه حين ينطلق المرء من تجربة شخصية يجد سهولة أكبر في التقدم بالقصة، والمسألة هنا - حسب رأيه- ليست مسألة أفضل أو أسوأ، ولكنها ببساطة أكثر راحة.

كما أنه ينصح المشاركين في الورشة ألا يواصلوا التفكير في القصة التي نوقشت، بعد الخروج من الورشة، لأن ذلك سيسبب لهم عسر هضم، فورشة السيناريو كورشة النجارة بمجرد أن ينهي أحدنا عمله، عليه أن يضع أدواته ولا يحملها معه إلى البيت.

كما لا يغيب عن بال ماركيز تأكيد مسألة جدالك مع نفسك عند البحث عن خيط قصة ما، فلتكتب كل ما يخطر على بالك شريطة أن تتمكن من جعله مقنعاً، فإذا لم يصدق أحد القصة التي ترويها فليس هناك قصة. إنك تقوم بكل ذلك حتى تمتلك القصة مكتملة في رأسك، أي تحصل عليها نظيفة من الألف إلى الياء. بعد ذلك يمكنك أن تفعل بها ما تشاء، قد تقلبها أو تدخل إليها الفلاش باك، كما تريد. فالقصة صارت تحت السيطرة، إن العملية تشبه حبس الماشية في الزريبة وتأكدك أنها لا تستطيع الخروج، عند ذلك تقرر ما إذا كنت ستذبحها أم تدفعها، ومتى ستفعل ذلك وكيف. المهم أن تعرف ما هي القصة التي ترويها، وما سوى ذلك سيسقط بثقل وزنه بالذات.

ويستشهد ماركيز عند حديثه حول رواية القصة وفق الأصول بالعبارة التالية: (علينا أن نحاول عدم السماح للأشجار بأن تمنعنا من رؤية الغابة.

يختتم ماركيز أعمال ورشته بالقول: (الشيء الوحيد الذي لا يمكننا عمله هنا- نحن من نعاني نزوة القص المباركة هذه- هو التوقف، لأنه إذا ما توقف أحدنا، فسيذهب مع الشيطان).

sutrshuuuuuuuuuuuuuuuuuuuuuuse5y5s.JPG