لقاءات في الشعر- لويس غارثيا مونتيرو

عبادة تقلا قرأها 7
 

عبادة تقلا *

ضمن سلسلة لقاءات في الشعر، استضاف معهد ثربانتس في دمشق الشاعر الإسباني لويس غارثيا مونتيرو لإلقاء محاضرة بعنوان: رؤيتي للشعر- إلقاء قصائد شعرية.

لويس غارثيا مونتيرو، مولود في غرناطة عام 1958، وحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة غرناطة عن بحث حول رفائيل ألبيرتي، وحائز على جوائز مهمة في بلاده، نذكر منها جائزة فيديريكو غارثيا لوركا، وجائزة مدينة إشبيلية، والجائزة الوطنية للقصيدة الشعرية في عام 1995، إضافة إلى ترشيحه في عام 1999 لنيل جائزة ثربانتس، وهي أكبر جائزة تمنح للآداب الإسبانية. وقد عبر في بداية حديثه عن شكره لكل من ساهم في منحه فرصة الزيارة الأولى إلى دمشق التي عاش فضولاً كبيراً لمعرفتها، وهو الأندلسي المولود في غرناطة.

ثم أضاف: سأتحدث في بداية محاضرتي عما يعنيه الشعر بالنسبة لي، ومن ثم سأقرأ بعض قصائدي، وأخيراً سأترك المجال لإمكانية إقامة حوار بيننا.

 عندما أُسأل عن الشعر، اعتدت أن أجيب في الفترة الأخيرة: الشعر هو أحد الطرق التي أرفع بها يدي كي أحدد وقتاً معيناً لنفسي. ففي عالم متسارع لا نملك الوقت للتفكير في الأشياء التي نحبها، يأتي الشعر ليدافع عن وقت التفكير في أشياء ذات قيمة.

إن علينا أن نخصص وقتاً للتفكير فيما نقول، وألا نعمل على تكرار أقوال غيرنا كالببغاوات، معتقدين أننا نقول أشياء أصلية.

الشعر عندي شيء أخلاقي يفكر فيه الشخص ويتحدث عنه، وهو لاعب أساسي في ميدان الثقافة.

الشعر هو التفكير في التقاليد، لأن الإنسان بذلك يتعرف على ثقافات مختلفة ويتخذ موقفاً معيناً من تلك الثقافات.

أنا على سبيل المثال ولدت في غرناطة، أرض الشاعر لوركا الذي علمني أن اعترافي بنفسي معناه اعترافي بمدينتي وتاريخي، علمني كيف أفكر في المستقبل.

من أكبر أخطاء الثقافة المعاصرة رفضها للتقاليد، أنا أرى أن الشيء العظيم في الشاعر يكمن في اعترافه بالشعراء الكبار الذين سبقوه وبجهودهم المبذولة.

مثلاً عندما أكتب شعراً عن الحب، فأنا أتناول موضوعاً كلاسيكياً، ومع ذلك أعلم أن أجدادي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين عاشوا حياة حب مختلفة عن تلك التي أعيشها مع زوجتي. إذا أردت أن أضيف إلى موضوع الحب، علي التفكير في المستقبل، علي أن أحدث التقاليد.

أبناء جيلي من الشعراء الإسبان قربوا الشعر من الواقع، واقتربوا من مشاكل الناس، فالشعر أداة حوار يجب أن نستفيد منها وأن نؤكدها.

هذا ملخص عن مفهومي للشعر.

بهذه الكلمات ختم مونتيرو الجزء الأول من محاضرته، ومن ثم بدأ إلقاء بعض قصائده المختارة -كما قال- من عدة كتب ليطلعنا على طرق وأساليب مختلفة.

كانت البداية مع قصيدة (بعد سنوات خمس)، التي قدم لها الشاعر بحديثه عن مدينة إسبانية تحتضن تمثالاً لعبد الرحمن الداخل، كتبت عليه أبيات شعرية تتحدث عن النخيل الذي يشعر بالغربة بعيداً عن أرضه. ومن ثم ربط الأمر بتجربته الشخصية في وضع بعض شجيرات نخيل في بيته.

ثم كنا مع قصيدة (الحب)، وهي من كتاب للشاعر عن الحب، إذ قام بتأليف معجم لإعادة تعريف الكلمات الكبيرة المستخدمة في حالة الحب. ويطرح في القصيدة فكرة أن الكلمات كالسفن تبدأ في الحياة ثم تغرق.

أما القصيدة الثالثة (أغنية مرة)، من كتاب (وردة البرد)، المنشور في عام 1991، فتتحدث عن وحدة المدن الكبيرة، وللقصيدة مكانة خاصة عند الشاعر، نقتطف منها:

سيحطمون قلبك
وفجأة
ينطفئ الضوء،
الممرات مظلمة،
والباب يغرس ضجيجه في الظهر.
سيحطمون قلبك.
ويجر سلسلة مظلمة من العواطف المتجمدة،
هذا البرد الذي يمكن إخفاؤه فقط خلف كلمة.

آخر ما تلاه الشاعر كان قصيدة ( اعترافات)، التي تتناول - كما قال- فكرة مفادها أنه عندما يقع الشخص في الحب يرى حياته امتداداً طبيعياً لالتقائه بالشخص الذي يحب.

بعد ذلك طرح الحضور مجموعة من الأسئلة، تناول بعضها مفهوم الشعر الملتزم عند مونتيرو، الذي أجاب أنه يرى أن الضمير الإنساني لا ينفصل عن أي عمل خلاق، ومن يقم بإعادة الابتكار فعليه أن يعطي رأيه في الواقع، وكل قصيدة هي عمل ملتزم.

وفي جوابه على سؤال آخر، قال: لا أسمح لنفسي بأن أكون متشائماً، قصائدي تدعم الفرح، والشعر برأيي يمكن أن يساعدنا على الشعور بالسعادة لما نملكه فقط لا لما نريد أن نملكه.

* لويس غارثيا مونتيرو، بالفعل كما قدمه مدير معهد ثربانتس: واحد من أكبر الشعراء في إسبانيا. وكما رأيناه واستمعنا إليه، في قصائده كما في شخصه نبل وشجن ورغبة في حياة أكثر عمقاً ودفئاً.

* النور