إشكالية الترجمة في الشعر: ترجمة أم خلق جديد

عبادة تقلا قرأها 7
  

شغلتني قضية الترجمة في السنوات الأخيرة، وتجرأت على الخوض في الكثير من ميادينها متجنباً الاقتراب من ترجمة النصوص الشعرية، مكتفياً بمتعة تذوقها بلغتها الأم.

ولقد لفت انتباهي قبل أيام عنوان محاضرة في المعهد الثقافي الإسباني في دمشق  تتناول إشكالية الترجمة في الشعر، وتطرح التساؤل التالي: هل هي ترجمة أم خلق جديد؟

ألقى المحاضرة الدكتور عبدالفتاح عوض، المستشار الثقافي في السفارة المصرية في إسبانيا، ومدير المعهد المصري للدراسات الإسلامية هناك، والحاصل على درجة الدكتوراة في الدراسات اللغوية الإسبانية من كلية الفلسفة والآداب في الجامعة المستقلة في مدريد عن رسالته: (مانويل ماتشادو: دراسة الشعرية في علم الألسنية). كما يُعدُّ الدكتور عوض واحداً من أكبر المتأسبنين (نسبة إلى إسبانيا) في العالم العربي، كما جاء في تقديم مدير معهد ثربانتس له.

يمكننا أن نقسم تناولنا لمحاضرة الدكتور عوض إلى جانبين، يتعلق الأول منهما بالترجمة عموماً، والثاني بترجمة الشعر خصوصاً.

*    أشار الدكتور عوض في بداية حديثه إلى أن هناك دراسات تنظيرية محضة تتناول الترجمة طارحة التساؤل التالي: هل الترجمة علم أم فن؟ ثم عرَّف الترجمة بأنها فعل إبداعي يعتمد على نقل عمل بين لغتين، وهي خطاب مهم وجسر تواصل بين ثقافات الشعوب، لأن النصوص المترجمة سرعان ما تتحول إلى جزء من ثقافة البلد.

لذلك يجب على الترجمة أن تعكس المعنى بوضوح، وتنقل روح النص الأصلي وأسلوبه بسلاسة وبعد عن التصنع، وتولد استجابة واحدة في اللغتين الأصلية والفرعية.

أما بالنسبة لأوَّليات الترجمة، فيأتي الاتساق السياقي سبَّاقاً على الاتساق المفرداتي، بمعنى أن الموضوع في المقام الأول، كما أن المقابل المعنوي مقدَّم على المقابل الشكلي. كذلك فإن الترجمات التي تلبي رغبة جمهور كبير لها الأوَّلية على الترجمات الأدبية الرصينة، دون إغفال الحاجة إلى الترجمات الأدبية.

أما مشاكل الترجمة فتبدأ مع مشكلة المعجم التي تواجهنا عند البحث عن المعنى اللغوي لمفردة ما لمعرفة إن كان هو المعنى الذي يخدم ترجمتنا، وهل المكافئ اللغوي لهذه المفردة متعدد أم منته؟ تذكرت هنا ما قاله الراحل ممدوح عدوان في برنامج ( طيب الكلام): (يُخرج الشاعر الكلمة من القاموس، ويعيدها المترجم إليه).

ثم تأتينا مشاكل النصوص: هل النص المترجم هو نص صحفي أم إخباري أم طبي أم أدبي؟ وهنا تكون الخطورة الحقيقية مع النص الأدبي، لأن لكل لغة خصوصيتها ودقائقها التي لا يعرفها إلا الكاتب بهذه اللغة، ومن الممكن أن يفقد النص شخصيته بسبب الترجمة.

ينتقل الدكتور عوض عند إثارة هذه النقطة إلى الحديث في موضوع ترجمة الشعر، ويرى أن المترجم هو الشريك الأول للنص الشعري، وأن العلاقة هنا علاقة بين مُرسِلٍ ومُتَلَقٍّ. فالقصيدة هي المرسل والمتلقي الأول هو المترجم. وعملية ترجمة الشعر هي الأصعب لأن تذوق قصيدة ما واستيعابها جيداً قد يتيسران، ومع ذلك يبقى المترجم عاجزاً عن إخراج القصيدة لفظاً لأنه امتلك القدرة وغاب عنه الأداء.

ورأى المحاضر أن النص الأصلي نص متفرد لأنه صدر عن مبدع، وأن المترجم يحاول قدر الإمكان الوصول إلى مرتبة المبدع الأصلي. وهنا أعطى مثالاً عن ترجمة أحمد رامي لرباعيات الخيام، إذ تعلم رامي الفارسية بقصد ترجمة الرباعيات، بمعنى آخر كي يكون المتذوق الأول لهذا العمل الشعري. وجاء النص المترجم ليفوق النص الأصلي، وهنا نبَّه المحاضر إلى أن الترجمة الجيدة لنص ما تُعلي من أسهم النص الأصلي.

ثم عرف الترجمة الجيدة استناداً إلى قول أحدهم بأنها الترجمة التي تفي بالغرض في اللغة الجديدة كما كانت في اللغة الأصل، فالعملية تشبه الرسم، إذ ينتقي الرسام من المنظر أفضل ما يبدو له، وكذلك المترجم يلتقط روح النص لا معناه الحرفي.

أكد المحاضر أن هناك شعراء من الصعب ترجمتهم، إما بسبب لغتهم أو المواضيع التي يتناولونها, وأن الشاعر نفسه قد توجد عنده قصائد سهلة الترجمة وأخرى صعبة. إضافة إلى وجود تفاصيل صغيرة ومؤثرة جداً في الترجمة مثل علامات الترقيم التي تختلف من لغة إلى أخرى وتحمل دلالات مختلفة في الشعر. أما الوزن الشعري فيصعب نقله ما لم تتشابه اللغتان.

*    ما لفت نظري في نهاية محاضرة الدكتور عوض هو حديثه عن المدرسة الإسبانية للترجمة والعاملين فيها، إذ بين أن إسبانيا تعد من أوائل الدول التي تترجم ما يصدر عن لغات أخرى وفي الأسبوع ذاته. كما نبَّه إلى أن الشعر الإسباني لم يأخذ حقه من الترجمات العربية. ثم ألقى بعضاًمن القصائد التي ترجمها عن الإسبانية مختتماً محاضرته.