الفيلم الفرنسي "مقاعد الأوركسترا": مقاعد الحياة تتسع للجميع

عبادة تقلا قرأها 460
 

الفيلم الفرنسي "مقاعد الأوركسترا":

مقاعد الحياة تتسع للجميع

بقلم: عبادة تقلا

مع كل إعادة عرض جديدة له في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق، يحقق فيلم (مقاعد الأوركسترا) الحضور الطيب ذاته الذي رافق خروجه إلى النور في فرنسا.

يبدأ الفيلم مع جيسيكا، الفتاة الريفية الشابة التي تتلقى نصيحة جدتها بالخروج من ذلك المكان الذي يصيبها بالإحباط، والانطلاق إلى باريس في رحلة بحث لا عن العمل في حد ذاته بل عن قيمة ما في الحياة.

بعد بحث طويل تحظى جيسيكا بفرصة العمل نادلة في مقهى المسارح المواجه لصالة عرض وصالة لبيع التحف، لتبدأ رويداً رويداً انخراطها في عوالم شخصيات الفيلم الأساسية ابتداء بجامع التحف العجوز، جاك، الذي يقرر بيع مجموعة تحف أمضى عمره في جمعها مبرراً قراره بالقول: إن مجموعة التحف شبيهة بالحياة، تموت عندما يتوقف قلبها.

بعد ذلك تلتقي جيسيكا مع كاثرين، الممثلة التلفزيونية الشهيرة والمفضلة عند جيسيكا وجدَّتها، والتي تستعد لأداء دورها الأول في مسرحية هزلية، وفي أعماقها حلم بشهرة كبيرة على الشاشة، و بأداء دور الكاتبة سيمون دو بوفوار.
أما جين، عازف البيانو الكلاسيكي المحتفى به أينما حل، فيبدو أسير ملل قاتل من حياته، حالماً بعزف موسيقاه في الغابات حيث لا أحد يفهم الموسيقا، نافراً من تلك الشهرة مما يجعله يقول لجيسيكا في أول لقاء بينهما: (إذا أردتِ التخلي عن عملك كخادمة فسيتفهم الجميع، أما عازف البيانو فلا يستطيع).

نموذج آخر تمثله كلودي، المرأة التي أمضت حياتها برفقة الفنانين بعد أن أدركت أنها لا تملك موهبة الفنانة، وتستعد الآن لتقاعد هادىء.

تتنقل جيسيكا بين عوالم تلك الشخصيات، تتأمل مرة منحوتة القبلة المصنوعة من الحجر الرملي، فتقول لجاك: (تجعلك تشتهي الغرام.)، بينما يعيش جاك أزمة مع ولده الذي يعلم في السوربون، إذ يقول جاك له مبرراً علاقته بالشابة الجميلة فاليري: في عمرك تبني بيتاً، أما أنا فأشتريه.

أما كاثرين فتناضل لإقناع مخرج أمريكي جاء لانتقاء ممثلة تصلح لأداء دور سيمون دو بوفوار، مرددة أمامه: سيمون لا عمر لها وأنا مثلها يمكنني أن أكون في أي عمر تريده. ومع أنني أتقاضى مئتي ألف يورو عن كل حلقة إلا أنني مستعدة للتمثيل معك مجاناً.

في ليلة السابع عشر من آذار يستعد الجميع للأحداث الفنية الثلاثة: المسرحية والحفل الموسيقي والمزاد العلني، لنكون أمام مونتاج متواز موفق للأحداث جميعها.
يعاني جين عدم ارتياح وهو يعزف، فيبدأ بخلع كل ما فوق قميصه الداخلي، حتى يصل إلى حالة تألق مدهشة بينما زوجته تتابعه والكاميرا ترصد حوارهما الصامت ببراعة . ومع ذلك التألق غير المسبوق يضطر جين للهرب من الجمهور الذي يطارده. أما كاثرين فتقدم أداء كوميدياً عالي المستوى يجعل المخرج السينمائي يقول لها: أعطيتني مقاربة جديدة للموضوع، ولن أصور الفيلم بدونك فأنت سيمون بالنسبة إلي.

أما العجوز جاك فيتراجع في آخر لحظة عن بيع منحوتة القبلة.

بعيداً عن كل تلك الأحداث نتابع جيسيكا جالسة مع عشيقها، ابن جاك، في المقهى الذي تعمل فيه، وكأني بها اهتدت إلى مقعدها في الحياة.

لعلّ أهم إشراقات فيلم مقاعد الأوركسترا هي الممثلة البلجيكية المولد سيسيل دو فرانس التي أدت دور جيسيكا بتألق لافت عبر حسها العفوي المدهش و ضحكتها الساحرة، لتشكل وعداً طيباً للسينما الفرنسية.

إضافة إلى الإخراج الناعم والكاميرا الحساسة، والتناغم الواضح بين ممثلين ينتمون إلى أجيال مختلفة نجحت المخرجة دانييل تومسون في اختيارهم وإدارتهم. أما سيناريو العمل الذي كتبته المخرجة بالتعاون مع ابنها كريستوفر الذي أدى دور ابن جامع التحف، فيؤخذ عليه نهايته الشبيهة بنهايات الأفلام الهوليودية إذ إن جميع الشخصيات تتصالح مع أوضاعها وتحل مشاكلها دفعة واحدة.
بقي أن نشير إلى أن الفيلم أهدي إلى الممثلة الكبيرة سوزان فلون التي لعبت دور جدة جيسيكا، وتوفيت عن عمر يناهز سبعة وثمانين عاماً بعد أن استمرت في العطاء حتى آخر لحظاتها مقدمة ثمانية أفلام في غضون خمس سنوات.