ياصـلاح دهني .. إنك أصيل

باسم عبدو قرأها 7
  

ergrgerg33333333333399999999999ro57.JPG

صديقي الأستاذ صلاح!

في عدد (النور) الصادر بتاريخ 12/9/2007 كتبتَ رداً على مقالتي في العدد السابق والتي جاءت تحت عنوان (الخبز والمسرح). وقد لا تدرك مقدار سروري بهذا الرد لأنني شعرت أن آخر لقاء بيننا - وكان منذ سنوات - كأنه كان البارحة. وكأننا بمقالتك هذه نستأنف حديثاً قطعناه البارحة. وكأنني أرى صديقي العتيق - ومن معاني العتيق القوي - على حماسته وأصالته في الدفاع عن إنسانية الإنسان وعن الشعوب وهي تسعى تحت الشمس لتحصيل لقمتها وكرامتها. وتخيلتك كما كنت دائماً، تمتلك القدرة على تمييز الخطأ من الصواب في حصافة وذكاء تجلِّيا في كل ما كتبتَه من قبل في شؤون الثقافة والسينما. وزاد من سروري أنني مازلت عندك الصديقَ الحميم الذي تحاول أن تسدِّد له أخطاءه إن وقع في بعض منها، وأن تجنِّبه الزلل في الرأي والقول. ولا أجد صداقة أقوى من هذه الرغبة في تسديد الرأي بغية الابتعاد عن مجانبة الصواب.

أتراني نسيت محاورتك في الرد عليَّ وأخذت في الهمس لك بمكنون قلب لم يحفظ لك طوال هذه السنوات إلا الحب العميم والاحترام العميق؟  وهل تراني جريدةُ (النـُّور) قد حوَّلت المقالة التي يجب أن تكون عامة إلى حديث أبثه إليك لعلّي أردم هوة الابتعاد الذي اقترفته بحقك حين قصَّرت عن اللقاء بك؟ ليعذرْني المسؤولون عن النور. وليسمحوا لي بهذه النجوى لصديقي العتيق. و(الجميل) من معاني كلمة العتيق.

وأنا معك في كل ما ذكرته عن الشعوب التي لا علاقة لها بظلم حكوماتها المستغلة. وأنا معك في الإنجازات الحضارية التي قدمتها شعوب الغرب إلى العرب. وأنا معك في أننا يجب أن نتخلص من تخلفنا بالنهل من مجمل العلم والأدب والفن من تلك البلاد. لكن اسمح لي أن أخالفك الرأي - وأنا على حذر شديد من مخالفة رجل عُرِف عنه الرويةُ والحنكة وصواب الرأي - في وصف تلك الشعوب بأنها عظيمة، لأني مازلت أعتقد أن العظمة تعني الدفاع عن إنسانية الإنسان. واسمح لي أيضاً بأن أصف تلك الشعوب وشعبنا العربي معها بأنها شعوب مسكينة خرج زمامُ أمرها من يدها منذ الهزيع الأخير من القرن العشرين حتى اليوم. واسمح لي أن أذكِّرك ببعض الوقائع لعلك توافقني على رأيي. هل تذكر يوم مرت طائرة رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس في أجواء سورية فخرج الطلاب والموظفون والعمال في مظاهرة احتجاج سقطت بعدها الوزارة؟ ألم يكن سبب هذه المظاهرات الحاشدة أن عدنان مندريس كان عرّاب حلف بغداد الاستعماري؟ وهل تذكر أيام العدوان الثلاثي على مصر كيف عصف الوطن العربي بالاحتجاجات والمظاهرات، وكيف قام عمال سورية بقطع خطوط النفط القادم من العراق إلى الغرب؟

لا شك أنك تذكر ذلك بوضوح. فقد كنا أنا وأنت في بداية المراهقة وأول الشباب. ولعلك مثلي خرجت مع المتظاهرين وهتفت مع الهاتفين.

وبالمقابل أسألك: من أين طارت الطائرات التي هاجمت العراق؟ ومن أين انطلقت القوات البرية بكامل عتادها لتحتل أرض الرافدين؟ وأسألك: ماذا فعل العرب أمام هذا الحدث الجلل؟ لقد خرجت مظاهرة خجول هنا واحتشد بضع عشرات هناك. أما بقية الشعب العربي فظلّ مهتماً بسعر برميل النفط لأنه يؤمن له سيارات الكابريس والطعام من مطعم مكسيم وغيره في باريس وغيرها من المدن. أما الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام الماضي وانتصار المقاومة الإسلامية العظيم فأنت تعرف جيداً كيف دارى أكثرُ العرب فرحَهم بهذا النصر لأن بعض حكوماتهم كانت تتمنى الهزيمة للمقاومة.

أنا لا أحكم على الشعب العربي بأنه شعب غير عظيم. بل كان عظيماً وسوف يأتي اليوم الذي يثبت فيه أنه شعب عظيم. أما اليوم فهو شعب مسكين يطأطئ رأسه تحت نير الظلم والقهر. بل ويخشى من المطالبة بلقمة عيشه كما يخشى من إظهار فرحه بنصر لم يعرف مثلَه منذ إنشاء الكيان الصهيوني. فإذا كنا نحب هذا الشعب - وأنت ممن يحب هذا الشعب - فلنصرخْ في وجهه بما هو عليه. وإذا كانت صرختنا هذه الأيام تذهب أدراج الرياح فلعلها تجد أذناً مصغية في قادم الأيام.

وأذكِّرك بثورة الطلاب في فرنسا عام 1968، وبالمظاهرات الحاشدة التي خرجت في أمريكا انتقاداً لحرب فيتنام فقوبلت من السلطات الحاكمة بالضرب والسجن في صور ماتزال التلفزيونات تعرضها في الحين بعد الحين. فلما جاء الهجوم على العراق قامت مظاهرات في مختلف البلدان الغربية. لكنها لا تُقاس بحجم المظاهرات السابقة علماً بأنه كان من الواجب أن تكون أكبر لأن أوجاع فيتنام مايزال الأمريكيون يئنون منها. وإذن فإن الشعوب الغربية مسكينة قبل أن تكون عظيمة. حتى ديموقراطيتها التي تتغنى بها أثبتت أنها صارت زائفة باعترافهم دون أن يملكوا القدرة على استعادة الديمقراطية بشكلها الصحيح الذي بذلوا من أجله دماءهم عبر عدد من الأجيال.

فإذا جئنا إلى ميادين الفن والفكر والأدب فلا شك أن السفر إلى بلدان الغرب والاتصال المباشر بهذه الميادين مفيد ويعطي صورة أقرب إلى الحقيقة. لكن ليس كل من سافر يحق له أن يحتكر المعرفة بما ينتجه الغرب، خاصة أن الزيارة الخاطفة أو الطويلة قد تخدع صاحبها. فإذا أضفنا إلى ذلك أمراً بالغ الأهمية هو أن التلاقح الثقافي عبر تاريخ البشرية تم عن طريق الترجمة وتناقل الأخبار وأدى دوره الفعال في تمازج الثقافات دون أن تحتاج هذه المثاقفة إلى العيش في مختلف بلدان الحضارات القديمة. واليوم لم تعد المعايشة المباشرة ضرورية كثيراً بعد انتشار وسائل الاتصال الحديثة التي تؤدي إليك أخبار العالم وأنت جالس في ركن بيتك. والمهم في هذا الاطلاع أن يميز المتابع بين ما هو جوهري في تطور الفن والفكر والأدب وبين ما هو عرضي حتى لا يصاب بالانبهار المؤدي إلى العمى. ولعلك توافقني على أن مشاهداً منبهراً بما يرى ويعايش لن يكون صائب الرأي أمام من يتابع ويتمعَّن فيما يتابع. وهنا دعنا نسترجع يا صديقي العتيق - ومن معاني العتيق الأصيل - التياراتِ الفكرية والأدبية التي انتشرت في الغرب حتى منتصف القرن العشرين وتركت آثارها البليغة علينا حين نقلناها بالترجمة والمتابعة. وهل ننسى الماركسية والوجودية والفرويدية وغيرها من الفلسفات التي اطلعنا عليها عن طريق وسائل اتصال هي بالتأكيد أقل بكثير من وسائل الاتصال اليوم؟ وهل ننسى التيارات المسرحية التي غيرت من مسارنا الفني لأنها جاءت نتيجة ظهور أعلام في المسرح كان همهم الأول الدفاع عن إنسانية الإنسان؟ ولذلك ذكرت في مقالتي عن (الخبز والمسرح) ناظم حكمت وبابلو نيرودا ولوركا وآرثر ميلر وتينيسي ويليامز، الذين تركوا أثراً طيباً في الفن العربي. أما اليوم فلم يعد يَرِد إلينا مثل هذه التيارات الإنسانية لأنها لم تعد موجودة، أو لأن صياغتها الفنية ليست بالدرجة القوية التي تقدر معها على التأثير علينا وعلى غيرنا من الشعوب. وهل تنسى تيارات السينما الإيطالية والفرنسية في منتصف القرن العشرين حتى أوائل سبعينياته وكيف تركت فينا أثراً ما نزال نتحدث عنه؟

أما أهم تيار مسرحي وصل إلينا وساهمنا فيه فهو (المسرح التجريبي الحديث) الذي كان ترجمة فنية عن عجز الإنسان المعاصر في كل أنحاء الدنيا وعن عزلته وهو يقع تحت ظلم الاستغلال والنهب والاستعمار سواء انتمى الإنسان إلى دول ناهبة أم دول منهوبة. وهذا يؤكد أن شعوب الأرض اليوم مسكينة تقف عاجزة عن طغيان الرأسمال الذي وصل إلى أقصى درجات التوحش بحيث يقتل أهل بلده قبل أن يقتل أهل البلدان الأخرى.

هذه الأفكار أضعها بين يديك يا صديقي العتيق - والشموخ من خصائص العتيق - لعلي أستكمل بها نقصاً في مقالتي السابقة. أو لعلي أدعوك إلى حوار جديد ننقله من حديقة الحديث بيني وبينك إلى فسحة الحديث مع قراء جريدة النور. فإن ما يجري على الساحة الفكرية والفنية والأدبية في بلدنا وفي بلدان العالم يستحق أن نقف عنده بكثير من التروي. فلعلنا نستبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض ونحن نرى تخبط البشرية وعجزها ويأسها فيما وصلت إليه تحت ظل العولمة.

وبهذا الحوار الذي أدعو إليه قد يستبين لي صحةُ ما تقول وخطأُ ما أقول أو العكس. وقد يغتني كل منا بآراء الآخرين، وفي ذلك نفع لنا جميعاً.

وفي النهاية أود أن أزجي إليك الشكر كله لأنك أرجعتني إلى الحوار معك.

إقرأ في "جماليا"

مقال صلاح دهني – لا نفرح بتخلّفنا

مقال فرحان بلبل - الخبز والمسرح