الخبز والمسرح

فرحان بلبل قرأها 5
  

awetgw4t4tgwtgw4tgw4tgaesee.JPG (أعطني خبزاً ومسرحاً أعطِك شعباً عظيماً).

جملة يكثر تردادها في المحافل المسرحية حتى صارت مملّة وممسوحة المعنى. وهي فوق هذا تعطي فكرة غير صحيحة وتضر بنا إن عملنا على تقييم عملنا الثقافي على أساسها.

وتعالوا نقف عند معناها أولاً.

إنها تعني أن الكفاية الاجتماعية للناس مع التثقيف المناسب تخلق الشعوب العظيمة.

لكن أحداث القرن الماضي وبداية أحداث هذا القرن أثبتت خطأ هذا المعنى. ففي الكثير من الدول الغنية تتوفر الكفاية الاجتماعية بشكل من الأشكال. وفي أكثر هذه الدول مسرح متطور أصبح جزءاً من حياتهم الثقافية. بل يمكن القول إن المسرح في أكثر بلدان العالم اليوم صار نوعاً من التباهي الفكري. فالفلاسفة العظام والمفكرون الكبار مثلاً- إن وجدوا عند شعب من الشعوب - لا يحسّ بهم ولا يقدر قيمتهم إلا نخبة قليلة من المثقفين. ومع أنهم هم الذين يعطون الشعوب قيمتها الحضارية فإنهم في عصر التلفزيون لا يكونون نجوماً ولا يتصدرون الشاشات والتوجيه. لأن أبطال الفكر المعاصر هم نجوم الدعايات وأصحاب الغناء المثير الذين يجمعون الآلاف من الناس ويجعلونهم يصرخون صراخاً بهيمياً يُفقِدهم حتى إنسانيتهم. وإن كانت هذا الدول ذات المسرح المتطور من منظومة الغرب الظالم الناهب، صار مسرحها مقياساً نتغنى به نحن العرب ونتعلم منه ونقيس أعمالنا عليه. بل ويصل بنا الإعجاب به إلى حد تقليده تقليداً أعمى في كثير من الأحيان حتى لو خرجت أعمالنا غريبة عنا بسبب تقليدنا الأعمى ذاك. وبذلك تحول المظلومون المنهوبون في القرن الماضي وهذا القرن إلى معجبين بناهبيهم وقتلتهم. ولا يقل لي أحد إن التثاقف الحضاري لا شأن له بالحكومات المستعمرة الناهبة القاتلة. فلم تكن الثقافة في يوم من الأيام عند هذه الحكومات إلا طريقة ووسيلة لإقناع المظلومين بقبول ظلم الظالمين. وقد آن لنا أن ندرك ذلك لعلنا نغربل ما نتثقف به.

فإذا جئنا إلى شعوب هذه الدول ذات المسرح المتطور الذي نقلّده ونخسر شخصيتنا المحلية أمامه لوجدناها شعوباً غير عظيمة. قد تكون هذه الشعوب متقدمة في حقول العلم والاختراعات والتقنيات. لكن هذا التقدم يعني التطور العلمي. وهذا شيء والعظمة شيء آخر. فالعظمة تعني الدفاع عن إنسانية الإنسان وعن العدالة وعن الحق والخير والجمال، وهي الأهداف الثلاثة الكبرى التي لا يكون الفن والأدب عظيمين إذا لم يتصديا للدفاع عنها. وحين تدافع الشعوب عن الحق والخير والجمال تكون عظيمة. والشعوب المتقدمة في فن المسرح اليوم ليست شعوباً عظيمة. إنها تتقن مهنة المسرح كما تتقن مهنة الدعارة والقتل. وزاد إتقانها حين ابتكرت لخشبة المسرح تقنيات في الإضاءة والديكور وبقية ما يبهر العين. لكنها تفقد عظمتها بسرعة فائقة لأنها لم تضع فنها في خدمة الحق والخير والجمال. ولأن هذه الشعوب تقتل الشعوب الأخرى وتظلمها حتى تظل مسيطرة على ثروات الكرة الأرضية فإنها اليوم من دون نتاج فكري وفني عظيم. إنها اليوم دون حضارة وإن كانت متقدمة في ميدان العلوم المدنية. ولذلك فقد صارت اليوم من دون مبدعين في مجال الفنون الإنسانية. إنها خالية من المسرحيين الكبار والرسامين الكبار والشعراء الكبار والروائيين الكبار والفلاسفة الكبار. والنصف الأول من القرن العشرين الذي أنجب بابلو نيرودا وناظم حكمت وبيكاسو وجان بول سارتر وروجيه غارودي وتينيسي ويليامز وآرثر ميلر إنما استطاع أن يقدم نتاج هؤلاء إلى البشرية لأن هؤلاء وأمثالهم غنَّوْا لسعادة البشرية ودافعوا عن المظلومين فيها فدمغوا ظلم بلدانهم بميسم الإدانة ودفعوا المظلومين إلى الدفاع عن أنفسهم. فلما انقرض هذا الجيل من المدافعين عن العدالة وعن الحق والخير والجمال أصبح العالم الغربي من دون مبدعين. وما تراه اليوم من نشاطات ثقافية وفنية عندهم ليس أكثر من ترداد فارغ المضمون لأعمال قديمة.

وإذن، فليس صحيحاً تلك المقولة عن الشعب العظيم بالخبز والمسرح. والصحيح أن الخبز والهدف الإنساني النبيل للشعب العظيم يخلقان المسرح والفن والفكر والأدب. ودليلنا هو ما ذكرناه عن تلك الشعوب التي تأكل الخبز الحرام فلا تعرف إلا المسرح والفن الفقيرين. وما أفقر الأمة حين يكون مالها كثيراً وشعبها غير عظيم. ولعلنا بعد هذا نضع لأنفسنا في المسرح مقولة جديدة هي (أعطني خبزاً وأهدافاً عظيمة أعطِك مسرحاً عظيماً).