فواز الساجر والمسرح السوري (تحليل وذكريات) (4 من 4)
فرحان بلبل
لقد وقفت في الحلقة الماضية من هذا البحث عن فواز الساجر عند الجانب الأخلاقي الرفيع الذي كان أساس التعامل بينه وبين الناس كما كان أساس التعامل بيني وبينه مما أقام علاقة وثيقة بيننا.
ومحصلة هذه العلاقة هي الرغبة في العلم والتعلُّم. فكلانا نَهِمٌ إلى العلم. وكلانا يعلم أن الفن ثقافة متجددة تقف وراء العلم الفني وتُنمّيه وتسنده. وكلانا كريمٌ بعلمه على الآخرين ومتواضعٌ أمام علم الآخرين. وآه ثم آه على المسرحيين السوريين الذين لا يدركون لذة التعلُّم والاستفادة من علم الآخرين. وآه ثم آه من أصدقائي في المسرح وزملائي في هذه المهنة الشرسة حين يظنون أنهم ملكوا العلم كله فليسوا بحاجة إلى التعلم من أحد.
ومما آسف له في حياتي المسرحية العملية التي مضى منها أربعون عاماً أني لم أستطع أن أقيم مثل هذه العلاقة العلمية مع أحد غير فواز. ومع أني مازلت أتعلم من الآخرين، فإني لا أجرؤ على وضع خبرتي وما حصّلته من معرفة في شؤون المسرح أمام أحد. فإن الغرور والاستكبار عن التعلم والتأبّي عن استكمال المعرفة هي التي تحكم أكثر الأوساط المسرحية.
ومن هنا تقلُّ استفادة الجيل الجديد من الجيل القديم، وتقلُّ قدرةُ الجيل القديم على تطوير نفسه لأنه لا يصغي بانتباه ولهفة إلى الجيل الجديد. ولا أردُّ ذلك إلى قاعدة أن الجيل القديم أحسن من الجيل الجديد وأن ما مضى أفضل من الوقت الحالي، بل أرده إلى تمزُّقِ حياتنا الاجتماعية بسبب أوضاعنا الاقتصادية وتردّي أوضاعنا العربية التي تخلق حالةً من الضياع الفردي الذي يشبه الضياع الاجتماعي.
وفاءُ فواز لي جعله يدافع أشد الدفاع عن العروض المسرحية التي كنت أقدمها. فإذا ضمَّنا مجلس بعد تقديم العرض، كان يُبيِّن لي نقاطَ الضعف في العرض بقسوة لا ترحم. ومن ذلك أننا حين عرضنا مسرحية (القرى تصعد إلى القمر) في المهرجان المسرحي العمالي، احتشدت الصالة بجمع غفير من الجمهور ومن المخرجين والممثلين والمثقفين والأدباء. فقال أحد المخرجين لفواز: لماذا هذا الحشد لعرض مخرجٍ لم يدخل الأكاديمية؟ فقال له فواز: (قدِّمْ عرضاً برُبع جمال هذا العرض وسوف أعتبرك أعظم المخرجين). وبعد انتهاء العرض هاجمني بقسوة.
بعد سنوات كنت في زيارة لموسكو مع وفد رسمي لاتحاد الكتاب العرب. وكان فواز يتابع الدراسة في موسكو يومذاك. وقد علم بعضُ المسرحيين السوفييت بوجودي هناك وطلبوا من فواز أن يعرِّفهم بي. فدعانا فواز إلى بيته في سهرة عامرة. وفي أثناء السهرة حدثهم فواز بالروسية حديثاً لم يترجمه لي. وفجأة أخذ يغني مع زوجته الأغنية التي كانت في مطلع عرض (القرى تصعد إلى القمر). وعلمت منه أنه حدثهم عن تلك المسرحية وعن إخراجي لها. وغنى لهم المطلع تأكيداً لرأيه.
لكن لهذه العلاقة الحميمة بالصداقة الفذة وجهاً آخر هو الشحناء الفنية بيننا.
لقد كنت مفتوناً بقدرته على بناء (الدور المسرحي) عند الممثل. وكان من أبرز ميزاته البحثُ في تفاصيل الدور وتبيان مدلول كل فعل يقوم به الممثل. يضاف إلى ذلك ما تحدثنا به من قبل عن ضبطه المذهل لإيقاع العرض وتلاحم أجزائه وسيره الحثيث في خط واضح مستقيم نحو النهاية. والحق أن فواز الساجر أستاذٌ كبير في بناء العرض المسرحي المترابط المتماسك المشوِّق. وسوف يكون جواد الأسدي مثله في هذا الضبط الصارم لأجزاء العرض المسرحي، بحيث تتحول هذه الأجزاء إلى وحدة كاملة متناسقة. وإذا كان فواز وجواد ينتميان إلى مدرسة واحدة في الإخراج المسرحي، فقد كان علي عقلة عرسان ينتمي إلى مدرسة أخرى أكثر تقليدية منهما. لكنه كان مثلهما في ضبط العرض المسرحي. وهذا يعني أن قاعدة (ضبط العرض المسرحي) هي الأصل في هذا الفن كائناً ما كانت المدرسة التي ينتمي إليها المخرج. وهو القاعدة الذهبية التي يجب أن يكون مخرجو وممثلو اليوم أشد تمسكاً بها لأنهم ورثوها عمن سبقهم قويةً متينةً مهَّدها لهم مخرجون كبار كان منهم هؤلاء الذين ذكرنا بعضهم.
لكني كنت آخذ على فواز (إسرافه) في زيادة الأفعال. فالحالة التي يريد أن يرسمها في المشهد أو في الموقف يأتي الممثلُ منها بعشرة أفعال مثلاً، في حين يمكن اقتصار هذه الأفعال إلى أربعة أو خمسة تؤدي الغاية المقصودة. وكان هذا الخلاف بيننا مثارَ حرب ظلت مشتعلة حتى عرضه الأخير (سكان الكهف). وكان يتَّهمني بأنني أقلِّلُ من الأفعال بحيث آتي بأربعة أو خمسة منها للتعبير عن الحالة أو الموقف في حين يقتضي الأمر عشرة أو أكثر. وكانت حجته أن (المشهد البصري) الجميل الناضج المكتمل هو روحُ المسرحة التي تنفخ في كلام الكاتب الحياة وتمهِّد للمخرج أن يكون له هدفُه الأعلى الخاصُّ به المتميزُ البليغ. وكانت حجتي في أسلوبي أن زيادة الأفعال تضييعٌ للزمن المسرحي وإقلالٌ من الاعتماد على عقل المتفرج وقدرته على الفهم، وأن الجمهور العربي وريثُ القاعدة البلاغية القديمة التي تقول (البلاغة الإيجاز)، وأن الجمهور العربي عكسُ ما يقول المثقفون عنه من أنه قاصر عن إدراك المعروض أمامه بسرعة و(فلهوية)، وأن المثل الشائع (كلمتان أحسن من جريدة وسخة) هو الترجمة الشعبية الدقيقة لقاعدة: (البلاغة الإيجاز). وكنت أقول له إن أسلوبك يُرضي نخبة المثقفين، وأتحداه أن ينتقل به إلى الجمهور العريض، وإن أسلوبي يرضي بعض النخبة المثقفة الواعية التي تربّت على الفلسفة والمنطق قبل أن تتربى على فنون الثقافة كما تُرضي الجمهور العريض. وكان دليلي على زيادة الأفعال عنده مما يوصلها إلى (الفذلكة) ما فعله في إخراجه الأول لمسرحية (رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة). فقد أعطى دور الراوي للممثل القدير زيناتي قدسية. وخاف من أسلوب الراوي القديم بأن يقف أمام المتفرجين ويلقي الكلام دون كثير أفعال. فركَّب له في المسرح جنازير من الحديد على شكل سلاسل يتأرجح عليها الممثل. وكان رأيي أن زيناتي بصوته المعبر وأدائه المتميز قادر على أن يفتن الجمهور أكثر مما يفتنه بأراجيحه التي تشغل فكره عن متابعة الكلام الذي يجب أن يصل مضمونه كاملاً إلى المتفرج. وهذا ما حصل في العرض الثاني لتلك المسرحية.
أعترف أنني كنت أستفيد وأتعلم من فواز أسلوبَه الحيَّ المثير في ابتكارِ الأفعال الغريبة بقدر ما صار يلجم من اندفاعه في الإسراف في الأفعال. وأعترف أيضاً أن مفهوم (المشهد البصري) المتكامل الجميل الذي يشغل العين بقدر ما يشغل الذهن كان فوازٌ الرجلَ الذي روَّض آفاقه في المسرح السوري. وتلاه في ترويضه جواد الأسدي وعددٌ آخر من المخرجين الذين ساروا على النهج نفسه. وقد ظل هذا الأسلوب يتطور في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين حتى استلمه خريجو المعهد العالي للفنون المسرحية ومن رافقهم من اختصاصيي الإضاءة والسينوغرافيا حتى وصل اليوم إلى ما نعرفه عن عروض المسرح السوري الفاتنة في جماليات المشهد البصري المكتملة المحبوكة في قبضة واحدة من التكامل بين أجزاء العرض المسرحي. وإذا كان هذا الأسلوب اليوم يبدو أقلَّ قامة من عروض الأمس فلأنه يحتاج إلى عمق في المضمون الفكري والإنساني. وهو الأمر الذي اهتم به فواز الساجر وأقرانُه من مخرجي تلك المرحلة. وأعتقد اعتقاداً جازماً أن مخرجي اليوم سوف يقدمون عروضاً أجمل وأقوى إذا اهتموا بالمضمون الفكري والإنساني في عروضهم المسرحية. وعند ذلك يكونون الورثةَ الكبارَ لمخرجين كبار.
* * *
إن روح الصداقة والوفاء التي منحها فواز الساجر لأصدقائه تستدعينا أن نقف عندها قليلاً، لأني أرى العلاقات التي تنشأ اليوم بين أدباء الأجيال الجديدة وفنانيها ومثقفيها تنـزلق في أكثرها إلى المجاملات ويقلُّ فيها الوفاء أو الصفاء الشخصي أو روحُ الصداقة، بل وتمتلئ بالخيانات الصغيرة حتى شاعت في الأوساط الثقافية والفنية كلمةٌ طريفة لا أحد يرى فيها ضيراً أو غضاضةً أو مدعاةً للعتاب أو اللوم وهي (فلان طقّ لفلان برغي). والمقصود أنه أساء إليه في غيابه أو اقتنص فرصةَ عمل كانت لصديقه أو حرمه من فرصة عمل لا يستفيد هو منها. وذلك خلل في حياتنا الثقافية.
صحيح أن التنافس والحسد والبغضاء و(طقّ البراغي) داءٌ قديم قدمَ الإبداع في كل زمان ومكان. لكن الصحيح أيضاً أنه كان هناك دائماً، وفي كل زمان ومكان، صداقاتٌ حقيقية بين أصحاب الإبداع بحيث كانت تشكل شرفَ مهنة الإبداع والثقافة. وهذه الصداقات تتوارثها الأجيال ضمن أخبار كل عصر. ومن أمثال ذلك أن ابن المقفع وشى به أحدُ أصدقائه و(طقَّ له برغياً) لدى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور فقتله. وكان سببُ القتل إبداعياً محضاً. فقد كتب ابن المقفع - بناء على طلب الخليفة نفسه - رسالةً (والرسالة هنا تعني كتاباً صغيراً) بعنوان (رسالة الصحابة). و(الصحابة) هنا تعني أصحابَ السلطان وبطانتَه ورجالَ دولته. وفيها يضع الكاتب العبقري أسساً لدولة عصرية جديدة. فاستغل الصديق الرسالة واتهم كاتبها بأنه يضع فيها أسساً لثورةٍ على الخليفة. وكانت نتيجة طق البرغي هذا أن تدحرج رأسُ ابن المقفع. لكن ابن المقفع هذا علم مرة أن جاره يريد أن يبيع بيته، فحمل إليه ثمنَ البيت وقال له: (إن كنتَ تبيع بيتك عن حاجةٍ فما حفظتُ لك حق الجوار).
هذه الصداقات العميقة بين أوساط المثقفين والفنانين والأدباء وما رافقها من حساسيات وتنافسات والتواءات في العلاقات، كانت موجودة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين في بلدنا. لكن حجم الصدق في تلك الصداقات كان أكبر مما هي عليه اليوم. وكانت الحساسيات المتنافسة أكرمَ وأنظفَ وأقلَّ مما وصلت إليه اليوم. ولا يظنَّنَّ أحد أني أقول هذا منطلقاً من قاعدة سخيفة مفادها: (رحم اللـه الأمس فإنه أحسن من اليوم). فهذه القاعدة يتشدَّق بها الكهولُ والعجائز دائماً حين يفقدون القدرةَ على التفاهم مع الأجيال الجديدة، وحين يرون هذه الأجيال أقدرَ منهم على التعامل الجديد مع الحياة الجديدة. بل أنطلق من قاعدة اجتماعية فكرية تقول إنه كلما ساءت الأوضاع الاقتصادية، تردَّت الأوضاع الاجتماعية وتردَّت معها العلاقاتُ الإنسانية. وهذا ما يحدث اليوم. فإن صعوبات الحياة وقسوة تحصيل لقمة العيش تحوِّلان الناس بالتدريج إلى نوعٍ شرسٍ من الوحوش يردد كلمة (إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب). ولأن تحصيل لقمة العيش اليوم أصعب بكثير مما كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين سنة، فقد لعبت القوانينُ الاقتصادية والاجتماعية لعبتها الخطيرة الحتمية، ورمت بين الناس التنافسَ والبغضاءَ واقتناصَ الفرص غيرَ الكريم. ولا لوم عليهم ولا تثريب. فهكذا برأ اللـه الكون ووضع له قواعده الصارمة التي لا يمكن الخلاص من وجهها القاسي إلا بتحويلها من قوانين ظالمة إلى قوانين عادلة. فالظلم ليس من (شيم النفوس) كما يقول المتنبي بل هو النتيجة المنطقية لقواعد المجتمعات وقوانين الاقتصاد.
رحم الله فواز الساجر الصديق والفنان وأستاذ المسرح في سورية.