ذكرنا في آخر الحلقة السابقة من هذا البحث أن أسلوب فواز الساجر في الإخراج قام على زيادة كمية الأفعال وغرابتها وغرائبيتها. وهو أسلوب ترك آثاره السلبية على المسرح السوري كما ترك آثاره الإيجابية. فقد كثر المقلدون له دون فهم لهذا الأسلوب.
يضاف إلى ذلك أن منهج بريخت كان قد أخذ يتسلل إلى المسرح السوري منذ بداية سبعينيات القرن العشرين وركبه فواز باستحياء أولاً وبقوة بعد ذلك. لكن الذين يدركون خصائصه وغاياته كما كان يدركها فواز كانوا قلة أيضاً. ولم تمض الأعوام الأولى من عقد سبعينات القرن العشرين حتى كانت (البريختية) تتوغل في المسرح السوري. وكان التطبيق الفظُّ الجاهل لها أشبهَ بثور هائج يدوس الزرع في حقل هذا المسرح. فإذا وقع الممثل على الأرض اعتُبِر ذلك (تغريباً). وإذا أخطأ في الحركة أو القول نُسِب ذلك إلى التغريب. وإذا أدار ظهره إلى الجمهور مما لا تميل إليه الأساليب القديمة ضجَّ الكثيرون به على أنه تغريبٌ وتحريضٌ على التغيير. وكان هذا الفهم القاصر لمنهج بريخت بتطبيقاته القاصرة وبالاً على المنهج نفسه كما كان وبالاً على المسرح السوري. إذ اختلطت فيه المفاهيم وغامت له المصطلحات. وانجرف النقدُ المسرحي وراء مجموعة الأغاليط والجهالات السائدة. لكن فواز الساجر كان واحداً ممن حفظوا لهذا المنهج نصاعتَه وقوةَ تأثيره. وكان معه مخرجون قليلون فهموا المنهج على أصوله واستفادوا منه كلٌّ حسب غاياته وكلٌّ حسب أسلوبه.
ورغم استفادتي من منهج بريخت ومحاولة تمثله ووضعه في تضاعيف عروضي المسرحية التي كانت في بداياتها يومذاك، فقد كان بيني وبين فواز حرب ضروس أخرى حول منهج بريخت والاستفادة منه وطريقة تطبيقه. وسوف يأتي الحديث عن ذلك في موضعه أيضاً.
إن ما ذكرته من ضلالات في المسرح السوري في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين - رغم كثرتها - لا يذهب بقيمة هذا المسرح في هذين العقدين المدهشين. فالمعروف اليوم أنهما يشكلان (مرحلة الازدهار) في المسرح السوري كما سبق أن ذكرنا ذلك في كثير مما كتبناه عن المسرح السوري. وكانا أيضاً مرحلة ازدهار في المسرح العربي الذي كان يسير في العديد من الأقطار العربية على الأسس ذاتها التي سار عليها المسرح السوري، وليس هذا أمراً غريباً. ففي كل عصرٍ توهَّج فيه الأدبُ أو الفن كانت توجد تطبيقاتٌ ضعيفة لأسس ذاك التوهج. وهل ننسى أنه كان إلى جانب المتنبي وأبي فراس الحمداني وغيرهما من أعلام الشعر في ذلك العصر كثيرٌ من الشعراء الضعاف؟ لكن وجود الضعاف لا ينفي وجود الكبار. والعصر الذي ينتسب إليه الكبار يُنسَب إليهم ولا يُنسَب إلى الضعاف. ففي هذين العقدين عرفنا في الشعر، مثلاً، عدداً من أعلامه السوريين والعرب. نذكر منهم علي الجندي وفايز خضور وخالد محيي الدين البرادعي وعلي كنعان ونزيه أبو عفش وفايز خضور وممدوح عدوان وممدوح السكاف وعبد الكريم الناعم وأحمد يوسف داود ومصطفى خضر ومحمد عمران وعدد آخر قليل ممن فاتني ذكرهم ولم يفتني احترامهم. لكن الساحة الشعرية في هذين العقدين الشهيرين كانت ممتلئة بأضعاف أضعاف هذه الأسماء. ونحن ننسب الشعر ونقيّمه ونستخلص خصائصَه من شعر هؤلاء الكبار الذين ذكرنا بعضهم، ولا ننسبه ونقيِّمه ونستخلص خصائصَه من شعر الكثرة الكاثرة الضعيفة.
وأنا أذكر ذلك وأذكِّر به حتى نعرف كيف ندرس ونتفهّم ونقيّم مسرحنا السوري الذي خطَّ درباً جديدة منذ بداية عقد تسعينيات القرن العشرين. وهي درب تخالف وتتمرد على مواضعات وخصائص المسرح السوري الذي كان قبلها، بقدر ما تستفيد منه وتنفذ إلى إنجازاته وتتضمن خصائصه. لكن هذه الدرب الجديدة يركبها الكثيرون. وبين هؤلاء قلةٌ أدركت الخصائص الجديدة للمسرح السوري وركبتها وشكّلت منها مرحلة جديدة تحاول أن تكون شيئاً مهماً. كما أن بينهم كثرة اختطفت من خصائصه السطحيَّ والهامشي. فكان حالهم كحال من (يخطف الكُبّاية من راس الماعون) على حد تعبير المثل الدمشقي الشهير. تماماً كما كان الحال في عقدي سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين في المسرح وفي الشعر وفي الرواية وغيرها من فنون الأدب والفن.
وهذا يعني أن نتريّث في تقييم المسرح السوري المعاصر، وأن ندرك جوهره وأن ننفذ إلى الأعمال الإبداعية فيه متخلّصين من التغني بقديم المسرح السوري، حتى لا نقع في فخ احترامِ القديم لأنه قديم، واستهجانِ الجديد لأنه جديد. فمسرح تسعينيات القرن العشرين وليدُ المرحلة التي سبقته وابنُها الشرعي المدهش والثائرُ المتمرد عليها. فإذا أنكرناه - وأنا أرى وأقرأ إنكارَه كل يوم على صفحات الصحف والمجلات وفي الندوات - فكأننا ننكر أنفسنا وأولادَنا لسبب واحد هو أنهم ليسوا مثلنا وليسوا على مزاجنا، ولا يلبون رغباتنا الجمالية التي تربّينا عليها، دون أن ندرك أن ما كنا عليه صار بائداً، وأن الجماليات التي كانت في عصرنا صار الكثيرُ منها مضحكاً، وأن تمسكنا بها يعني أننا لا نرى حركة الحياة ونتجاهل تطورها، وأن تجاهلنا لها لا يعني فقط أننا توقفنا، بل يعني أيضاً أننا خرجنا منها أيضاً. وسوف تستمر الحياة كما تريد هي لا كما نريد نحن.
ونعود إلى عرض (نكون أو لا نكون) فهو أول عرض قدمه فواز في دمشق. وبه تابع المسرحُ الجامعي صعودَه الذي كان قد بدأ قبل سنوات طويلة، وساهم فيه عدد كبير من المخرجين منهم نائلة الأطرش وحسن عويتي وغيرهما، وساهم فيه بعد ذلك توفيق المؤذن ومحمود خضور وغيرهما. وحقق المسرح الجامعي بهذا العرض وبتلك العروض التي قدمها هؤلاء المخرجون مكانةً رفيعةً انتهت فجأة في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وانحدر لينحدر بعدها إلى هوة سحيقة ما يزال يتردى في قاعها. وأعجب كيف يسكت اتحاد الطلبة عنها؟!
ولقد حضرت بعض تدريبات (نكون أو لا نكون) كما حضرت بعض عروضه. وكان ذلك تمتيناً للصداقة التي ستربط بيني وبين فواز. وهي صداقة تقوم على عنصرين:
أولهما الوفاء والصدق والمحبة التي لا تبغي منفعة. وثانيهما شحناةٌ كبيرةٌ وخلافٌ في الرأي المسرحي ظلّ مرافقاً لهذه الصداقة حتى وفاته. وهذه الشحناء الخلافية كانت من عجائب الأمور بيني وبين فواز. فأنا وهو ننتمي إلى جيل المسرحيين الذين وُصِفوا بأنهم (تقدميون) رغم أنني أكبر منه في السن بعشر سنوات. وكلانا كان يعتبر المسرح أداة تحريض على التغيير الاجتماعي والسياسي. وكلانا حاول الاستفادة من منهج بريخت لا لأنه أسلوب فني فحسب، بل لأنه موقف فكري وفلسفي من الحياة. وهذا الموقف الفني الفكري كان يلقى الهجومَ بقدر ما يلقى من التأييد. وكان أسلوباً مجدداً في المسرح السوري سيصل بفواز إلى المسرح التجريبي بعد سنوات، ويصل بي إلى أسلوبي الإخراجي منذ عام 1973 الذي ينصبُّ في تيار التجريب المسرحي المجدد. ومع ذلك فقد كنا نختلف في كثير من التفاصيل وحول كثير من المفاهيم المسرحية. لكن ذلك لم يذهب بالمحبة والصدق والوفاء. وسوف أقف عند هذين الأمرين معاً: الصدق والمحبة والوفاء أولاً، والخلاف والشحناء ثانياً لنرى كيف خلق هذان الجانبان علاقةً مثمرة تركت أثرها على أعمالنا معاً.
وفواز ابن أسرة كريمة هي أقرب إلى البداوة في مفاهيمها الأخلاقية. وربّاه أهله تربية صارمة على الشرف والأمانة والصدق والوفاء. ومع أنه تمرد على جانبها المحافظ، فإنه حافظ حتى نهاية عمره على الشرف وما يتبعه من الأمانة والصدق. وقد تعرض فواز في عمره القصير إلى العديد من (المؤامرات) والخيانات والتسفيه الشخصي والفني. لكنه لم يخرج أبداً عن وقار الحوار إلى إسفاف الثرثرة. ولم يندفع في ردِّ الهجوم عن نفسه إلى الوسائل غير الشريفة. صحيح أنه كان عصبياً. لكن العصبية هذه تجلت في حركات يديه القلقة وفي توتره الدائم في أعصابه لا في كلامه أو آرائه. فكان يمسح شعره أو يعيد ترتيب خصلة الشعر المتدلية على جبينه باستمرار، أو كان يمسح شاربيه بحركة ترتجف معها يده ارتجافة صغيرة خفية أو ظاهرة. فإذا تناول كأساً ليشرب أو قلماً ليكتب، كان في تناوله نوع من الهدوء المرتجف إن صح التعبير. والحالة الوحيدة التي كان يخرج فيها عن حدود الأدب في الكلام إلى الشتيمة كانت في أثناء التدريبات على إحدى المسرحيات. وأذكر أنني حضرت بعض تدريباته على مسرحية (رسول من قرية تميرا). وكان يوجه ملاحظاته إلى الممثلين الذين لم يستوعبوا ما يقوله بسرعة. فطلب من صباح ضميراوي وفيلدا سمور أن تخرجا من القاعة. فلما خرجتا انهال على الممثلين بالشتائم القبيحة كأنه كان يفرِّج عن نفسه غضبه الفني. لكن هذه الشتائم بدت عند الممثلين أحلى من السُّكَّر. فكانوا يضحكون كلما زاد من نبرة الشتيمة مهما كانت قبيحة. ذلك أنها لم تتجاوز الأوصاف الشخصية والبراءة. ووجدت نفسي أضحك معهم من القلب. فلما انتهى من الشتائم أرسل وراء الفتاتين ليتابعا التدريب.
هذا الجانب الأخلاقي الرفيع عند فواز كان أساس التعامل الشخصي بيني وبينه. وتجلى هذا الجانب في صدق العلاقة بيننا من ناحية، وفي دفاع كل منا عن الآخر. فإنه يحق لك أن تتكلم أمامي عن فن فواز ما شئتَ هجوماً وتسفيهاً واعتراضاً. وسوف أنبري للدفاع عن فنه بما يقابل هجومك واعتراضك. لكني لا أسمح لك أن تتعرض لشخصه بغير الاحترام والتقدير. فإذا ذكرتَ عنه تصرفاً ينبو عن الكرامة أو الوقار أو يدخل في باب الدسائس، فسوف أنقضُّ عليك مكذِّباً لما تذكره من وقائع تعتبرها صحيحة وأعتبرها افتراء وإن كنتَ أقربَ الناس إليَّ وأدعاهم إلى صدقك عندي. وكان يفعل معك بشأني بمثل هذا التصرف. فلك أن تسفِّه عملي المسرحي ما شاء لك التسفيه أو العداوة أو الخلاف الفني. ولا يطلب منك إلا أن تستند في تسفيهك واعتراضك على أسس فنية وفكرية. فإذا انتقلتَ إلى الكلام الشخصي غير الكريم، فسوف ينقضُّ عليك فواز بشراسة قد تصل إلى حد طردك من مجلسه.
وحدث مرة أنه سمع عن لساني كلاماً سيئاً عنه. ويبدو أنه صدَّق الكلام لأنه كان مدعوماً بالحجة والبرهان. فأخذ على خاطره مني غضباً خفياً وبرودةً في المودة. ولم أعرف أنه متضايق مني إلا عندما سافرت إلى دمشق لأحضر عرض (رحلة حنظلة) في مسرح القباني. فاستقبلني بجفاء مؤدب. سألته: ما الحكاية؟ فأخبرني أنه سمع عني ما لا يليق بحقه. وقبل أن يتابع الحديث عما وصله من كلام، قاطعته وقلت له: (اسمع يا فواز. لو جاءك أحد بشريط كاسيت مسجل بصوتي أهاجمك فيه أو أنتقص من قدرك، وجب عليك أن تقول إنه شريط كاذب. بمثل هذا التصرف يجب أن تعاملني لأني أعاملك بمثله). وأدرت ظهري وخرجت من المسرح غاضباً منه. لحق بي إلى الشارع محاولاً أن يسترضيني. لكني لم أرد عليه. وسافرت إلى حمص مع أن عادتنا أن نسهر قليلاً بعد العرض أو حين نلتقي. وإذا به بعد يومين يأتي إلى حمص لمدة ساعتين لكي يعتذر مني عن خطئه الذي ارتكبه معي. وبقينا على هذه الحال من الثقة المتبادلة حتى وفاته. ولم أعرف حتى الآن ما سمع عني في حقه وأغضبه لأني لم أسأله عنه ولم يذكره لي.
هذا التوادُّ والتراحم والصفاء بيننا أوصلنا إلى حالة فريدة في العلاقات الشخصية والفنية. فأنا أعرف نقاط قوته ونقاط ضعفه. وهو أشد مني معرفة بنقاط قوتي ونقاط ضعفي. وكنا نتحدث عن هذه النقاط بوضوح وصراحة كما نتناول شؤون المسرح عامة. فكنت أقف منه موقف التلميذ من أستاذه في بعض اللحظات. ويقف مني موقف التلميذ من أستاذه أيضاً في لحظات أخرى. وكان أعضاء فرقة المسرح العمالي الحاضرين لجلساتنا تلك أو بعضُ الأصدقاء من غيرهم يعجبون العجب كله من هذا التبادل للأدوار بيني وبينه. فإذا تذكَّرنا أنه أصغر مني بعشر سنوات، صار العجب أكبر إن وقف مني موقف الأستاذ، وصار العجب أدعى إلى الدهشة إن وقفتُ منه موقف التلميذ. وإذا تذكرنا أنه كان معتداً بنفسه، صار العجب أكبر حين يقف مني موقف التلميذ.