وجهات نظر في العلمانية
وجهات نظر في العلمانية
باسم عبدو
صدر عن دار (نون 4) في حلب كتاب جديد بعنوان (العلمانية ـ وجهات نظر) لثلاثة باحثين هم (الدكتور يوسف سلامة، والدكتور ماهر الشريف، والأستاذ عطية مسوح.
قدم الدكتور يوسف سلامة وجهة نظره تحت عنوان (المتطلبات الأساسية للعلمانية)، وكتب عطية مسوح مقالتين بعنوان (العلمانية والواقع العربي /دفاعاً عن العلمانية)، أما الدكتور ماهر الشريف فجاءت مقالته تحت عنوان (تجديد الخطاب الديني أم إحياء خطاب (العلمانية المؤمنة؟)).
الباحثون الثلاثة لهم وجهات نظر متقاربة، وهم يعملون في حقل التجديد في الخطاب السياسي والفكري، وصدرت لهم مؤلفات في الفكر الماركسي والفلسفة والفكر الديني.
يرى سلامة أن الناس حتى أولئك الذين يحملون الأيديولوجيات الدينية يؤمنون بنتائج العلم، وأن الجميع يقرّون بنتائجه، ويطلق ماهر الشريف على هؤلاء (العلمانيون المؤمنون أو العلمانية المؤمنة).
هناك فرق واضح بين الإيمان بنتائج العلم وبين أن أكون علمانياً، فالمؤمن المتحرر من عقدة النصوص التي لا يمكن مناقشتها، لا يعني أنه يؤمن بفصل الدين عن الدولة، وإنما هو على درجة أعلى أو قريبة من العلمانية.
إن الأولية لمثل هؤلاء (المؤمنين الجدد) أو الذين شقوا هذا الطريق في مطلع القرن العشرين، هي الدين أولاً، حتى وإن كان هذا (الداعية) عالم ذرة، وإذا آمن بالعلم ونتائجه، فقد يُصاب بالجنون حينما يقرأ أن أول شرط من شروط العلمانية هو (فصل الدين عن الدولة). وكل التيارات الدينية السلفية والأصولية، وإلى حد ما مَنْ يطلقون على أنفسهم (المعتدلين) يوجهون حرابهم الاتهامية إلى العلمانية ويسمونها (العلمانية الملحدة) و(العلمانيون الملحدون) الذين ينزعون الدين من أرواح المؤمنين، بحجة أن مصدر العلمانية (أوربا الحرة). ومن هنا لم يخرج المتنورون الذين أضاؤوا شمعة التحرر في ليل العالم العربي الغارق بوحل الانكشارية من بيوتهم وفي دوائر ضيقة، وظلت أراؤهم أسيرة حجراتهم ودفاترهم، وبقيت في مهدها، غير قادرة على السير في شوارع المدن العربية. ويتصور الكثير من العلمانيين أنهم قادرون على إحياء رماد النهضة بعد قرن من دفنها في رمال الأنظمة العربية القمعية التي تدمّر خيال كل من يطالب بإلغاء (دين الدولة ـ الإسلام) من الدستور، في زمن بالمقياس الحضاري أكثر غلسية من زمن الانكشارية.
ولا يختلف أي ديمقراطي وتقدمي مع الباحثين حول أركان العلمانية (العقل والعقلانية والحرية والديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان). ولكن أن يكون هناك (علمانية مؤمنة) فهذا مصطلح غير موضوعي، ولا يشكل تياراً بذاته، ويمكن أن يطلق على مجموعات صغيرة متناثرة هنا وهناك، أو على أفراد يكونون في الظاهر غير ما هم عليه في الباطن.
فعالم الفيزياء أو الرياضيات المؤمن لم يك قادراً على حماية عقله وصيانة تفكيره، ولا يقبل بمناقشته، وأن مجمل التجارب في المنطقة وما فيها من إيجابية وسلبية، قامت على سواعد المفكرين الماركسيين والقوميين والعلمانيين، أثبتت أنها تجارب محدودة لا يمكن تعميمها، بخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، وما جرى بعد أيلول 2001، وهيمنة القطب الواحد، وانهيار التجربة الاشتراكية، فحدثت اهتزازات وبراكين فجرت العالم العربي والإسلامي، وطغت الأيديولوجيات الأصولية، وترعرعت في حدائق الأنظمة الشمولية ومتنزّهاتها.
وقد صرح الزعيم التركي نجم الدين أربكان، الذي كانت القيود القانونية تضطره في النظام العلماني الكمالي إلى التنازل التكتيكي مقابل الحفاظ على السياسة الاستراتيجية، إلى رفع شعار (بناء النظام العادل والعودة بالبلاد إلى عصر المجد والازدهار). وعندما تزايد النقد للأحزاب الإسلامية التي تعبر عن هويتها الإسلامية، وتعارضها مع الأحزاب العلمانية. بدأت تنتشر ظاهرة جديدة، فغيرت أحزاب إسلامية أسماءها (مثل أحزاب العدالة والتنمية في تركيا وإندونيسيا وماليزيا وموريتانيا والعراق.. وغيرها).
إن تقديم إجابة جاهزة عن السؤال حول جاهزية المجتمعات العربية لقبول العلمانية أو عدم جاهزيتها، هي إجابة غير دقيقة. ومن يقل إن التجارب (عطية مسوح) بيّنت أن شعار (الدين لله والوطن للجميع) هو شعار علماني، لا يعنِ تماماً صدقيته. فقد جاء هذا الشعار في مرحلة كانت بحاجة إلى العمل الوطني ضد الاستعمار والدعوة إلى توحيد طاقات الشعب وتحقيق التآلف بين الأديان والإثنيات أو بين فسيفساء المجتمع. ولم يدعُ هذا الشعار أو من أطلقه لفصل الدين عن الدولة! إنه شعار (تطميني) للمتدينين والمؤمنين من جهة، وللعلمانيين من جهة أخرى، وذلك لتحييد الدين، وتخفيف حدة الصراع بين الطوائف والمذاهب، وإبقاء (المصالحة الحذرة) في المجتمع خوفاً من شروخ تبدأ ولا تنتهي.
أرى أن كل حزب يتجاوز الطائفية هو حزب علماني، بشرط أن يُعلن في برنامجه (فصل الدين عن الدولة)، وأن يربط العلمانية بالديمقراطية وحق المواطنة للجميع، وصيانة كرامة المواطن وحريته، وأن ينبذ الأحزاب الطائفية التي تعتمد على الديمقراطية التوفيقية. وهذا ما يؤكده عطية إذ يقول: (لا يجوز لأكثرية دينية أو مذهبية أو قومية أن تفرض أفكارها وأغراضها على المجتمع).
ويشطح عطية مسوح في آرائه (الليبرالية)، بمعنى آخر يريد إحداث قفزات لتجاوز العقلية الحزبية الاستبدادية التي انتهت وتلاشت منذ زمن، والتي كرّست ديكتاتورية الفرد في الحزب الشيوعي. يقول الباحث مسوح: (أما على صعيد الأحزاب، ولا سيما الأحزاب التي تتبنى العلمانية، فإن أول دور يمكن أن تقوم به هو أن تمارس العلمانية في صفوفها، فتنطلق من رعاية حقوق أعضائها في أن يفكروا بحرية ويعبروا عن آرائهم المختلفة).
إن الرأي الآخر لا يخيف حزبنا، ففي هيئاته تجري مناقشات واسعة وتتباين الآراء، ولكن بهدف الوصول إلى رأي الحزب، وهو الرأي المُعلن في صحافة الحزب. ويمكن العودة إلى وثائق المؤتمر العاشر للحزب (نيسان 2006)، والتجربة الديمقراطية التي تمايز حزبنا عن أحزاب شيوعية وتنظيمات ماركسية كثيرة محلية وعربية وعالمية، أثبتت أن الشيوعيين، وهم علمانيون بطبيعتهم، قادرون أن يتعايشوا ويختلفوا ويحترموا رأي الأقلية، ولكن على الشيوعي الملتزم ألا يعتبر رأيه هو الرأي الصحيح وهو الرأي الذي يجب تعميمه، وإذا كان عطية يرى ذلك فهو (يغامر) في ليبراليته.
ولا يحق لأحد أن يصادر رأي الرفيق عطية، ولكن يحق لأي كان أن يناقش معه مسألة (المنابر) في الحزب الشيوعي، وهذه ظاهرة مدّت رأسها في تسعينيات القرن الماضي ولم تلاقِ القبول والترحيب، وكثيرون دعوا إليها وأصبحوا الآن خارج الحزب، فقد كانت ممراً صعباً، حتى إن بعض الأحزاب الشيوعية الأوربية التي طرحت (الشيوعية الأوربية) في سبعينيات القرن الماضي، فشلت في تحقيق (المنبرية) وانقسمت إلى عدة أحزاب وتنظيمات.
وإذا كانت الديمقراطية السياسية والاجتماعية لم تزهر وتبرعم في المنطقة العربية، فكيف ستتحقق المنبرية؟ كيف يمكن للحزب الواحد أن يكون له عدة برامج سياسية وفكرية؟ وإذا كان هناك من جامع أيديولوجي يجمع أعضاء الحزب الواحد، فتعدد البرامج يفرقهم ويشتت قواهم ويساعد على صناعة (الزمر)، وهذا يخالف العقل الجمعي المنفتح، وغير المغلق.
ويكمل عطية رأيه (وأن تسمح بالتنوع داخلها وترعاه وتحميه من تطاولات هذا المسؤول أو ذاك).
وسأُورد هذا النص من كتاب وثائق المؤتمر العاشر ـ ص 126، جاء تحت عنوان (الحزب): (لقد اكتسب الحزب تجربة تنظيمية واسعة وغنية، ويطبق في حياته الداخلية نهجاً ديمقراطياً يغنيه باستمرار. ويدلل أكثر فأكثر أن الممارسة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر والحوار وتعزيز دور الهيئات يعزز وحدة الحزب ويكسر حلقة الانقسام عند كل منعطف ويصوب مسيرته).
أما عن مبدأ التنوع فالحزب يقرّ بهذا المبدأ: (وهو يرتكز في حياته الداخلية على الإقرار بمبدأ التنوع في إطار الوحدة. وعلى الانتقال في أساليب القيادة من العمل الفردي إلى عمل المؤسسات وترسيخ الديمقراطية في عملها والحفاظ على حقوق الأقلية).
ولا يتسع المجال هنا لمناقشة مقالة الدكتور ماهر الشريف الذي يدعو إلى (تجديد الخطاب الديني وإحياء خطاب العلمانية المؤمنة)، كما يجب. إنه كتاب صغير ولكنه غني بالأفكار، ويحتاج إلى مناقشة أوسع.