الحلم في القصة.. البعد الدلالي والرمزي

باسم عبدو قرأها 7
 

رافق الحلم وعي الإنسان منذ تكوّنه، ولا تموت الأحلام أبداً. فالحلم يواجه أعتى الطغاة والمستهترين بحياة الإنسان وقيمه. وإن كان الحلم جنيناً فهو قادر على المواجهة. وإن تحول الإنسان في زنزانة إلى جثة هامدة غير قادر على مقاومة الجلاد، فالحلم يعيش في داخله، يتجول بحرية في ذاكرته، يستقدم أنصع الصور، يظل يقاوم ويقاوم، متغلغلاً في نسيج روح صاحبه وذاكرته.

كشف أرسطو في منطقه عن لغة الإنسان بما هو عارف، كما كشف فرويد في تفسيره للأحلام عن لغة الإنسان بما هو راغب، أي الوجه الآخر للإنسان. فالحلم لغة اللاشعور، ولكنه أيضاً حوار يقتضي الآخر والعلاقة ذات المعنى، والحلم تحقيق مقنّع لرغبة مكبوتة، السؤال: هل يحقق الحلم الرغبة بالفعل؟

يرى المختصون بسيكولوجيا الإنسان، أن الحلم لا يغني ولا يسمن من جوع. فلماذا إذاً يحلم الإنسان، ويظل يحلم ما دام على قيد الحياة؟

الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يعيش عالمين: عالم الأشياء، وعالم الأفكار. والقصة القصيرة، كعمل إبداعي، ورغم تباين الصور والمهارات الحرفية والمواهب الفنية، ترجع إلى أصل إنساني واحد، هو الخيال والتخييل الذي يعكس جوهر العقل البشري.

وقصة نصر محسن (صعوداً إليها) تبين بوضوح حلم اليقظة. والراوي هو (ضمير المتكلم) وتمتاز القصة بحركتها وتبادل الأدوار. واستطاعت الشخصية أن تمد بصرها على شكل خطوط مستقيمة، ثم تنحني مع البناء لتصل إلى شرفة في الطابق الثالث، وتخيَّل الراوي وجود ستارة شفافة تسمح له برؤية المرأة، وخيوط البصر الممتدة من مكان الوقوف، إلى مكان الحلم (المرأة) هي التي تقوم بالفعل. وبين الجدار الذي يسند الشخصية والستارة الشفافة، مسافة تصل بين الثابت والمتحرك (أعود إلى الجدار، أستند إليه، وأعود لمراقبة الشرفة والشبح المتراقص).

وينتقل القاص من التخييل إلى الواقع المعيش، المحيط بمكان الوقوف، وذلك من خلال (أصوات الباعة التي تملأ المكان ضجيجاً ولغطاً). ويربط بين حركة الناس في الشارع، وبين ظهور المرأة خلف الستارة الشفافة، ويصف مظهرها الخارجي: (ذراعين عاريتين وفستان بلون الزهر). وبين حركة المرأة واهتزاز الجدار، علاقة جسدية ونفسية. واعتمد القاص على الإشارات الدلالية: إشارات المرأة، إشارات الشخصية، الحركة البصرية، إشارات المرور، الإيماءات، وسواها.

التخييل في القصة، هو تخييل انتقالي غير مستقر بمكان. ويعطينا وصف الشارع وحركة الناس والسيارات دليلاً مباشراً، أن المكان في المدينة، أما الفلاش باك والاستقدام بإحضار المختار إلى هذه الأجواء الشفافة فهو دليل آخر يشير إلى أن المكان في القرية.

إن إقحام المختار في القصة، شتت الذهن والرؤية عند المتلقي. وجاء كلفتة قصصية دخيلة، انقطاعية حديثة في السرد، وتشريد ذهني من تيمة إلى تيمة أخرى.

واستخدم القاص في قصته (تبديل المواقع). فالرجل حلّ مكان المرأة في الطابق الثالث. والمرأة نزلت إلى الشارع، واحتلت مكان الرجل/ الشخصية، وأصبحت تشير إليه بدلاً من أن يشير إليها.

وفي قصة (الميسوري) لنجلاء علي، وهي قصة كتبت بعناية فنية لافتة، وتحتاج إلى أكثر من قراءة معرفية ودلالية. تختلف عن القصص الأخرى. فاستخدمت القاصة الرؤية الأسطورية، والعناوين التالية: (نهاية لا بد منها، توسط لا بد منه، بداية لا لبس فيها، توسط بعد توسط، ترسُّل لا مفر منه، الانكشاف). وقد ساعدت هذه العناوين على تفعيل الحدث وتبادل حركة الشخوص وانتقالها بين الأمكنة. والتحول في القصة يبدأ من البداية (جثة الرجل عائمة في اليم، بانتظار شبكة صيد منحوسة). وتنتهي القصة: (شوهد السامري عالقاً في حبال الصيادين) لكنه ينجو من الموت بفعل عشبة الخلود والانبعاث.

أدت الرؤية الأسطورية في القصة إلى ازدواجية جمالية ودلالية، أي أننا بإزاء واقع اجتماعي وطبيعي ونفسي، يتشكل بطريقة جديدة. تستعير القاصة ما هو أسطوري دلالي وكل ما يساعد على خلق حالة أسطورية، يخرج منها عالم جديد، تدعونا إليه القاصة، وأيضاً فإننا نواجه أحداثاً مشحونة بالرمز، ولغة ذات معطيات مزدوجة، وتقنيات تخرج كل هذا في بنية متجادلة ومتوحدة.

تولد بؤرة الفجيعة الأولى في بطن المكان (البحر) ـ جثة الرجل العائمة ـ وتجري أحداث القصة في عالم الميسوري، مرتكزة على ثلاث رؤى: المتصوف وعزلته، والزوجة ووحدتها، والرجل السبعيني الذي يطلب المتعة من ربه.

تتجلى الرؤية الأسطورية في رسم شخصية البطل. فقرب طبيعة الميسوري تزهّد رجل مغمور النسب في صومعة منيعة، اهتم بالأعشاب، امتهن الطب، ترك زوجه وبناته الثلاث، يلتمسن الرزق بكدّهن. وعرف هذا الرجل بالسامري، أو عشيق الليل أو الجان. أما البنات، فالكبرى (فلقة القمر) والوسطى (نجمة السمر) والصغرى (درة الدرر). زرعتهن أعاجيب المصادفات في أروقة قصر الميسوري، الذي ألحقهن مع الأم في خدمة البيت الكبير كالعبيد.

يخضع السامري الزاهد للعبودية أيضاً والابتزاز، يخضع إلى عبودية الميسوري والدرك، ولا يمانع في معالجة الميسوري من السعال، وأمراض سنه المتقدمة. والمشكلة أن هذا الطبيب المشهور لا يقوم بأي فعل مضاد أو حماية لبناته اللواتي اغتصبن. ويكتفي بالسؤال: من فعلها يا فتاة؟ ويأتي الجواب: لا أجرؤ!

عمّقت القاصة نجلاء علي الرؤية الأسطورية في رسم شخصيتي السامري والميسوري، فأعطت السامري عمقاً إنسانياً متناقضاً ومضاداً للشخصية الموازية (الميسوري) وأضفت على السامري صفات إنسانية لا تعتمد الزمان أو المكان، بل أ"لقت رسم الشخصية إلى أقصى أبعادها"، فخلقت منه إنساناً أسطورياً يتسم بكل صفات الشخصيات الأسطورية التي عرفناها في الأساطير القديمة. لكن القاصة أتحفت هذه الرؤية بالمبالغة في توصيف الشخصية، وقدمتها كرمز للتضحية، وحملتها دلالات الخير، وحشدت أيضاً مجموعة من الدلالات الخارجية من عالم الأساطير، إذ صار من الصعب أن نجد مثيلاً لها في الواقع، ولفعتها بثوب صوفي، وجعلته يتخلى عن دمه ولحمه.

وجاءت لغة القصة معبرة عن مكانين: البيت الكبير (بيت الإقطاعي) وفساده، وأعمال أصحابه المنافية للسلوك الإنساني. ومكان التصوف المنعزل بعيداً عن البشر وهذا المكان صنع من شخصية الطبيب الشافي المداوي للآلام من الأعشاب البرية.

وجاءت اللغة متينة، منتقاة بعناية فائقة، منعكسة عن الرؤية الأسطورية، نهضت بالحدث وارتقت به، ولأن مادة الحدث أو مادة القصة أسطورية، وخرافية ودينية وصوفية، فقد تكشفت وارتفعت اللغة إلى فوق المستوى الإشاري.

القصة الثالثة بعنوان (أحلام سلطانية) للقاص نبيل حاتم. فالعنوان محمل بدلالة مباشرة، تكرارية، أي أن الأحلام سلطانية، والشخصية التي تحلم هي شخصية سلطان. وسلطان المقتدى به، هو سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى.

تشير حركة الحدث في القصة، إلى أن رائحة الياسمين، أيقظت الرجل من النوم، فانتقل الحلم من داخل الشخصية، من فضائها الضيق، إلى فضائها الواسع أي (الواقع)، والانتقال من اللاشعور إلى الشعور والإحساس بالموجودات أو الأشياء المحيطة بالشخصية.

وبدأ حلم اليقظة الذي احتل مساحة أوسع، يرصد حالة التماهي بين الشخصية الحالمة (الشخصية اليوتوبية)، والشخصية الواقعية (سلطان باشا). ولم يتعمق القاص بالحدث، ولم يكن السرد الحكائي، ولغة الحكي الفنية بمستوى هذه الشخصية (القدوة)، بل نحا القاص إلى التقريرية وأحياناً إلى الخطابية التقليدية، عندما قال: (أيها المواطنون هو يوم التعبير، يوم الثورة على الاستعمار. أنا لن أحتاج أدهم خنجر لأعلن الثورة، أنتم كلكم أدهم خنجر، وأنا سلطان). يدل هذا الكلام التشبيهي أن الكاتب ابتعد عن الفردية، مقتدياً ببيان قائد الثورة، الذي توجه إلى الشعب السوري. وهو خطاب موازٍ بروحيته وفحواه، ولو أبقى القاص الشخصية تحلم إلى أن تنتهي القصة بمفاجأة ما، لكان أفضل، فالحلم هو حدث داخلي، ينتقل بوساطة المونولوج الداخلي إلى المتلقي، وتتحول صوره ومشاهده، من لغة الإنسان ـ كما قلت قبل قليل ـ بما هو عارف، إلى لغة الإنسان بما هو راغب. والتحليل النفسي في القصة، هو كشف لغوي في حقيقته، تتجسد صورته في صياغة لمعنى الحلم من حيث هو لغة النائم، بما هو نائم، أي بما تحدثه حالة النوم من تعطيل لغة اليقظة، التي تساوي لغة المنطق والمعرفة والعقل.

لقد زجّ القاص فكرة إضافية إقحامية ركيكة، فأدخل (المنامة) كمتمّم للحدث، وهذا الإدخال المضاف كان تشويهياً غريباً عن النسيج القصصي. وإن إدخال هذه التيمة أو هذا اللون في عباءة القصة، كان صناعة متخلفة لحدث كبير متجذر في التاريخ الوطني التحرري. ولم يتعمق القاص كذلك في داخل الشخصية، واكتفى بالتوصيف الشكلي البرّاني.

القصة الرابعة والأخيرة، بعنوان (ما بعد الحلم) للدكتور عدنان رمضان، الذي ركز على الحياة القصيرة للإنسان، ومعناها الدلالي يشير إلى عدم التوازن أو التساوي بين الآمال الزاهية التي يطول عمرها، وبين عمر الإنسان القصير.

وقصة (ما بعد الأحلام) هي أحلام اليقظة، وطموح الإنسان للنجاح والحب. وكأن القاصَّيْن (نبيل وعدنان) اتفقا على اختيار اسم الشخصية (سلطان) الذي يتنكر للأحلام ويعدّها خرافة لا يقبلها العقل، وهذا يتنافى مع الواقع. فالإنسان دون تخييل يتحول إلى جماد غير فاعل، فالحلم أجمل وأزهى ما هو راسخ في ذاكرة الإنسان.

اعتمد القاص على استقدام حياة الطفولة، فهي مرحلة الأحلام الطفولية، يمكن من خلالها أن يشق هذا الحلم طريقه إلى المستقبل لتعويض التراكمات التي سدت منافذ الرؤى، وأرست طبقات القلق، وأبعدت النوم عن سلطان الذي هز رأسه تعباً قائلاً: (ليتكم تكلمتم عن المرافئ والموانئ، عن الملائكة والشياطين، عن شيء أحب سماع أخباره، أما الأحلام فهي بالنسبة لي أكثر من العدم ذاته.. إلخ.

وفي القصة أسئلة ما ورائية، غيبية: ترى هل الموتى يحلمون؟ وبعد الموت هل تبقى الآمال موجودة؟

وفي القصة ارتكز الكاتب على الحوار بين الراوي وأصدقائه، أما النهاية فجاءت مفتوحة على آفاق واسعة، لكن القلق مبعثها الدائم، يرافق الإنسان خوفاً على مصيره ومستقبله، (نظر إلى أولاده النائمين، تمنى لهم أحلاماً تشبه ذلك الحلم الذي سرق نومه إلى الأبد...).

d2bff8dd.JPG