رحل المفكر والمناضل "محمود أمين العالم" عن عمر 87 عاماً بعد إصابته بفيروس الكبد، رحل الرجل السياسي والمثقف الشيوعي الذي أسّس مع نخبة من المثقفين المصريين والعرب منذ منتصف القرن الماضي هذا البناء الشامخ، مكملاً ومتابعاً الطريق الوعرة التي شقّها روّاد التنوير.
لم يكن "العالِمً مفكراً فقط، بل كان ناقداً أدبياً وصحفياً وقائداًَ شيوعياً بارزاً، تعرّض للملاحقة والسجن. ففي عام 1958 عندما كان السادات مسؤولاً في الاتحاد القومي، أرسل إليه سيارته لتنقله من المنزل إلى الهرم، وأبلغه بحكم كونه عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المصري، أن على الحزب أن يحل نفسه اختيارياً، وأن ينضم أعضاؤه إلى الاتحاد القومي باعتباره التنظيم الواحد، وعندما رفض أبو حنفي هذا الطلب، تركه (الرجل المؤمن) يعود إلى منزله في الفجر سيراً على الأقدام، معتذراً بأن سائقه قد نام، قال له: أنت يا (أبو حنفي) بروليتاري وتقدر تمشي! وبعد أسابيع اعتُقل العالم مع مئات الشيوعيين.
وفي أحلك الظروف لم يهادن العالم ولم يتراجع عن مواقفه المبدئية المعبّرة عن سياسة الحزب. يقول: (عندما قامت الوحدة السورية ـ المصرية، كنا مع الوحدة، ولكننا اختلفنا مع عبد الناصر في شكل وأسلوب قيامها مؤكدين خصوصية مصر وسورية، وأن لا بدّ من احترام هذه الخصوصية، فبينما تعتمد مصر في الزراعة على النيل، تعتمد سورية في زراعتها على الأمطار. كما كانت الصناعة المصرية يومئذ متقدمة على نظيرتها السورية التي كانت تعتمد في هذا السياق على ما يسمّى (الشركة الخماسية)، وقلنا لا بد من مراعاة هذه الاختلافات عند إقامة الوحدة بيننا، أي أننا كنا معه في مسألة الوحدة، لكننا اختلفنا حول الآلية، فاعتبرَنا عبد الناصر أعداءً للوحدة، وزجّ بنا في المعتقلات من عام 1959 إلى عام 1964).
حياة مليئة بالورد والشوك، بالعمل وبالبطالة والتشرد والمعتقلات، لرجل حائز على شهادة ليسانس الفلسفة من كلية الآداب ـ جامعة القاهرة عام 1944، المولود في حي الدرب الأحمر بالقاهرة، والحاصل على الماجستير عن (فلسفة المصادفة الموضوعية) في الفيزياء الحديثة، وهو المفصول من الجامعة في آذار عام 1954.
تعدّدت مواهب العالم ومسؤولياته، إذ تنقّل في عدة وظائف، من مدرس في الجامعة، إلى مجلة روز اليوسف، وعمل في جريدة (المصري) ثم في دار التحرير للطبع والنشر. وتولى عدة إدارات في مؤسسة أخبار اليوم، ورئاسة مجلس إدارة مؤسسة المسرح، ليدخل السجن عام 1971 ويقضي في الاعتقال سنة واحدة.
وفي عام 1972 أصبح أستاذاً في جامعة أكسفورد، ثم سافر إلى فرنسا وشغل منصب أستاذ للنقد الأدبي بجامعة باريس الثامنة، وبقي هناك أحد عشر عاماً.
أسس محمود أمين العالم لتيار الواقعية الاشتراكية في النقد الأدبي، وأصدر كتاباً بمشاركة الدكتور عبد العظيم أنيس، بعنوان (في الثقافة المصرية) عام 1955.
ومنذ النصف الثاني من القرن الماضي تابع العالم الإنتاج الروائي لنجيب محفوظ، وقرأ كل أعماله، وكان ناقداً ومحللاً. وعندما صدرت رواية (أولاد حارتنا) ومُنعت من التداول في مرحلة معقدة من تاريخ مصر (مرحلة أزمات الحريات والديمقراطية والقيم وتفشي الانتهازية)، قال العالِم عن الرواية: (إن أولاد حارتنا ليست كما يقال تاريخاً للبشرية، وليست كذلك تاريخاً خاصاً بمصر، إنما هي توكيد للمعنى الإنساني الصرف للأديان، توكيد أن جوهر الدين هو العدالة، هو الأمن والكرامة، هو الحرية والمحبة، هو الخير، هو التقدم الإنساني).
تنقل قلم العالم في عدة اتجاهات وحقول فكرية وشعرية ونقدية وبحثية. ففي كتابه (الإبداع والدلالة) تناول بالمناقشة الغنية، العميقة، ثلاثة مفاهيم هي: (العقلانية في الفكر، والدلالة في الإبداع الأدبي والفني، والخصوصية في الثقافة).
ولم يتوقف عند حدود النقد في هذا البحر الزاخر في أفق الثقافة وأبعادها في مصر والعالم، فأبحر في زورقه بالأعماق، وتنقل في عدة محطات وموانئ. ورغم تعددية نشاطاته (الفكرية والسياسية والأدبية)، فقد صدرت له مجموعة شعرية، يقول حول ذلك: (بدأتُ شاعراً، وما زال الشعر في حياتي، وكثيراً ما رغبتُ أن أكون شاعراً فحسب، وفي بعض الأحيان أجد في الفكر كل شيء، لذا مات الشعر عندي). وفي التراث صدر للعالم كتاب بعنوان (مواقف نقدية من التراث) عام 1997، وقبله في عام 1986، صدر كتاب (الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر).
وفي مقالة للكاتب محمد حلمي عبد الوهاب في جريدة (الحياة) 17/1/2009، جاء فيها: (وعلى رغم ثقل السنين وضراوة النضال السياسي والسجن والاعتقال التي نسجت خيوط هذه الملحمة الإنسانية، إلا أن العالِم ظلّ يطل علينا بوجهه المرح البشوش، يفاجئنا بذاكرة خصبة، تستعيد الماضي البعيد، بكل تفاصيله ووقائعه، وكأنه حدث بالأمس القريب).
وتساءل محمود أمين العالم في إحدى الندوات الثقافية عن الرواية: هل هناك خصوصية للرواية العربية؟
يرى العالم أن الخصوصيات في زمن العولمة، والهويات الثقافية والقومية تكاد تتهمّش لمصلحة القوى الكبرى المهيمنة على ظاهرة العولمة. وأن مصطلح الخصوصية قد يبدو بيّناً بذاته وإن لم يكن مفهوماً مراوغاً متعدد الدلالات. فالخصوصية هي عين الذاتية مفتوحة على الذوات الأخرى من حولها من ناحية، ومتنامية مع حركة الزمن ومتغيرات التاريخ من ناحية أخرى، أي أنها صيرورة أكثر منها كينونة. وعلى هذا فخصوصية الرواية العربية هي تميزّها الإبداعي القومي في ذاتها إزاء بقية الإبداعات الروائية القومية الأخرى.
وهناك تعدد للخصوصية من حيث طبيعتها الإبداعية الذاتية الفردية، كما أن هناك أحادية للخصوصية من حيث طبيعتها القومية الموضوعية. وهذا يتطلب جدلاً بين الذات والموضوع، وجدلاً بين الخاص والعام وبين الأنا والآخر، ويرى أنه دون تحديد هذه الأشكال الثلاثة من جدل العلاقة بين هذه الثنائيات، لن يتاح لنا تحديد معالم خصوصية الرواية العربية تحديداً صحيحاً.
يعود العالِم إلى عصر النهضة، والشعور بالدونية تجاه الآخر الغربي، وظهور الروايات التاريخية أواخر القرن التاسع عشر، وإلى الروايات التي تستلهم الأساطير والحكايات القديمة، وكُتب السحر والرحلات والسير، ليؤكد أن مواجهة الأنا القومية للآخر الغربي لا تتمظهر في هذه العودة إلى التاريخ والتراث فحسب، بل تتخذ أشكالاً من المواجهة ذات الطابع السياسي والنضالي المباشر التي يعبّر عنها العديد من الروايات العربية.
وهناك أنماط أخرى متنوعة من الروايات تجاوزت هذا التعميم، بل هذا التجريد القومي أحياناً لتغوص في الواقع الاجتماعي العربي، بما يضفي على الخصوصية العربية طابعاً عينياً مهما اختلفت وتنوّعت أساليب التعبير والسرد.
ويرى العالِم أن هناك خصوصيات للرواية العربية المعاصرة، سواء من حيث السرد الفني أم الدلالة. وتكاد هذه الخصوصيات على تنوعها التشكيلي والدلالي، أن تكون تعبيراً جمالياً ونقدياً عن تطلعها إلى التحرر من التخلف والقهر والقمع والتسلط، ومن المحاصرة والتغريب والتغييب، من أجل تحقيق ذاتيتها الفردية والاجتماعية والقومية والإنسانية وتنميتها إلى غير حد.
وتباينت الرؤية في اتجاهين متباعدين حول قصيدة النثر بين أحمد عبد المعطي حجازي وعدد من النقاد والكتاب، وتمّ تبادل المقالات والرسائل بينهما. ونشرت هذه المواقف في كتاب بعنوان (قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء) صدر مؤخراً مع مجلة (دبي الثقافية).
وفي مقالة تحت عنوان (الحوار سوف يطول) يشير حجازي إلى رسالة بعثها العالِِم إليه، يعارض فيها موقفه من قصيدة النثر. يقول العالم فيها: (إن قصيدة النثر قد استقر لها اليوم حق المواطنة في الشعر الإنساني المعاصر، وفي شعرنا العربي كذلك، باعتبارها امتداداً وإضافة إبداعية إلى التراث الشعري عامة).
ويرد حجازي على موقف العالِم قائلاً: إذا كان الأستاذ العالم يرى أني لم أجتهد كما يجب في تفهم قصيدة النثر فقد آن الأوان لأطالبه هو والسادة النقاد الذين سمّاهم، ببذل جهود لم يبذلوها حتى الآن في تفهم (قصيدة الوزن) من حيث هي لغة موسيقية، أي في تفهم الدور الذي لعبه الوزن، ولم يكشف عن العلاقة القائمة بين المعاني والأصوات. فالعالم يربط بين إيقاع الشعر العربي وطريقة الحياة في البادية العربية، وهذا ما يحتاج إلى توضيح من قبله، فهو يقول: (إن الإيقاع قيمة بدوية).
وأطلق حجازي النار من رشاشه على عنوان (الشعر والنقاد يردون الرصاص على حجازي)، ومن هؤلاء الأستاذ العالِم الذي قال لمجلة (الأهرام العربي): (إنه يعتقد اعتقاداً راسخاً أن النقلة الحقيقية في الشعر العربي الحديث لا تتمثل في الانتقال من الأوزان الخليلية التقليدية إلى التفعيلة، بل في استخدام الصورة استخداماً جيداً بنائياً، ثم بدأت تجربة التطور في الإيقاع والنغم مع تطور إيقاع الحياة ذاتها، فلسنا في زمن البداوة والتصحّر، حتى نستوحي إيقاعاتنا من الواقع الرتيب لخف الجمل على الرمال).
ويرد العالم على حجازي بلغة حوارية مغلّفة بثقافة نقدية واسعة وإدراك عميق للغة التخاطب بين المفكرين والسياسيين والمبدعين، لغة الحوار واحترام الآراء، ويؤكد أن المستويات الذوقية والجمالية لقصيدة النثر ومعاييرها النقدية والنظرية لم تستقر بعد، لذلك يرى أن الجهد ينبغي أن يتوجه أساساً إلى الاجتهاد في تفهمها واستيعابها نقدياً والمساهمة في تنميتها إبداعياً كفصل جديد في ديوان شعرنا العربي.
لم يتوقف العالِم في دوائر فكرية ونقدية ضيقة، بل قام بنقد وإدانة فكر ما بعد الحداثة، وتعرَّض إلى أفكار المفكر غرامشي ومدرسة فرانكفورت (هابرماس) الفيلسوف الألماني الذي حسب الدكتورة عفاف عبد المعطي يعد من (أبرز المعبرين عن الاتجاه العقلاني ونقد الطابع التقني الوصفي القمعي للعقل في الممارسات الرأسمالية والاشتراكية ومحاولة تنمية البعد الموضوعي الإنساني للعقل من خلال نظرية (العقل التواصلي) التي تجعل من الفلسفة نشاطاً عقلياً حياً فاعلاً مع الواقع الإنساني في مختلف تجلياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والفكرية والثقافية عامة).
لقد مثل العالِم خلال مسيرته الطويلة على كل الجبهات، المفكر الماركسي الملتزم بالقضايا الوطنية والقومية والثورية والإنسانية، وهو المفكر الذي أغنى المكتبة الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي، وسيبقى تراثه زوّادة للأجيال القادمة، وزاداً مخمّراً بالمعرفة، وغذاءً للعقل العربي والفكر التقدمي.