أنياب قائد الفاتح من أيلول..

باسم عبدو قرأها 742

القائد الثوري معمر القذافي الجالس على كرسي الثورة منذ اثنين وأربعين عاماً، وتحت خيمة الثورة المتنقلة معه أينما حلّ وأينما ارتحل، صاحب مشروع (النهر العظيم) الذي بلغت تكلفته آنذاك 25 مليار دولار، تحول إلى أكبر ديكتاتور في العالم، وأسس فروعاً له وأغصاناً أمسكت بالحياة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والرياضية في الصحراء الليبية الممتدة إلى خليج سرت..وتحوَّل القائد الثوري إلى ملك ملوك إفريقية. وهو صاحب النظرية الخضراء، والكتاب الأخضر، والقاص غير المدهش، الذي نشر مجموعة قصصية بعنوان (القرية..القرية..الأرض) ولا أزال أحتفظ بهذه المجموعة في مكتبتي. وقد أشاد بها بعض الكتاب، ونالوا مكافآت مجزية من الدولارات!.

هذا هو القائد الثوري، الذي يعني بالمفهوم الشمولي إبادة شعبه! وهذه هي (النظرية الخضراء) التي حوَّلت الساحات والمدن إلى حرائق وتدمير ودماء وفوضى عارمة..وهذه هي ديمقراطية المستبد الطاغية، الذي أغلق أذنيه وأغمض عينيه، ولم يصغِ إلى شعبه وإلى الاحتجاجات العربية والعالمية والمنظمات الدولية، ولا إلى جامعة الدول العربية، ولا إلى ملايين المواطنين.

ولم يحدث في التاريخ البشري منذ خمسة آلاف سنة، أنَّ الطغاة يصنعون لشعوبهم الحرية والديمقراطية! ومتى كان التآلف بين الاستبداد والديمقراطية؟ إنها ديمقراطية المستبد. فالشعب الليبي الذي كثرت الأقوال عن أنه شعب كسول، لا يحب العمل، قد نهض في (شهر الثورات)، بعد أن شمَّ رائحة الياسمين من جارتيه (تونس ومصر). ولكن ثورته اتَّخذت منحى آخر فُرض عليه في مواجهة دامية، مع جحافل المرتزقة والكتائب المدرَّبة في عمق الصحراء الليبية، المموّلة من فوائد أموال النفط، ومن سرقة قوت الشعب(المسكين) المكتوي بنيران القمع، وحرارة الصحراء.
لقد كشرت (ثورة الفاتح من أيلول) عن أنيابها. وبيَّنت للعالم أن(ديمقراطية قائد الضباط الأحرار) لها أنياب ذئبية ، وطبّقَ مقولة (السادات) الذي قال (للديمقراطية أنياب). وبدأت المليارات تتصدر عناوين الأخبار والصحف والمواقع الإلكترونية، بأن القذافي يملك أكثر من ثمانين مليار دولار تكفي سكان العالم العربي البالغ عددهم 340 مليون نسمة أربع سنوات..عدا أموال أبنائه وبناته وزوجاته وحاشيته. لذلك فـعلى (قائد الجماهيرية العربية الشعبية الليبية الاشتراكية العظمى) أن يستجيب للجماهير المليونية الغاضبة التي صبغت دماؤها ساحات المدن الليبية وشوارعها، وأن يرحل ويفتح أذنيه ويصغي جيداً لصوت الشعب(يا قذافي ما لك منَّا.. خوذ الخيمة وارحل عنَّا)، لكنه لن يرحل قبل أن يُبيد شعبه..وهذا ما عبرّ عنه في آخر خطاب له قبل الرحيل.. وقد سبقه (بن علي ومبارك) وسيلحق به (أبو الحوار الديمقراطي) الرئيس علي عبد الله صالح، الذي هدد المعارضة في الجنوب والشمال بـ (قطع أعضائها التناسلية) كي لا يولد ثوار ومنتفضون. وكأنه لا يتابع التقدم الطبي، بأن الإنجاب يمكن أن يتم بوسائل أخرى. وأن العقم السياسي والقمع وكَمَّ الأفواه، لا تُنجب الديمقراطية والحرية!.

إنَّ تاريخ الثورات سجَل صفحات مشرقة للثوريين. وكان ف.إيلتش لينين يأكل الخبز الأسود، ويقدم الخبز الأبيض للأطفال. وغيفارا البطل الثوري اغتالته الأيدي الديكتاتورية الآثمة. وكاسترو الذي واجه الإمبريالية نصف قرن، لا يزال يبني كوبا الحرة! وعشرات القادة الثوريين في العالم، حرَّروا شعوبهم من عبودية الظلم والاضطهاد!.

لقد أثبتت الشعوب العربية أنها قادرة على صناعة الثورات، وبناء المجتمعات المتحررة ، وتقديم التضحيات. وعدم البقاء رهائن، والمقاومة حتى تحقيق النصر، ونشر الديمقراطية واحترام حقوق المواطنين، وهي قادرة أن تختار قياداتها لإدارة شؤون الأوطان بنفسها.ولكن الطريق معبدة بالدماء، لا تخلو من غابات الأشواك وحقول الألغام. فهناك بقايا الأنظمة المعششة في دهاليز القصور، ومؤسسات الدولة، والقابضون على شرايين الاقتصاد، الذين يعملون في الخفاء، ويدّعون أنهم يساندون شعوبهم، علماً أنهم من صنع هؤلاء (الجبابرة) ويرفعون لافتات الديمقراطية، ويتحينون الفرص المناسبة للالتفاف على انتصارات الشعوب، وإدارة العجلات إلى الوراء!.

إنَّ المنطقة تمرُّ بفترة انتقالية معقَّدة الحبكات والمؤامرات والتدخلات الخارجية، وإنَّ الانتقال إلى مرحلة جديدة تتمايز عن سابقاتها من المراحل بعد الاستقلال، يحتاج إلى مشاركة جميع القوى اليسارية والوطنية والديمقراطية والكادرات العلمية والشبابية والكتاب والمثقفين، والفئات الاجتماعية الناهضة من الشباب والشابات والشرائح المتوسطة، التي تمتلك الشجاعة والوعي الثوري والتمسك بالقضية الوطنية، والدفاع عن العمال والكادحين، من أجل بناء الأوطان ورؤية واضحة لمستقبل يسود فيه السلام والحرية والكرامة والديمقراطية، وحياة بلا استغلال تحكمها القوانين التقدمية المعاصرة، والنضال ضد المخططات الإمبريالية والصهيونية.

إنَّ زيادة الأجور والرواتب، ضرورية جداً لتحسين حياة الناس ونقلهم من تحت خط الفقر، إلى حياة لائقة بالإنسان، لكنها لا تصنع الحرية للشعوب!.