لا نفرح بتخلّفنا
نشر الأخ والصديق فرحان بلبل في العدد السابق من (النور) مقالة بعنوان (الخبز والمسرح). وكما عهدنا فرحان بلبل في كل ما يكتب عن المسرح يظلُّ إنساناً عقلانياً لا ينطق عن هوى، حاملاً راية المسرح مدافعاً عنه، مبشراً بدوره في المجتمع.
وهو في مقالته الأخيرة يظل منسجماً مع نفسه، أميناً لتاريخه، ويظل قارئ المقالة متجاوباً مع ما تتضمن من رأي حصيف إلى أن يبلغ منها منتصفها، ففيما تبقَّى منها، وهو ليس بقليل ـ تذهب الاجتهادات بالكاتب مذاهب شتى: آراء وأحكام قاطعة، ناجزة، حادة لا تستقيم أبداً مع ما عرف عنه من فكر سليم ورأي متوازن وفي أحيان معلِّم.
في المقالة رأي لا يخالفه أحد حين يرد أن الحكومات المستعمرة (الناهبة السالبة) لا تجد في الثقافة سوى وسيلة لإقناع المظلومين بقبول ظلم الظالمين.
غير أن المرء يقف مشدوهاً أمام رأي آخر متعجّل يتهم شعوب تلك الحكومات (ذات المسرح المتطور) بأنها شعوب غير عظيمة! ذاك أن العظمة عند الكاتب لا تعني تقدماً في حقول العلم والاختراعات والتقنيات فتلك كلها شيء، والعظمة شيء آخر حسب قوله. وهو يفسر هذا الرأي قائلاً: (إن العظمة تعني الدفاع عن إنسانية الإنسان وعن العدالة والحق والخير والجمال). وهو في هذا لن يجد من يعارضه. غير أنه يبلغ قمة في الانزياح العاطفي والظلم والمبالغة حين يؤكد بحسم مؤسف: (أن الشعوب المتقدمة في فن المسرح اليوم ليست شعوباً عظيمة). ويذهب إلى مرحلة أشد وطأة على المنطق حين يضيف: (إنها شعوب تتقن فن المسرح كما تتقن مهنة الدعارة والقتل)!!. ويضيف أيضاً: (إن هذه الشعوب تقتل الشعوب الأخرى وتظلمها حتى تظل مسيطرة على ثروات الكرة الأرضية).
للحقيقة هذه الآراء مستغربة ومتعجلة بلا رويّة وغير مقبولة من الأخ فرحان الذي شبّ وكهل وشاب وهو يعلم علم اليقين أن الشعوب لاتستغل الشعوب، لا تظلمها، لا تستولي على ثرواتها. إنما من يفعل ذلك هم قلة فيها تستغل شعوبها ذاتها قبل أن تخرج إلى الشعوب الأخرى، تستأثر بأموالها، ومن بعد الأموال، بالقوة والجبروت، ومن بعدهما بالسلطة في بلادها ذاتها، هذه السلطة التي تبلغ أن تتجاوز حدود البلاد بنهمها لمزيد من الربح والتكديس الرأسمالي.
يجب أن يعيش واحدنا في بلاد الغرب ـ كما يبدو ـ ليعرف كم ذا تعاني الشعوب هناك وفئاتها العاملة المنتجة من ظلم حكامها وقهر أنظمتها المبنية على قوة أهل المال ودورة الرأسمال. فما كان منها سوى أن أوجدت لنفسها مخارج مما هي فيه من محنة عن طريق تنظيم نقابات عمالية قوية لا تهتم بالسياسات العامة للدولة، في معظم الأحيان، بمقدار ما تهتم بالدفاع عن حقوق الطبقات العاملة وتأمين الحد المناسب لحاجاتها والوقوف سداً منيعاً أمام تجاوزات أصحاب العمل والمديرين المنفذين في الشركات الصناعية من صغراها إلى كبراها.
ما أظن أن الأخ فرحان في حاجة لمن يذكره بأمور بديهية كالتي مرت. ثقافته، حياته، كتاباته كلها كانت ممتزجة بفكرة إدانة الرأسمالية النهمة والعدوانية، وأنها شر كلها على أهل أوطانها وعلى الغريب.
لكن هو ذا يدخل في ورطة أخرى حين يؤكد أن (الشعوب التي تقتل الشعوب الأخرى) صارت اليوم من دون مبدعين في مجال الفنون الإنسانية.. (هي خالية من المسرحيين الكبار والرسامين الكبار والشعراء والروائيين والفلاسفة الكبار)!.
هذه يا أخي فرحان ورطة أخرى تطاول السابقة، من قال لك، بل وكيف عرفت أن أوربا وأمريكا واليابان تفتقر إلى الكبار بين الكبار في المجالات التي ذكرت؟ لئن كنا نعيش على هامش حضارة العصر، بلا تواصل حقيقي معها، فليس لنا أي حق في نفيها أو التنكُّر لمنجزاتها. الدنيا لا تزال بخير والفنون كلها تتجدّد وهي بألف خير.. وبضمنها المسرح الذي منحتَه حياتك.
النور