الألحان الفارسية – سرغي يسينين – الكتاب في ملف واحد
-1-
لم يعدْ
هذيانُ السُّكْرِ يجتاحُ فؤادي
شُفيَ الجرحُ القديمْ
بِازْهِرارٍ مُزرقٍ
طهرانُ تشفيني
من الوجد الأليمْ
وأنا ..
أجلسُ فيْ شَايِ خانهْ
أتناسى الهمَّ
والغَوصَ العقيمْ
نادلٌ جهْمٌ عريضُ المنكبينْ
يتباهى
مُظهِراً للرُّوسِ مجْدَ الشايِ خانهْ
صُبَّ لي شاياً كثيفاً أحمرَ
عوضاً عن فودْكا أو عن خَمْرِ حانهْ
صُبَّ لي يا صاحبي
لكنْ ..
على رِسْلِك .. مَهْلاْ
كم من الورْدات في داركَ
أزْهَرْنَ
مَلأنَ الرَّوضَ ألواناً وظِلاْ
لمْ تكنْ تلك العيونْ
غمزتْ لي عَرَضاْ
وأزاحت لي الخمارَ الأسْودا
نحن لا نربطُ في روسْيا البناتْ
بالْجنازيرِ
كما نربطُ كلْباً
نُتقن التقبيلَ
والحبَّ
بلا أجرٍ
ولا غِشٍ وخنجرْ
ولهذي الحلوةِ
الممْشوقةِ
الميَّاسةِ القَدِّ التيْ
وجْهُها ..
كالفجر إشراقاً
سأهدي
من خَراسانَ لها شالاً
ومن شيرازَ سَجَّادةْ
أيها النادلُ
هاتِ الشايَ أكثفْ
أنا لن أكذبَ في يوم عليكْ
إنني أحملُ أوزاري
ولكنْ .. ليسَ وِزرَكْ
لا تراقبْ بـابَكَ الموصـودَ
ياصاح ِ
ففي ذاك السيــاجْ
فجْوةْ ..
لم تكن تلك العيـونْ
غمزتْ لي عـَرَضا ْ
وأزاحتْ لي الخمارَ الأسودا.
-2-
قد سألتُ اليومَ صَرَّافاً يُبادلْ
نصفَ تومانٍ بروبلِِِِ:
كيف للحسناءِ " لا لا "
كيف لي، بالفـارسيةِ
أن أقولْ:
" إنـني أهـواكِ "
قلْ لي ..
قد سألتُ اليومَ صَرَّافاً
سؤالاْ
ناعماً مثل النسيمْ
هادئاً مثل انسيابِ الساقيةْ
كيف للحُلوةِ " لا لا "
سأقولْ:
أعذبَ الألفـاظِ:
" قبلـــــهْ ".
ثم إنــي،
غامساً بالقلب خوفي،
أسألُ الصرَّافَ
قلْ لي:
كيف للحلوةِ " لا لا " سأقولْ:
" أنتِ لي "
قال لي الصرَّافُ:
مهـْلا ..
باختصارْ ..
ليست الألفاظُ تعبيراً عن الحبِّ تكونْ
إنمـا الحبُّ
أنينٌ صـامتٌ
وكما الياقوتُ ..
ينسابُ بريقاً في العيونْ.
ليس للقبلةِ إسمٌ
لا وَلمْ
تكنِ القبلةُ يوماً
فوق لوحاتِ التوابيتِ كتابهْ
إنما القبلةُ فاحتْ
وردةً حمراءَ
ذابتْ
في شفاه العاشقَينْ
رعشـةً للجسدينْ
رشفـةً تمحـو الكآبهْ
* * *
من الحبِّ لا رهـنَ يُطلبُ
في الحبِّ نعرفُ معنى الهنا
ومعـاني الشَّقـاءْ
" أنتِ لـي " حُلْوتي ..
أنتِ لي والفضـاءْ
سوف تروي الأيادي
التي مزَّقتْ
وأزاحتْ عن الوجه يوماً
سـوادَ الغطـاءْ.
-3-
أيا شَاغَاْنِي ..
أنتِ لي شَاغَاْني ..
ألأنِّي أنا مِنْ أقاصي الشَّمال ؟!
عن الحقل أُتقن فنَّ الحديثْ
عن القمحِ،
ماجَ
بضوء القمرْ
أيا شاغاني .. أنت ِ لي شاغاني
ألأني أنا مِن أقاصي الشَّمال ؟!
وبدري هُنـالك أكبـرُ أكبرْ
على الرغم من سِحْر شيرازَ
لكنَّ ريزانَ عنديَ
أحـْلى وأنضرْ
ولستُ أُحسُّ أنا بالندمْ
ألأني أنا من أقاصي الشَّمال ؟!
عن الحقل أُتقن فنَّ الحديث
سنـابلُ قمحٍ جدائلُ شَعريَ
إنْ شئتِ
لفِّيه حول الأصـابعْ
فلستُ أُحسُّ أنا بالألمْ
هو القمح ماجَ
بضوء القمرْ
بأشعثَ شَعري
احْزَري لونَه ؟
امْرحي ياصغيرتي
ثم اضْحكي .. واضْحكي
ولا توقظي الذّكرياتِ لديَّ
فما زال ضوءُ القمرْ
ومازال قمحُ الحقولِ
يموجُ
يموجُ بضوء القمرْ
أيا شاغَانِي .. أنتِ لي شاغَاني
هنالك خلف الشَّمال البعيدِ
فتاةٌ جميلةْ
فتاةٌ تحاكيكِ حُسْناً وسِحْراً
عساها تفكر بي
وتكابرْ
ولكنك .. شاغاني
أنتِ لي شاغـاني
فمازال قمح الحقول
يموجُ يموجُ بضوء القمرْ.
-4-
لم أكن يوماً على البوسفورِ لا
لا تسأليني عنه إني
قد رأيت البحرَ
في عينيكِ ناراً تتلظَّى زُرقةً.
لم أسرْ يوماً إلى بغدادَ في قافلةٍ
ناقلاً
شيئاً من الحِنَّةِ
أو بعضَ الحريرْ
إحني لي خصراً هزيلاً
قامةً
قـَداً نحـيــلْ
علَّني
أرتاح وقتاً
فـوق زنديــكِ
على حضْن جميلْ
لستِ تهتمّيـن بي
رغْمَ رجـائي
رغْـم تبيان الحقيقة ْ
وهي أنـي
شاعرٌ تعرفه روسيا العريقةْ
* * *
يتهادى داخلي
ينسلُّ للروح ِ
رنينُ الهـارمونيكــا
تحت ضوء البدرِ
أنْشَدُّ لأصوات الكلابْ
أفَلا تبغين
يا ناعمةً من فـارسٍ
أن ترَيْ
إزْرقـاقَ الأفْقِ
من خلف الضبــابْ
لا لأني ضَجِرٌ جئتُ إليـكِ
إنما أنت التي نـاديتِ قلبي
ويـداكِ
مثـلُ بجْعةْ
طَوَّقـتـْني
واحْتوتـْني
أطبقتْ مثـلَ جنـاحين عليَّ
* * *
إنني أنفقتُ عمري
باحثاً في قَدَريْ عن راحة القلبِ
ولم ألعنْ حيـاةً
قد مضتْ
إنني لم أحتقرْ درباً شقيَّـاْ
حدثيني
عن بـلاد المرح الدائـمِ
عـن أرضـكِ شـَيــَّاْ
بلِّـلـي قـلبـيَ حـُبـَّاً
أتـْرعيه
سـِحرَ أنفـاسـِكِ
عـِطـراً
مُسـكراً
يُطفـي نارَ القلبِ شوقاً
للُّحَـيظـاتِ الهنيــةْْ
لرنيـن الهـارمونيـكا
علـَّني أنسى فتـاةً في الشَّمـالْ
علـَّني لا أتنهَّـدْ
لا ولا أزدادُ شوقـاً
لا ولا يشغلـُني
الوجدُ بهـا
أو بالشَّمـالْ
* * *
رغـمَ أنـي
لم أكن يوماً على البوسفورِ
لكنِِّـي
سأحكي لكِ عنهُ
كلَّ ما بانَ
وما زالَ وغـابَ
إنمـا عيناك يا نـاعمةً من فارسَ
زُرْقةُ البحر هما تُغوي السَّحابا
ولهيبُ النار في أرجائه
ماردٌ يلهو ويختال اضطرابا.
-5-
بهدوءٍ
تركض الورداتُ في السَّهـلِ
وأضْـواءُ المسـاءْ
في حقـولٍ من سيولِ الزعفرانْ
غنـِّي لي
من أعذبِ الألحـانْ
مثلَ ما غنَّى عظيـمُ الشعـراءْ
عمـرُ الخيــَّـامْ
* * *
بهدوءٍ
تركض الورداتُ في السَّهـلِ
انـْظري
هــذه شيرازُ في ضوء القمــرْ
تتـــلالا
مثـلَ سربٍ من فراشاتٍ تدورْ
أنـا لا يعجبـُني أن الرجـالْ
في بلاد الفرس يخفون الجمالْ
يحبسون الفتيـاتِ الحالمـاتْ
تحت طيَّاتِ الخمـارْ
هـذه شيرازُ في ضوء القمـرْ
تتـــلالا
هل تَلظـَّين من الحَرِّ
فغطَّين النُحاسَ الجسديَّ
أمْ لكـي يُـعشَقـْنَ أكثــرْ
يتهيـَّبـْن اسـْمـرارَ الوجهِ
يحجـِبْنَ النحـاسَ الجسديّْ
إحفظـي هذي الوصايا باختصارْ:
يـاعزيزهْ ..
لا تعيشي تحت طيـَّاتِ الخِمـارْ
إنمـا العمـرُ قصيـرْ
وقليـلٌ ما وُهبـنا من سعادهْ
إحفظـي هذي الوصايا باختصارْ:
كلُّ ما ليس جميـلاً في القَدرْ
إنما داخله بعضُ الجمـالْ
يبعثُ الفرحةَ في نفس البشرْ
والخدودُ الحلوةُ الحمرُ
حرامٌ أن تُغطَّى
طالما كانت من الأمِّ الطبيعةْ
أُهْدِيَتْ يوماً لتمتيـع النظرْ
* * *
بهدوءٍ
تركض الورداتُ في السَّهـلِ
ويبقى القلبُ
يبقـــى
حــالمـاً
هـائمـاً صوبَ بـلادهْ
سأغنـِّي
لكِ يا محبوبتي
ما لمْ يـُغـنِّ
عمـرُ الخيـَّام يـوماً
بهدوءٍ
تركض الورداتُ في السّهـلِ.
-6-
الهواء الأزرق الشَّفـَّافُ
من حـولي يـدورْ
عنـدمـا أخرج للحقـلِ
وأشتـتمُّ الزهـورْ
أيها العابر دربـاً
غـائراً
في لازوردِ الواسع الأفْـق النضيرْ
لن ترى الصحراء يوماً
فالهواءْ !!
ألهواءُ الأزرقُ الشفـَّافُ
مِن حولي يـدورْ
* * *
ألمرجُ مثـلُ حديقـةٍ
تختـالُ فيـه شارداً
مِن حولكَ الأزهارُ
لن تقوى سوى أن تَـنحني
لا بل تخرَّ سـاجداً
نحو أزهـار القرنفـلْ
ألمـرجُ مثـلُ حديقةٍ
* * *
هَمَسـاتٌ خشخشاتٌ
وحفيفٌ ونعــومةْ
كأنـاشيـد سعـادةْ
فجأة في نظرةٍ
تأتي انعكاساتٌ كريمةْ
فِتْنةُ البدر الرَّخيـمـةْ
كأنـاشيد سعـادةْ
* * *
يتردَّدُ صوتُ الحوريةْ
يتهـادى
نـاياً يعزفها غسـَّانْ
لا قلقـاً
لا همـَّاً
حين يُشـَّدُ الخصرُ إلى الخصرِ
ولا فقـــدانْ
مـا دامت تصدح نـــايٌ
ألحـانـاً
يعزفهـا غسـانْ
* * *
هـذه الريـحُ المليئـةْ
بالعبير الطيـِّبِ
والمصير المشتهى المنشودُ
في درب الحيـاةِ المتعبِ
أستقيهــا
بشفـاهٍ نـاشفــاتٍ
مولعاتٍ بالعبير الطيـِّبِ
هـذه الريـحُ المليئـةْ
بـالعبير الطيبِ.
-7-
ذهبُ القمرِ الباردْ
رائحةُ الدُّفْلى
والزنبقْ
آهٍ
ما أحلى أن تشردْ
في هَدْأة هذا البلد الأزرقْ
* * *
في البعد
تلوحُ لنا بغدادْ
فيها عاشتْ
فيها غنَّتْ
شهْرَ زَادْ
لكنْ
لا يلزمُها شيءٌ هذا الوقتْ
فرنيمُ حدائقِها الغَنَّاءْ
الرّيحُ به أودتْ
في البُعدِ
وما عادْ
أطيافُ الأرض
تغطِّيها أعشابُ قبور
* * *
يا عابرَ
لا تنصتْ
للموت وللأمواتْ
لا تركعْ
لا تَحنِ الرَّأسَ
خشوعاً
لقبورٍ وبلاطاتْ
* * *
تنبَّهْ
بديعٌ هنا كلُّ شيءٍ
بهذا المكانْ
تشدُّ الورودُ لتقبيلِها
كلَّ ثغرٍ
* * *
تَصالحْ بقلبكَ
سامحْ عدوَّكَ
يغمرْكَ بالغبطة الزَّعفرانْ.
إذا داهمتْكَ الحياةُ
فعشْها
كما ينبغي أن تُعـاشْ
إذا اجتاحكَ الحبُّ
فاعْشقْ
كما يقتضي العشقُ
قبِّلْ وغازلْ
وناجِ القمرْ
تمتَّع بما يَفْرشُ البدرُ
من ذهبٍ
في انْحسارِ الغَسَقْ
ولكنْ ..
إذا شئتَ أن تحلمَ
أنْ تنحني للقبورِ
فلا ينبغي أن تسمِّمَ
بالحلْم هذا
نفوسَ البشرْ
* * *
هذا ما غنَّتْه يوماً
شهرزاد
مرةً أخرى
سيحكي الورقُ المصْفرُّ
ذو اللون النحاسْ
أنَّ من لا يشتهي شيئاً
بهذا العمر
لا يحتاجُ إلا الشفقةْ.
-8-
توجد في خراسانْ
أبوابٌ عاليةُ العتباتْ
بالورد مُزركـشةٌ
بالعطر مُرشرشةٌ
بالسِّحر مُقـَنَّعةٌ
تتفاخرُ
بالأسرارِ
وبالآهاتْ
خلف الأبواب العالية العتباتْ
* * *
تتمايلُ
ُحسْناً وبهاءً
أنعمُ أنثى وأحلى الحورياتْ
حالمةً بالحبِّ
وزافرةً بالنَّهداتْ
وأنا ..
أتحسَّرُ وجْداً
تحت الأبواب العاليةِ العتباتْ
لا أقدرُ أن أفتحَ تلك الأبوابِ
الموصدةِ
العاليةِ العتباتْ
* * *
ما أصلبَ قلبي ويدي
والقوة عندي كافيةٌْ
شَعري من ذهبٍ ونحاسْ
ما أنعمَ صوت الحوريةْ
والقوةُ عندي كافيةٌ
لكنْ
لم أقدرْ أن أفتحَ تلك الأبوابْ
الجرأةُ غيرُ مبرَّرةٍ
في حبِّي
ولماذا ؟ ولمن سأغنِّي ؟
مادامتْ تهملُني (شـاهه) (1)
وبما أني
لم أقدرْ أن أفتحَ تلك الأبوابْ
فالجرأة غير مبررةٍ
في حبي
* * *
ليْ آنتْ ألآنَ العودةْ
لبلادي المحبوبةِ روسْيا
ليْ آنتْ
ورحيلي قد آنْ
أصحيحٌ أني بلا رجعةْ
يافارسَ
عن سحركِ أرحلْ ؟
وفراقُ العشاق تأكَّدْ
وحنينُ العائدِ
يتزايدْ
للقاء بلادي المحبوبةْ
قد حانتْ ألآنَ العودةْ
لبلادي
وفراقُ العشاقْ
مرٌ كالعلقمْ
وفؤادي يتلظَّى غيظاً
إذ أنِّي
لم أقدرْ فتحَ الأبوابِ
ولكنِّي
قد نلْتُ جزاءً لفؤادي
ألماً
مِن لدنُكِ حوريةْ
عذْباً كنسائمَ صيفيَّةْ
وجميلاً
سوف يذكِّرني
بغرامي
بوجه الحوريةْ
وبشِعري
بفارسَ
بالأبوابْ
وبقصصٍ أرويها
ممتعــةٍ
لعزيز الأهل
وللأصحـابْ.
(1)- هي شاغاني، الفتاة التي أحبها الشاعر في خراسان
-9-
وطنَ الفردوسيِّ الأزرقْ (2)
حتى لو خانتْكَ الذاكرةُ اليومْ
لن تقدرَ أنْ تنسى
ذاك الروسيَّ الحالمْ
وطنَ الفردوسيِّ الأزرقْ
* * *
ما أبدعَ أرضكِ يافارسْ
فأنا أعلمُ أعلمْ
كمْ أنتِ بلادٌ حلوهْ
الوردُ تلألأ فيها
مثلَ قناديل
تحكي عن وطني النَّائيْ
وأنا أعلمْ
ما أبدعَ أرضكِ يافارسْ
* * *
لآخرِ مرةٍ أسكبْ
لآخرِ مرةٍ أشربْ
عطوراً
مُسْكِـراتٍ
من خمور البيتِ
لا تنضبْ
وصوتُكِ شاهتي
في أصعبِ الساعاتِ
ساعاتِ الفُراق المرِّ
أسمعُه
لآخرِ مرَّةٍ يذهبْ
* * *
ولكنْ ..
هل سأنساكِ ؟
وفي تجواليَ المفروضِ من قَدري
سأحكي عنكِ ما عندي
سأرويه
لزهر الروضِ
للبشرِ
ولن أنساكِ للأبدِ
ولن أخشى
شـقاءً
حلَّ في الكبدِ
إذا مارُحتُ ملتاعاً
وهمِّي يقتفي أثري
سأترك للهوى ذكرى
قصيدا عن رُبى وطني
وشعـراً
فاض بالفَنن
إذا غنيتِه طَرَباً
ترَيني في مدى الصورِ
أعانقُ
خصرَكِ الدَّافي
أقبَّلُ
خدَّكِ الوردي
أمسِّدُ شَعركِ الغافي
ووجهي
مـن لهيب الحبِّ
ذابَ
بوجهك ِ النضر.
(2)- الفردوسي: شاعر فارسي معروف
-10-
بجْعتينِ
كانتا يداكِ ياحبيبتي
تغوصُ
مثلَ بجعتينْ
في شَعريَ المُذهـَّبِ
المنثورِ
من ضفيرتينْ
* * *
من جديدْ
أغنياتِ الحبِّ
كلُّ الناس غنَّتْ
وتغنِّي وتعيدْ
وأنــا ..
غنَّيتُ مثلَ الآخرينْ
وأنا الآنَ أعيدْ
كلَّ ما غنيتُ في الماضي البعيدْ
ولهذا تتنفسْ
وستبقى للأبدْ
كلماتٌ ناعماتٌ في النشيدْ
* * *
كتلةً من ذهبٍ
يصبحُ القلبُ
الذي في حبِّه
غاص في البحر العميقْ
لكنْ هنا ..
في وجهِ طهرانَ العتيقْ
لم يعدْ في القلبِ ركنٌ
دافىءٌ يشدو
بألحان ِ الغريقْ
* * *
لستُ أدري
كيف أُمضي عمريَ الباقي البليدْ
لستُ أدريْ
هل سيكويني دلالُ حبيبتي " شاها "
ربما قبلَ الرحيلْ
أتذكرْ
آسفاً
جرأة َ الماضي
وإقدام َ النبيلْ
فلكلٍ دربُه المرسومُ في هذي الحياةْ
ولكلٍ مشيتُهْ
وبها ما يُمتعُ العينَ أو السَّمعَ
ولكنْ !!
عندما يَنظِمُ شعراً سيئاً
فارِسيْ ضلَّ السبيلْ
فهو قطعاً
ليس من شيرازَ آتٍ
لا ولا دانتْ رؤاهُ
نفحةَ الشِّعر الجميلْ
* * *
ولهذي الأغنيةْ
حَدِّثوا عني جميع الناسِ
في كلِّ مكانْ
ردِّدوا آراءَكمْ
لكمُ الأمانْ:
" كان بالإمكانِ في ذاك الزمانْ
نظمَُ شعرٍ
ناعمٍ
مالكٍ سحرَ البيانْ
ونواصي الاتِّزانْ
غير أن الشاعر الملهوفَ
عشقاً
إنما .. أسفاً
قد كبَّلته بجعتانْ "
-11-
لِمْ صارتْ
أضواءُ القمرِ
باهتةً صفراءَ
على جدرانِ خراسانْ
وشوارعِها
وحدائقِها ؟
لكأني أعبرُ حقلاً
روسيَّاً
تحت حفيف وُريقاتٍ صفراءَ
انْشدَّتْ
ثمَّ ارتدَّتْ
وذوَتْ تتهامسُ سراً
تحتَ حجابِ ضبابْ
هذا ..
_ يا أيتها الحلوةُ " لالا " _
ما كنتُ سألتْ،
ليلاً،
صفَّ السَّروِ الموغلِ عمقاً
والغارقِ في الصَّمتْ
لكن السَّروَ تباهى غروراً
وتعالى
لمْ ينطقْ صوتْ.
لِمْ ضوءُ القمر اليومَ كئيبْ؟
ساءلتُ زهورَ الأجْماتْ
فأجابتْ هادئةً:
" عشْ حُزنَ الوردةِ
يوماً
ثمَّ اسْمعْ عُمْقَ الآهاتْ "
* * *
وارتعشتْ أوراقُ الوردةِ
رقصتْ
همسَتْ ليْ سِرَّاً:
"ياهذا !
شاهتُكَ تغازلُ آخرَ ..
شاهتُكَ
أحلى الحلواتْ
وتبادلُ في الحبِّ الآخرَ
تعطيه أحلى القبلاتْ! "
قالتْ شاهةُ:
" لا يدركُ روسيٌ أبداً
أنْ يُشدى للقلب غناءٌ ..
لكنْ للأجسادِ حياةْ !
لا يدركُ روسيٌ هذا،
ولذا
هذا الحزن الشاحبْ
ولذا
هذا القمرُ الباهتُ
والآهاتْ
كم كُشفتْ في الحب خياناتْ ؟
كمْ دمعاً !
كمْ ألَماً .. كمْ زفَراتْ ؟
مَن منَّا يستمتع فيها ؟
كمْ منَّا لا يرتاح لها ؟
لكنْ نعلمْ
أنَّ الليلكَ في كلِّ الحالاتْ
أرضاً
كوناً
سيمجَّدُ عدلاً
تتهادى معه فى القلب
جميعُ الترنيماتْ "
* * *
توقَّفْ أيها القلب الغبيُّ
ألا يكفي انفعالاً
واضطرابا ؟!
جميعاً بالسعادة قد خُدعنا.
حقيرٌ
من سيستجدي العطاءْ
تسيلُ مفاتن البدر البديعِ
وتسرحُ فوق حرش الكستناءْ
ورأسي ..
قابعٌ في حضن " لالا " ..
وتحت خمارها
أخفي انفعالا
توقفْ أيها القلب الغبيُّ.
كما الأطفالُ أحياناً نكونُ
فنبكي ثم نغدو ضاحكينا
سعاداتٌ
بَلا ..
يا سوءَ حظًّ !!
أصابتْنا
ومرَّتْ أجمعينا
توقَّفْ أيها القلب الغبيُّ.
ألا .. كم من ديار جِلتُ فيها
بحثتُ عن السعادة كلَّ صوبِ
وأما قِسمتي في كلِّ دربِ
فلست بحاجة للبحث عنها
توقَّفْ أيها القلب الغبيُّ.
بتاتاً لم تخادعْني حياتي
سأشربُ من قواها من جديد
ألا تغفو أيا قلبي قليلاً
بأحضان الحبيب الدافئاتِ ؟!
بتاتاً لم تخادعْني حياتي.
عسى قدرٌ يلاحظنا جميعاً
قضاءٌ عابر كالسيلِ فينا
بأغنية البلابلِ عن هوانا
تجيبُ كما البلابلُ أجمعينا
توقَّفْ أيها القلب الغبيُّ.
-12-
بلدٌ أزرقُ مسرورٌ مرِحْ
بعتُ فيه شرفي الغالي
بأغنيَّةْ
يارياحَ البحر هِبِّي بهدوءْ
وتعالَيْ
نسَماتٍ ورذاذاً
في رويَّةْ
شاركيني متعة الصَّوت الصَّدِحْ
آهٍ .. ألسْتِ تسمعين؟
إنه البلبل
يشدو ويناجي وردةً
إسمعي الوردة
في ضيقٍ وحزن تتلوَّى
هذه الأنشودة الحلوةُ
تستهوي الفؤادْ
يارياح َ البحر هِبِّي بهدوءْ
آهٍ .. ألسْتِ تسمعين؟
إنه البلبل يشدو ويناجي وردةً.
أنتِ طفلٌ
ليس في هذا ولا ذاكَ نقاشْ
وأنا ؟
لستُ بشاعرْ ؟
يارياحَ البحر هِبِّي بهدوءْ
واصْغي .. ألسْتِ تسمعين؟
إنه البلبل يشدو ويناجي وردةً.
واعْذريني يا حبيبةْ
" غيليــا " (3)
كم من الورد على الدَّرب الطويلْ !
كم من الورد تهادى
وتلوَّى
وتألَّمْ
إنما واحدةٌ،
من قلبها .. بحنانٍ تتبسَّمْ
فدعينا
نبتسمْ للأرضِ
للأرضِ الحبيبهْ
يارياحَ البحر هِبِّي بهدوءْ
شاركيني متعة الصَّوت الصَّدِحْ
ألسْتِ تسمعين؟
إنه البلبل يشدو ويناجي
وردةً في بلدٍ أزرقَ
مسرورٍ مرِحْ
فليكنْ ..
إنَّ حياتي نلتُ منها أغْنيَةْ
إنما
تحتَ ظلال الزيزفونْ
إنما
من أجلِ " غيليـا "
طوَّق البلبلُ وردهْ.
***
حتى لو خانتْكَ الذَّاكرةُ اليومْ
لن تقدرَ أنْ تنسى
ذاك الروسيَّ الحالمْ
ياوطنَ الفردوسيِّ الأزرقْ.
ما أبدعَ أرضَكِ يافارسْ
فأنا أعلمُ أعلمْ
كمْ أنتِ بلادٌ حلوهْ
ألوردُ تلألأ فيها
مثلَ قناديلٍ
تحكي عن وطني النَّائيْ
وأنا أعلمْ
ما أبدعَ أرضكِ يافارسْ
***
لآخر مرةٍ أسكُبْ
لآخر مرةٍ أشرَبْ
عطوراً مُسْكِراتٍ
مِن خُمورِ البيتِ
لا تنضُبْ
وصوتُكِ .. شــاهتي
في أصعبِ السَّاعاتِ،
ساعاتِ الفُراق المُرِّ
أسمعُه
لآخر مرةٍ يذهبْ
ولكنْ ..
هل سأنساكِ
وفي تَجْواليَ المفْروضِ مِن قَدري
سأحكي عنكِ ما عندي
سأرويه لزهر الروضِ
للبشرِ
ولن أنساكِ للأبدِ
ولن أخشى
شقاءً
حلَّ في الكبدِ
إذا ما رحتُ ملتاعاً ..
وهمِّي يقْتَفي أثري
سأترك للهوى ذكرى
قصيداً عن رُبى وطني
وشعراً
فاض بالفَننِ
إذا غنَّيتِه طَرَباً
ترَيْني في مدى الصُّوَرِ
أعانقُ
خصْرَكِ الدَّافي
أقبِّلُ
خدَّكِ الوردي
أمسِّدُ شَعركِ الغافي ..
ووجهي !!
مِن لهيبِ الحُبِّ
ذابَ
بوجْهِك ِ النَّضِر.
(3)- (غيـــليا) اسم طفلة هي ابنة صديق للشاعر
-13-
خيولٌ تجرُّ
بأسرعَ ما عندَها
عرباتٍ كأن الشياطينَ
قد دفعتْها إلى الأرضِ
نحو سباقٍ مريعْ
تشقُّ السّهولَ
تقهقهُ أجراسُها
وتقهقهُ
حتى الدّموعْ
فلا قمرَ الآنَ
يفرشُ في القفْرِ ضوءاً
ولا كلبَ ينْبحُ في البُعْدِ
أو في القريبْ
تحَلَّيْ أيا نفسُ بالصَّبرِ
بل قاومي يا حياتي الجريئةَ
لم تقتربْ بعدُ شيخوختي
ولم يقتربْ بعدُ منِّي المشيبْ.
ألا أيها السَّائقُ الشَّهمُ
غنِّ غناءً شجيَّا
يعاتبُ ليلتنا
ولو رِمْتَ منِّي الغناءْ
فسوف أغنِّي وإياكَ
لحنَ الفرحْ
عن الفتياتْ
ذواتِ الأعين الماكراتْ
أعاد شبابي لهنَّ المرحْ.
ألا أيها السَّائقُ الشَّهمُ
تذكَّرْ
وحين تركِّزُ قبَّعةً
فوق رأسكَ
ثم تشدُّ الحصان بعدَّتهِ
وتنامْ
على حزمةٍ من حشيشٍ
وتمْضيْ
تذكَّرْ فقط مَن أنا ؟
وما كان إسمي ؟
ومن أين جاء القوامُ النَّحيلْ
ونحن
ومنتصف الليلِ
يبدو بأنَّ لنا " هـارمونيــكـا "
تجيدُ الحديثَ
وإقناعَ كلِّ ذواتِ القوامِ الجميلْ
مضى وانقضى كل ُّ شيءٍ
فقد خفَّ شَعري ..
حصاني العزيزُ نفقْ ..
وكانت لنا " هـارمونيــكـا "
اخْتفى صوتُها
واحْتَرقْ
وقد نسيَتْ
كيف كانتْ تُغنِّي
وكيف تديرُ حديثَ الهوى
وطقوسَ التمنِّي
تصاحبُنا
لانتهاء الرمَقْ
ولكنْ ..
إلى الآن لمْ تبردِ النَّفسُ
وكم تنعِشُ القلبَ
هذي الثلوجُ وهذا الصَّقيعْ
وبالرَّغْم من كلِّ شيءٍ جرىْ
دَبْدَباتُ الخيولْ
تدقُّ الثلوجَ بأطرافها
وتشقُّ السهولْ
تقهقهُ أجراسُها وتقهقهُ
حتى الدموعْ.
-14-
أتسمعُ في الصَّمتِ أجراسَها ؟
عرباتُ الثُّلوجِ
تتالتْ
تطيرُ بها الخيلُ عبر السّهولْ
جميلٌ جميلْ
ضَياعُ الأحبَّة بين الحقولْ.
لعوبٌ هي الرِّيحْ
خجْلى وهيَّابةٌ
في السُّهولْ
تَعَرَّتْ
ترحِّبُ بالثَّلج
أبيضَ
غطَّى الفضاء الفسيحْ
تداعِبُهُ أرجلُ الخيْلِ
تسحبُ زَحَّافةً
تبدِّدُ للصَّمتِ جدرانَهُ ..
ترنِّمُ أجراسُها
في صفيرِ الرِّياحِ
كما عربداتُ السيولْ.
ألا ياحصانيْ الكُمَيْتَ
ويا عرباتِ الخيولْ
هنالك ..
في السُّهُبِ المستكينةِ
قيقبُ سكرانُ (4)
يرقص منذ الأصيلْْ
لنذهبْ إليه
ونسألْه عن حاله
ونلهو بلحن الحياة الجميلْ
ثلاثتُنا
مع الهارمونيــكةِ
نرقصُ
نرقصُ حتى الأفولْ.
(4)- لقيقب: نوع من الشجر في روسيا
-15-
في مساءٍ أزرقَ
حلوٍ لطيفٍ مُقْمِرِ
كنتُ يوماً ما وسيماً
ذا شبابٍ نيِّرِ
غير أني كنتُ أدركُ
أن هذا لن يدومْ
فالشَّبابُ زائرٌ
يحْتسِبُ الأيام عدْلاً
لا يُلامُ ولا يلومْ
يومُه لا يتكَّررْ
كلُّ شيءٍ طار من قُربي بعيداً
لن يُكَّررْ
برَدَ القلبُ
تلاشى وهجُهُ
واختفى كلُّ بريقٍ
في عيوني ..
السَّعادةُ
في ازْرقاقٍ
والليالي مقمِرهْ
-16-
فسحةُ ثلجٍ
سهْبٌ رحبْ
وضبابٌ أزرقُ رطبْ
في ضوءٍ قمَريٍ أصفرْ
وبألمٍ هادىءْ
يُشرِح هذا القلبْ
إذ يتذكَّرْ
شيئاً ما
عن سالف عُمْرٍ أغبرْ.
وَكَرمْلٍ رخْوٍ هشّ
نام الثَّلجُ أمام البابْ
قُبَّعتي مِن فروِ القِطَّةِ،
فوق الجبهةِ
مهزوماً نَكَّستْ.
تحت الضَّوء القمريِّ ضبابْ
وخيالي يُثْريه الصَّمتْ
سِرَّاً
من أرضي المحبوبةِ
سرَّاً غادرتْ
وإلى الأرض المحبوبةِ
بعد قليلٍ عُدتْ.
مَن في أرضي يتذكَّرُني ؟
مَن طيفي عن ذهنهِ غابْ ؟
وحزيناً ..
كشريدٍ
كغريبٍ
أذوي عند البابْ
وأنا
كنتُ قديماً صاحبَ هذا البيتْ !
وبِصَمتْ
أدعكُ قُبَّعتي بيدي
فأنا لا يُعجبُني فروُ السّموُّرِ الغالي
أتذكَّرُ جدَّتيَ الحلوهْ
أتذكَّرُ جدِّيْ
أتذكَّرُ ثلجاً هشّاً
غطَّى القبرْ
لفَّ الكلَّ سكونْ ..
وجميعاًً،
في هذي الحُفرة يوماً سنكونْ
شِئنا أم لا
هذي سنَّةُ هذا الكونْ
ولذا
إني أهوى الناسْ
وتراني مسروراً
أنْشَدُّ لكلِّ النَّاسْ
ولهذا أيضاً
في أحزاني كدتُ أنوحْ
لكنِّي
مبتسماً
أدركتُ بأنيَّ
قد خمدتْ
للآخر في جسدي الروحْ
وأنا أعلم أني لن ألقى ثانيةً
هذا البيتَ
وهذا الكلبَ
الواقفَ قربَ البابْ.
-17-
الرِّيحُ تعوي
تنشر الفضَّةَ، في همسٍ حريريٍّ
ضجيجُ الثَّـلجِ
في كلِّ الجهات
وأنـا
ما كنتُ يوماً
هكذا
***
فليكنْ
فوق الشبابيكِ رطوبةْ
وليكن فيها عفنْ
فأنا لستُ حزيناً أبداً
لا ولن آسف للماضي
ولا فرق َ إذاً
عشتُ هذا العمرَ في عشقٍ عميقْ
هكذا دوماً
كما لو في بدايات الطريقْ
***
عندما ترنو إليَّ
إحدى ربَّاتِ الجمالْ
تتهادى فوق ثَغر الحسْنِ
بسْماتُْ الطَّلالْ
شارداً أغدو
أناجي هائماًمضطرباً
آهِ مِن هذا الَّدلالْ
عندما تعبر دربي الهادئةْ
عرباتُ الخيلِ
تغزو صمتَنا
أجراسُها
طرِباً أغدو
شقيَّاً
مثلما الأطفالْ
ثمَّ أعلوها وأمضي
طائراً
بغرور الفارس
نحو المُحالْ
***
آه يـا حظِّي
ويا كلَّ النجاحاتِ التي حقَّقتُ
في هذي الحياةْ
يا سعاداتِ البشرْ
إنمــا
مِن حُبِّ هذي الأرض أنتِ
مَن ْ بكى
لو مرَّةً حظاً عبرْ
إنما يبكي القدرْ
***
دعونا نعِشْ
بشكلٍ بسيطٍ رتيبٍ وسهلْ
فنفتحُ قلباً كبيراً
ونقبلُ مافي الحياةِ
اكتفـاءً
ويسكن كلَّ النفوس الأملْ
فهاهي ذي الرِّيحُ مشدوهةً
يعانقُها الحِرشُ حبَّا ً
فتخرِقُ صمْتاً
وتنهي المَللْ
وتنشرُ في الأفق فِضَّتها
رؤوسِ التِّلالِ
وتحتَ الدَّغلْ.
-18-
سهبٌ رحْبٌ
أبعادٌ
حِرشُ شُجيراتْ
ضوءٌ قمَريٌّ
يصبغُ سحراً وجهَ الأرضْ
هاهيَ ذي ثانيةً
تبكي
أجراسُ خيولٍ ساكبةً أحلى الأصواتْ.
***
هـذه الدَّربُ الحقيرةْ
هذه الدَّربُ الحبيبةْ
قد مشاها كلُّ روسيٍّ وفيها سوف يمشي
هذه الدَّربُ الحقيرةْْ.
***
آهٍ ..
زحَّافاتِ الثلجْ
آهٍ .. ما أنتِ ؟
وكم أقلقْتِ هـدوءَ المرجْ ؟
فأنينُ الحور المتجمِّدْ
وحصانٌ مشدودٌ بالسَّرجْ
صُوَرٌ
تنهالُ تُذكِّرني ..
فلاّحاً قد كان أبي
وأنا فلاّحٌ في المولدْ.
***
سأبصقُ يوماً على شهْرتي
وكونيَ شاعرْ
براهُ المجونْ
وأرجع نحو الدّيار السَّقيمةْ
دياري التي غِبتُ عنها سنينْ.
***
مَن رآها، ولو مرَّةً،
مَن رأى هذه الأرضَ
وهذا الهدوءَ البديعْ ..
مَن رأى
شجَراتِ البِتولا
يخُرَّ لها
ويقبِّل أقدامها في خشوعْ.
***
كيف لا أذرفُ الدَّمعَ
ما دام في القيظ والزَّمهريرْ
مع اللحن
يرقصُ بالقرب مني
ثراءُ قُرانا
الشَّبابُ النَّضيرْ
أيا هارمونيكــا
فمنكِِ الأغاني وفيكِ النَّفيرْ
وفيكِ العويلُ إذا ما ابتدا
كسمٍّ زُعافٍ
مميتٍ خطيرْ
لبعضٍ قضى المجدُ فيه
اعْتراهُ الذُّبولْ
وغاب بعيداً ..
طواهُ الأثيرْ.
-19-
تودَّعُني الزُّهورُ
رؤوسُها بالحزن محنيِّة
لا وجهُها المحبوبُ
ثانيةً أراهُ ولا
محبوبتي ..
أرضي البهيَّةً
ما الأمرُ يا محبوبتي
ما الأمرُ؟
إنِّي قد رأيتُهمُ
رأيتُ الأرضْ
رأيتُ في خباياها
ارتعاشَ الموتْ
ولكني
كحالةِ مَن أتاه هوىً جديـدٌ
تقبَّلْتُ ارتعاشَ الموتْ
لعلَّ ما قد نلتهُ
في هذه الدنيا عبرْ
مبتسماً
أو عابراً عمري
مروراً
دون ظلٍّ أو أثرْ
يُجيز ليْ القولَ الصريحَ .. ودائماً
"كلُّ ما في هذه الدنيا
سيأفلُ مرَّةً أخرى
ويـأتي مرَّاتٍ أُخرْ"
***
أليسَا يُشبهان البعضَ:
ماضٍ ولَّى مِن زمنٍ
وآتْ
لا الحزنُ يمحو ماضياً ..
والقادمُ المجهولْ
سوف يخطُّ للمهجور
أحلى الأغنياتْ.