(وما بين فقره الأبيض اليوم كما يحلو له توصيفه وما بين فقره الأسود القديم، يروي حنا عن الصدق والحميمية التي يحاط بهما من الناس حوله، على نحو يشعر فيه أنه مدين للناس وليس دائناً، وهو الذي رهن عمره للفقراء وللبؤساء وللمعذبين في الأرض، ولهذا الوطن في رحلة كفاحه الطويلة .. وإذ كانت حكاية حنا تفتتح بكلمة، فهي سرعان ما تصير سيرة للوطن كله، وتصير ذاكرة عالمه الروائي صورة لحياة البلاد بكل تفاصيلها).
هكذا بدأت الندوة النقدية التكريمية للمبدع حنا مينه، التي أقامتها وزارة الثقافة السورية، من 26 حتى 28 شهر شباط/2007 بمشاركة باحثين من تونس ومصر والعراق والأردن ولبنان وسورية قدَّموا مداخلاتهم النقدية ضمن أربعة محاور رئيسية هي:
1. حنا مينه ومواقفه الفكرية والسياسية والأدبية
2. حنا مينه روائياً وقاصاً
3. فن السيرة والمقالة عند حنا مينه
4. النقد الخاص بحنا مينه
نظرة الفارس للفارس
في بحثه (ناظم حكمت برؤية حنا مينه - نظرة الفارس للفارس) يتتبع د. سليمان الأزرعي من الأردن مواقف حنا مينه الفكرية والسياسية والأدبية، من خلال تتبع آرائه وأحكامه النقدية في تجربة الشاعر والأديب التركي (ناظم حكمت)، التي لخّصها حنا مينه في كتابيه: (ناظم حكمت ثائراً)، (ناظم حكمت، السجن، المرأة)، اللذين كانا، كما يرى فيهما الدكتور الأزرعي، مجالاً رحباً لمينه في الإعلان صراحة عن آراء ومواقف وأفكار، لم يُتَح له أن يعلنها في أعماله الإبداعية الروائية والقصصية.
يجزم د. الأزرعي أن في كتابَي حنا عن ناظم، كما في كتابه (كيف حملتُ القلم) الكثير من الإنشاء الذي يعكس إيمان حنا مينه بالواقعية الاشتراكية وقدرتها على احتضان المدارس كافة، لافتاً إلى أن حنا رأى ناظم رؤيةَ الفارس للفارس، وقد خلص وهو يراجع تجربة المبدع التركي (ناظم حكمت) الشاعر والمناضل إلى ثلاث نقاط فيها: (التطابق بين الفكر والأسلوب، البساطة في شعره، والبعد الزمني في نتاجه)،كانت هي ما دفعت حنا لدراسته، وليس معرفته الشاعر الذي كان قد التقاه من قبل.
سلطة النّموذج
وإذا كان د. الأزرعي قد اختار الوقوف خارج نص حنا مينه الأدبي للوقوف على مواقفه (مينه) الفكرية والأدبية، فإن د. محمد الباردي من (تونس) فضَّل من خلال مداخلته (حنّا مينه وسلطة النّموذج) الولوج داخل هذا النص المتفرّد ليخلص إلى أن واحداً من أهم ملامحه هو (الميل إلى النمذجة)، على نحو يمكن القول، على حد تعبير الباردي، إنّ مشروع حنّا مينه الرّوائي محكوم بسلطة النّموذج، وأن طاقة الإبداع في هذا المشروع تتمثّل في هذه القدرة العجيبة على التّنويع داخل متصوّر أنموذجي كان قد تحدّد منذ الرّوايات الأولى لحنا.
يرى د. الباردي أن حنا مينه لم يكن طيلة حياته كاتباً تجريبياً، فقد استقبل الواقعية بروافدها المختلفة، لتبقى ممارسة التجريب في روايته محدودة، وحول سلطة النموذج في مشروع مينه الأدبي، قال الباردي إنها تبدو في المنوال السردي لنتاج مينه، وإن له وجوهاً عديدة، واكتفى في مداخلته البحثية بتناول وجهه الحكائي وبنية الشخصية فيه. وفي هذا السياق تكلم الباردي عن نموذجين في مشروع حنا هما (البطل الإيجابي، البطل الإشكالي) وذلك من خلال تتبع ملامح وصفات أربع شخصيات روائية لحنا هي:
الفتى الراقص في(الشمس في يوم غائم)،
فياض في(الثلج يأتي من النافذة)،
زكريا في (الياطر)،
ومفيد الوحش في (نهاية رجل شجاع).
سحرية عالم حنا مينه
(النموذج) في مشروع مينه الأدبي بدا محور مداخلة الدكتور نبيل حداد من الأردن (الأبنوسة البيضاء)..إذ تستجمع سحرية عالم حنا مينه، وقد رأى أن هذا النموذج يتجلى في رواياته وقصصه القصيرة والطويلة بثنائيات لا تحصى تبذلها الحياة لنا كلها، ولكن أحداً لا يستطيع التقاطها والبناء عليها وإنجاز الشكل الجوهري المتفرد بها ومنها وفيها بمثل ما تصنعه ريشة حنا مينه. ولذلك ربما اختار د. نبيل السباحة لا الغوص، على حد تعبيره، في ركن صغير من عالم حنا هو رواية (الأبنوسة البيضاء) التي رأى فيها حداد ملامح العالم الروائي لحنا مينه.
ترسمات العالم الروائي
الرؤى الفكرية في روايات حنا مينه، كانت موضوعاً أيضاً للناقد والروائي نبيل سليمان في مداخلته البحثية (ترسّمات العالم الروائي لحنا مينه) من خلال تركيزه الأول على مقومات العالم الروائي للكاتب وقسماته الكبرى، وذلك في البحر فضاء ومعنى، إذ يبدو البحر فيما كتب حنا مينه عنه مرة كالقدر ومرة كالمرأة، له غوايته وكيده وسطوته ولذته ومجهوله. وتالياً في تجسيده الطابع الملحمي، وتكوين عالمه الروائي بالتأرخة التي تصرّفها الذاكرة والسِّيَرية غالباً، واتصالها بوعي الآخر. وفي السياق ذاته تتبع سليمان تقنيات أخرى شيّد بها حنا مينه عالمه الروائي بتداخل السيرة والذاكرة مع الواقع والتأرخة في بناء العالم الروائي وكتابة المسرواية أحياناً.
ولفت الناقد نبيل سليمان إلى أن حنا مينه لم يتوسل اليوميات إلا نادراً في حضور السيرية والذاكرة في بناء عالمه الروائي، لأن وسيلته المفضلة والمتداولة من رواية إلى رواية هي ضمير المتكلم. لكن إيثار حنا للحوار وتقليصه للسرد بعد روايته الأولى، حمَيا رواياته غالباً من غواية هذا الضمير، وبالتالي من طغيانه. كما أعطت مهارة الكاتب الحوار طابعه المسرحي بامتياز.
وخلص سليمان إلى أن حنا مينه شيَّد عالمه الروائي بقدر أقل من التجريبية والحداثة الروائية، وحسبه ما أبدع في التقنية التقليدية، ليكون له هذا العالم الموّار بالبحارة والصيادين والعشاق والبغايا والمثقفين... وهذا ليس امتيازه الوحيد كما يؤكد سليمان، بل ثمة أيضاً امتياز فيما يكاد أن يكون تأنيث العالم، وقد اقترن ذلك التأنيث دوماً بذكورة العالم في نبلها كما في انحطاطها. واندغمت هذه الثنائية بثنائية الصراع مع الطبيعة والصراع الاجتماعي- السياسي، وبثنائية الذاكرة والتأرخة، ونابضةً بالحس الإنساني الحار وبالرؤية الحضارية.
أيديولوجيا الكاتب وخيارات الشخصية الروائية
الدكتور عاطف بطرس من سورية بحث في العلاقة بين ايديولوجيا الكاتب ورؤيته للعالم وبين خيارات شخصياته الروائية، من خلال مداخلته (أيديولوجيا الكاتب وخيارات الشخصية الروائية- الصدق الفني). وفيها تتبَّع حرية الشخصيات الروائية لحنا مينه في شبكة علاقاتها الروائية باختيار مصائرها بعيداً عن شخصية المؤلف وتدخله في رسمها، ولكن هذه الشخصيات لا يمكن أن تتحدد، كما هي عليه، في الروايات، لو لم يكن مبدعها حنا مينه. وهذا لا يلغي واقعيتها واستقلالها وحريته في اختيار مصائرها الروائية.
يجزم الدكتور بطرس أن في متابعة تطور شخصيات حنا مينه الروائية، في جميع أعماله، صعوبة كبيرة، إن لم نقل استحالة، فإخراج شخصية روائية من شبكة علاقاتها الفنية ضمن الرواية وتساوقها، ثم تطورها عبر منظومة العناصر المكونة للعمل الروائي كوحدة متكاملة، يحمل قدراً كبيراً من الإساءة، لا إلى الشخصية الروائية وحدها، بل وإلى مجمل العمل الروائي ككل، لكونه نسيجاً متلاحماً يصعب فصل عراه، ونظراً لأن مقتضيات الدراسة لا تسمح بتناول كل أعمال حنا مينه، بدراسة كاملة منهجية وموسعة. لذلك اقتصر د. بطرس على دراسة شخصيتين روائيتين (فياض) بطل (الثلج يأتي من النافذة) و(زكريا) بطل رواية (الياطر).
وخلص د. بطرس إلى القول بأن حنا ضمن لنفسه الصدق التاريخي، وصدقه الفني، بإخلاصه مع ذاته، ومع تجربته الحياتية والمعرفية والإبداعية. وبذلك، يكون إبداع حنا شاهداً على رؤيته وموقفه من العالم، ومتطابقاً مع آرائه النظرية. وإذا كان حنا في روايته الأولى (المصابيح الرزق)، قد وقع في أسبقية التصور السياسي على التصور الفني، فأضعف ذلك التكنيك الروائي، فإن أعماله اللاحقة قد تخلصت من ذلك، بعد أن توفرت له التجربة الفنية والحياتية والمعرفية.
هواجس في التجربة الروائية
(قراءة نقدية في هواجس في التجربة الروائية عند حنا مينه) قدمها الدكتور مدحت الجيار من (مصر)، مؤكداً أن هذه الهواجس تمثل مفتاحاً لفهم حياة حنا مينه ونصوصه، بدءاً من قضيتَي البحر والغابة، اللتين تمثلان المناخ العام الذي تتحرك فيه أماكن السرد وأجوائه .. فالبطل الروائي، والأدب والخبز، والبراءة والدهشة، والحوار مع الأبطال متعددي الاتجاهات، ليتيح لنفسه تقليب الذاكرة والاقتراب من العوالم الروائية التي يحبها ويفضلها عند الكتابة، وليست هذه القضايا والأدوات إلا العالم المحيط بحنا مينه، والنفس التي تموج داخله.
يغوص حنا داخل الذات الكاتبة، ويحلل مكوناتها أمام المتلقي المندهش المحب العاشق للرواية، وهو في الوقت ذاته يقدم نفسه بعيداً عن القراء وبعيداً عن النقاد. إنها حوارات مع النفس وغوص معرفي في أعماق الوعي. كما يمزج هذا الغوص بسرد ذاتي وكأنه يكتب سيرة ذاتية تعتمد على محاور النص والواقع والذات، لهذا يظهر عالم حنا مينه في هذه الكتابة أكثر ثراءً وقدرة على ترسيخ الدهشة التي تظهر هي الأخرى في اللغة الشعرية في روايات البحر والغابة والمعركة، كما تظهر في التعاطف مع البطل الشبيه بالمؤلف والشبيه بقضايا الواقع ليرى المتلقي نفسه من مرآة الرواية.
وهوامش غير مخبوءة
في محاولة لقراءة الجذور الحقيقية لشخصيات تكررت بشكل لافت في أعمال الأديب الكبير حنا مينه، قدم الناقد جمال عبود مداخلته (حنا مينه: هوامش غير مخبوءة)، فرأى أن شخصية الأب، وشخصية الأم وشخصية الأخت، تكررت في نتاج مينه الإبداعي، وهو تكرار لم يرد في الأعمال الروائية وحدها، وإنما ورد أيضاً في تصريحات المؤلف وتعليقاته على هوامش أعماله الروائية. غير أن حضور هذه الشخصيات، كما يؤكد الناقد عبود، على واقعيته، لن يكون واقعياً بالمعنى الحرفي أو التسجيلي، أو التوثيقي، بل سيكون واقعياً بالمعنى الفني الذي تعيد الرواية صياغته وتشكيله. وبالتالي نحن إزاء كاتب انغمس في الحياة، غاص فيها، ولكنها لم تخضعه لمعاييرها الصارمة بل زاد عليها، فوق رؤيته لها ومعاينته لتفاصيلها، قدرته على إعادة صوغها ورسم آفاقها. فالأب، في روايات حنا مينه، ليس الذي يبحث حيناً عن خلاصه الفردي، ويغوص في كل الأحايين، في تعاسة لامخرج له منها.. والأم، ليست هي مجرد تلك الأم الحنون المستسلمة لقدرها، الراضية بقضائها، الحريصة على بقائها.. ولو على هامش الحياة.. كما أن الأخت، لديه، لا تقف عند حدود تلك الأخت المضحية بكل سعادتها من أجل سعادة الأسرة.. دون أن تدرك الحدود الفاصلة بين التضحية المشروعة والممكنة.
ودعا الناقد عبود إلى محاولة الفصل بين ماهو (سِيَري) في حياة حنا مينه، وقد تجلى في مرات كثيرة في أدبه، كما تجلى مراراً ومراراً في أحاديثه وتصريحاته، وبين ماهو (فني-روائي)، وقد برز واضحاً وملموساً في أعماله الروائية.. وما أكثرها من أعمال. وهنا قد يحتاج الأمر، حسب عبود، إلى الفصل بين ماهو (سِيَري)، وماهو روائي.. نظرياً على الأقل، فالتداخل بينهما قائم لامحالة.
فن السيرة عند حنا مينه
حضور السيَرية والذاكرة في عالم حنا مينه الروائي، كان موضوعاً أيضاً لمداخلة د. فادية المليح حلواني من سورية المعنونة (فن السيرة عند حنا مينه بالأسلوب الروائي).
تجزم الدكتورة فاديا أن السيرة الذاتية عند حنا مينه، هي رواية، أو هي روايات، نقلها حنا إلى القارئ بهذا الشكل الفني تعلقاً بهذا الفن من جهة، وتواضعاً من أن يكتب سيرة لشخصه فقط من جهة أخرى، وتلك هي إحدى أهم ميزات حنا مينه، التواضع، المحبة، السلام الداخلي، الفن القصصي. في السياق ذاته تحدثت الدكتورة فاديا عن حنا مينه الروائي والناقد الملتزم وجهوده في المزاوجة بين الجانبين الفكري والفني في أعماله الروائية مع تفضيل للجانب الفكري الأيديولوجي على نحو لا يقبل التأويل على حساب الجانب الفني أحياناً، وهو ما ظهر بشكل واضح في روايته (الربيع والخريف) التي تعرِض جانباً من سيرة الكاتب الذاتية في سنوات المنفى التي قضاها في الصين والمجر، وقد جاءت بعد روايته (الثلج يأتي من النافذة) التي روى فيها قصة المناضل الاشتراكي والاضطهاد والملاحقة اللذين لحقا به وحياة المنفى القسري.
البحر والمرأة في أدب حنا مينه
الأستاذ بلال كمال عبد الفتاح من الأردن، اختار في مداخلته دراسة العلاقة التلازمية ما بين البحر والمرأة في أدب حنا مينه الروائي انطلاقاً من جواب لحنا مينه عن سؤال أثر البحر في حياته حين أجاب: (تأثير المرأة نفسه!!). وقد انتهى إلى وجود صفات تشابه إلى درجة التوحد بينهما، ولكن أيضاً كان ثمة صفات تناقض وتتعارض إلى درجة الانفصام، بحيث تعكس هذه الصفات حالات إنسانية ونفسية مختلفة.. وذهب الأستاذ عبد الفتاح إلى القول بأن الباحث عن البحر في أدب حنا مينه يواجه المرأة، تماماً كما يواجه الباحث عن المرأة في أدبه البحر.
تالياً استعرض عبد الفتاح مواضع تلازم المرأة والبحر في نظر الروائي حنا مينه، فالبحر في أدبه لم يكن مكاناً جغرافياً يتحدد بأبعاد وأسماء، بل نجده مكاناً وإنساناً وإلهاً، مادةً وروحاً، رمزاً وأسطورة، وفلسفة لمعنى الحياة ذاتها حتى غدت معظم أعماله -حسب تعبير مينه نفسه - مبللةً بمياه موجه الصاخب، لكن البحار لا تكون بحاراً عند حنا مينه إلا بوجود المرأة، وكل شيء دون المرأة سيبقى ناقصاً. وهكذا تكتسب المرأة خصوصية خالصة لتلازم ذكرها بالبحر، فتظهر زوجة وأماً وعشيقة وحلماً.. ومهما اختلفت صفاتها أسماؤها تبقى امرأة غير عادية.
البحر والمرأة في أدب حنا مينه، كما يرى الأستاذ عبد الفتاح، مرادفَين للمغامرة والتجربة، فهما مناقضَين للرتابة الاعتيادية، وهادفَين دوماً إلى التجديد والتغيير.
أول ما كتب...آخر ما كتب
مفارقة الجلسة الثالثة، التي تشهد على التطور الكبير الذي طرأ على تجربة حنا مينه الإبداعية، كانت في تناول أحد محاضريها البدايات الروائية لحنا مينه، بينما تناول الآخر آخر أعماله.
الدكتور عادل فريجات في مداخلته (حنا مينه في آخر ما كتب) تناول روايتَي حنا الأخيرتين: (الذئب الأسود)، و(الأرقش والغجرية)، بوصفهما روايتَين متكاملتَين، وذلك من زاويتَي الرؤية والفن عند حنا مينه، وقد رأى فيهما جملة من الأفكار والرؤى التي تبناها الكاتب في مسيرته الإبداعية الطويلة.
الروايتان تعالجان موضوعاً واحداً، هو الفساد الذي سرى واستشرى في أوصال اثنتين وعشرين غابة، تساوي في العدد الدول العربية الاثنتين والعشرين. وكما كانت الغابة كناية عن بلد، كان الذئب الأسود كناية عن الفساد. وعليه فالكاتب هنا يلعب لعبة الحقيقة والمجاز. أما زمن الرواية، فالقرائن تشير، حسب د. فريجات، إلى أنه كان عقد التسعينيات من القرن العشرين.
الدكتور فريجات رأى أن حنا مينه في هاتين الروايتين كان مثل نبع يتدفق بالمعارف الأدبية والفكرية والتاريخية والدينية، أما أهم تقنيات هاتين الروايتين، فقال الدكتور فريجات إنها كانت النظرة المزدوجة للأشياء كما ذكرنا، ورؤيتها من زاويتين اثنتين مختلفتين، وأنسنة الحيوان وإنطاق الطيور، والانفتاح على المسرح، الذي يعتمد أولاً على الأقوال أكثر من اعتماده على الوصف والتحليل.
وخلص أخيراً إلى القول: إن التحليلات التي حفلت بها هده الرواية، بقسميها الأول والثاني، قد حازت أصالة الرؤيا وسلامة القدرة على استبار الأعماق بألمعية. وهده مزايا ليست جديدة على حنا مينه الذي يُعَدُّ بحق شيخ الرواية السورية غير المنازَع كماً وكيفاً.
أما الدكتور محمد صابر عبيد من العراق فقد قدَّم قراءة سيميائية في رواية (المصابيح الزرق)، في مداخلته المعنونة (العنوان الروائي وبلاغة العلامة الجمالية). فرأى أن ردود الأفعال المؤيّدة والمعارضة قد طالت الكثير من مفاصل الرواية وعناصرها ومستويات تعبيرها، إلا أن العنوان الروائي بالذات لم يتعرّض للنقد بقدر ما حصل على الموافقة من لدن مجتمع القراءة، على نحو يمكن القول بأن عتبة العنوان (المصابيح الزرق) اكتسبت درجتها التشكيلية القطعية عند الروائي وعند مجتمع القراءة معاً، وفي ذلك دلالة واضحة على صيرورة التشكّل السيميائي لعتبة العنوان.
يرى الدكتور صابر أن عتبة العنونة (المصابيح الزرق) تتمتّع بمجموعة من الخصوصيات اللسانية والتعبيرية والسيميائية، وهذه الخصوصيات تعمل على نحو متجانس ومتفاعل ومتكامل لبلورة مناخ سيميائي وجمالي تتمتع به عتبة العنوان وتعبّر عنه بكفاءة عالية.
يتألّف المتن النصِّي للرواية، حسب الدكتور صابر، من ثلاثة فصول، تجانس الفصلان الأول والثاني في مساحتيهما الكتابيتين، إذ اشتغل كل منهما على ما يقرب من (140) صفحة، بينما اقتصر الفصل الثالث على (17).
الموضوعة المركزية للرواية هي (الحرب العالمية الثانية) في حدود انعكاساتها على المكان العام (سورية)، والمكان الخاص مدينة (اللاذقية) بوصفها المكان البؤري لعمل الرواية. أما الشخصيات فقد تمركزت - في الأغلب الأعم- في سياق شخصاني متجانس، كانت في معظمها شخصيات عاجزة وناقصة تلاءمت كثيراً مع الوظيفة السيميائية لعتبة العنوان (المصابيح الزرق)، إذ لم تتكشّف هذه الشخصيات في تعبيرها عن ذاتها وأنموذجها إلا عن جزء معيّن يسير من صفاتها وخصائصها، وبقيت الصفات والخصائص الأخرى محجوبة أو مسكوتاً عنها داخل الجزء الذي قام اللون الأزرق سيميائياً بمصادرته وحجبه من ضوء المصابيح. وعلى الرغم من تعدُّد الشخصيات وتنوّعها وانتشارها النوعي في مساحات السرد، إلا أن شخصية (فارس) كانت الشخصية المحورية التي التفّت حولها الشخصيات الباقية، وهي أنموذج للشخصية المحبطة المقهورة التي عانت الإقصاء والحجب والتعتيم على النحو الذي يتناغم مع علامية عتبة العنوان.
وكما كانت رواية (المصابيح) موضوعاً لمداخلة الدكتور محمد صابر عبيد قدم الدكتور عبد الرحمن الوصيفي من مصر (قراءة نقدية لرواية (الياطر)، فرأى أن الرواية تعالج حياة صياد فقير، يتعامل بعفوية بدائية مع الأشياء، وقد نجحت الرواية في تصوير هذه الشخصية الرئيسية والمحورية، والوقوف على خلجاته النفسية التي ارتبطت بالفعل ورد الفعل، ونقلتنا إلى عالمه الخاص، على نحو لم يلجأ إليه روائيون آخرون من تقديم الشخصيات بطريقة إجمالية سردية مباشرة، وأما الحوار فقد جاء، حسب الوصيفي، على استحياء، وبرغم قلته الملحوظة في الرواية إلا أنه وُظِّف من الناحية الفنية توظيفاً جيداً.
وذهب الوصيفي إلى القول إن الرواية تعد تجربة أدبية تصور بالنثر حياة مجموعة من الشخصيات تتفاعل مجتمعة لتؤلف إطار عالم متخيل، غير أن هذا العالم المتخيل الذي شكله الكاتب ينبغي أن يكون قريباً مما يحدث في الواقع الذي يعيش فيه. أما أبرز عيوبها، فيكمن كما يقول الوصيفي، في اتّضاح شخصية الكاتب وبروز آرائه وطغيان هذه وتلك على جو الرواية وشخصياتها، فضلاً عن وجود بعض التعبيرات البلاغية الغريبة على شخصية البطل الراوي. وقد يؤخذ على الرواية (الياطر) أيضاً قلة الشخصيات بجانب شخصية البطل الراوي ولا تظهر شخصيات أخرى من خلال السرد إلا عندما يتذكر، دون أن تؤدي هذه الشخصيات دوراً هاماً في تطور الأحداث والمضي بها إلى النهاية، كما ذكر المؤلف تفصيلات وصوراً جزئية عديدة لا تخدم الرواية ولا تؤثر في مسار أحداثها أو تطور أبطالها، فهو يسرف في تفصيل كل شيء.
النقد الخاص بحنا مينه
خلاصة القراءات النقدية لتجربة حنا مينه الروائية على مدار تجربته الطويلة، قدمها الدكتور عبد الله أبو هيف في مداخلته (النقد الخاص بحنا مينه)، وفيها تناول بالشرح المفصل مجمل القراءات النقدية التي بدأت تهتم بالروائي حنا مينه منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين على المستويين المحلي والعربي، وقد صدر أكثر من خمسين كتاباً تناولت أدبه كلياً أو جزئياً، حسب أبو هيف. وتوزع هذا النقد الخاص إلى المستويين التاليين: النقد الموضوعي والأيديولوجي، والنقد الفني والجمالي والسردي. وقد غلب النقد الموضوعي والأيديولوجي على أدب حنا مينه في عقدي السبعينيات والثمانينيات، ثم اتجه النقد الفني والجمالي والسردي منذ مطلع التسعينيات إلى التعالق مع الاتجاهات النقدية الحداثية التي تنطلق من داخل النصوص بالدرجة الأولى، مما يكشف عن المكانة الإبداعية العالية في أدبه. وخلص الدكتور أبو هيف إلى أن النقد الخاص بحنا مينه تطور كثيراً في مزاياه التالية: العناية بالموضوعات والقضايا والأفكار إلى حدّ كبير، تقدير إبداع حنا مينه الروائي في إثارته لقضايا الذات الوطنية والقومية، غنى النقد الفني والجمالي والسردي الخاص بحنا مينه بثراء الاتجاهات النقدية الحديثة، التقدير العالي لإبداع حنا مينه وتثمين مبدعاته الداعمة لوعي الذات ورؤى العالم وفهم التاريخ والتحولات المجتمعية والإنسانية، ترسيخ النقاد والباحثين والأكاديميين لعلم السرد في النقد الروائي والقصصي عند حنا مينه، التحليل المعمق للبنى الموضوعية والفنية في روايات حنا مينه، الاهتمام الواسع بالسرد السيري الروائي عند حنا مينه، والكشف عن أبعاده الفكرية والفنية، مما يجعل حنا مينه من المبدعين الروائيين الأوائل في الأدب العربي الحديث.
شهادات .. محبة
إضافة إلى القراءات النقدية لعالم حنا مينه الروائي، قدَّم سماح إدريس شهادة جاءت على شكل رسالة من سهيل ادريس إلى حنا مينه، كما استمع الحضور إلى شهادة للمهندسة سمر حمارنة، بعنوان (هكذا قرأت حنا مينه)، استعرضت فيها مضامين الكتاب الذي أنجزته عن حنا مينه متناولة مواضيع: حياة حنا مينه، وأخلاقياته، وعلاقته بأبيه، ومفهوم الرجولة عنده، وعلاقته بالمرأة وحكايته مع البحر وفلسفته لهذه العلاقة، وعلاقته بكل من مكسيم غوركي، وناظم حكمت وآرنست همنغواي.. إضافة إلى أرائه ومقولاته، لتخلص إلى قناعة أن أدب حنا مينه هو صنيعة حياته الخاصة، هو حياة مخطوطة على صفحات بيضاء.
أما الأستاذ محمد طيارة فقدم شهادته (حنا مينه.. أيقونة سورية) مستعرضاً جوانب إنسانية وإبداعية في تجربة مينه، بوصفه صديقاً قديماً له.