"خصوصية الرواية العربية" في "مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية" – 2 من 2

ماهر منصور قرأها 5
 

واصلت أيام مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية فعالياتها على مدار أربعة أيام، بدت خلالها دار الأسد للثقافة بالرقة444444rrrrrrrrrffffffvvvvvvvvvyyyytrt5.JPG ورشة عمل حقيقة لم ينقطع عنها حديث الرواية وشجون الأدب بين نحو خمسين روائياً وناقداً، حتى في أوقات الاستراحة، على نحو استحق المهرجان أن يحمل اسم عبد السلام العجيلي. وأن يكون احتفالية عربية بالرواية، تمنينا أن تكتمل باكتمال عدد من الورقات البحثية التي جاء بعضها (مما قدمه النقاد السور (أهل البيت)) على عجل، لم يرتق إلى مستوى الجهد الأهلي والرسمي المبذول في الإعداد للمهرجان.. إلا أن استسهال البعض لم يمنع تميُّز عدد من الأبحاث والدراسات النقدية التي تناولت (خصوصية الرواية العربية)، ولاسيما المساهمة الروائية النسوية في هذا المجال. إضافة إلى دراسات تناولت عالم عبد السلام العجيلي الروائي، في إطار الحديث عن خصوصية الرواية. فضلاً عن شهادات لعدد من الروائيين في تجاربهم الإبداعية بما يتقاطع مع الحديث عن خصوصية الرواية.

عالم عبد السلام العجيلي الروائي:

بدا موضوع عبد السلام العجيلي الأكثر حضوراً في المداخلات البحثية، فمنها ما تناول تجربته الإبداعية تناولاً مباشراً، ومنها ما اختار أن يشكل الحديث عن تجربة العجيلي مدخلاً للحديث عن (خصوصية الرواية العربية).

الدكتور واسيني الأعرج من الجزائر، رأى في مداخلته (عبد السلام العجيلي أيقونة القوة الصامتة). إن الحكاية التي أنجزها عبد السلام العجيلي على مدار نصف قرن من الممارسة الإبداعية تشكل مدونة كاملة قابلة للدرس والتحليل، نظراً لاكتمالها واستقامتها للدرس الأدبي. فهي لا تشذ مطلقاً عن قاعدة المنجز الثقافي العربي والإنساني.

وعبَّر الدكتور الأعرج عن قناعته بأن العجيلي ظل طوال رحلة نصف القرن يبدو في الظاهر كاتباً هاوياً، لم يكن هاوياً إلا بالقدر الذي يستفيد فيه من حريته المطلقة. وتبدو هذه الحرية فعلاً مقدساً في كتابات العجيلي، تستحق وحدها بحثاً مفرداً. من هنا، فإن الذين يعدّونه مجرد كاتب هاو بالمعنى الساذج لا يعرفونه جيداً. حتى ولو كان خطاب الكاتب يقود إلى ذلك. فنصه احترافي بامتياز. وخلص د. الأعرج إلى القول: (بأن تجربة العجيلي حية ومكتملة في خطاباتها وهواجسها واختياراتها واستراتيجياتها الكتابية والحياتية... وقد تنوعت مداخله وأجناسه التي اختارها. ولو أن هناك هيمنة قصصية سردية عليها.

وفي مداخلة الدكتور د. محمد سالم سعد الله من العراق (ارتحال النص- دراسة في الخطاب الروائي لعبد السلام العجيلي) رأى أن إبداع العجيلي يأتي في عرض خطابه الفكري والنفسي والفلسفي من خلال صياغات فنية استوعبتها المساحة النصية في جنس الرواية.

وانتقل د. سعد الله إلى دراسة إمكانات الخطاب الروائي عند العجيلي من خلال النص الروائي (قلوب على الأسلاك)، فرأى أن التكوين الفني الذي نهضت به الرواية هو تكوين وصفي، أسهم في تحديد مجموعة من التصورات الدلالية، وتقديم حشد من الأفكار المتعلقة بالشخصيات أولاً، وبالبيئة ثانياً. وفيما يتعلق بالحركة الدرامية للشخصيات أكد د. سعد الله أن الشخصية الرئيسة البارزة امتلكت الحدث ومكوناته، وقدمت تعليقاتها وآراءها وطبيعة تصوراتها حول الشخصيات والأحداث. وأشار إلى إن الفضاء الكتابي في خطاب الرواية اتسم - في الغالب- بالحديث بوساطة صيغة (الأنا) العارفة بكل شيء، وبسبب سيدة هذه الصيغة برز أسلوب (المونولوج) بوصفه أسلوباً مميزاً حدد فضاءات الزمان والمكان للخطاب الروائي.

أما د.نضال الصالح من سورية، فرأى في مداخلته التي تناول فيها (الخصوصية) في عالم عبد السلام العجيلي- رواية (أرض السيّاد)، مثالاً، أن أعمال العجيلي الروائية أشد ما تكون التصاقاً بالواقع وحفاوة به. غير أن مقاربته لهذا الواقع تقول ما هو سياسي عن طريق ما هو اجتماعي، ولا تتحدد الخصوصية في ذلك العالم، حسب الصالح، بإلحاح العجيلي على موضوعات وثيقة الصلة بالأحداث الكبرى، بل تتجاوز موضوعات النصوص المكونة لذلك العالم إلى البناء الفني لنصه الروائي أيضاً.

وحول رواية (أرض السيّاد)، قال الصالح إن الخصوصية تتجلى فيها على مستوى المحكي عبر أربع لوحات سردية: ما يعني أمير غزلان، ما يعني (السيّاد)، ما يعني مركز الاستصلاح، ما يعني مجتمع الغجر. في البنية الروائية لـ(أرض السياد) رأى الصالح أن المحكي فيها يتوزع على أربعة فصول، مؤكداً أن العجيلي لا يقدم السمات المميزة لمكونات الخصوصية في الرواية في موقع محدد منها، وإنما ينثرها بين غير موقع من السرد، وعبر غير شخصية من شخصيات الرواية، وغير تقنية من تقنيات السرد.

وعن (العجيلي وقضية الحرية) تحدث إبراهيم العلوش من سورية، فتناول تجربة العجيلي في حرب فلسطين 1948، معتبراً أن هذه التجربة كانت معْلماً فارقاً في أدب العجيلي ومحاضراته، أثر في حياته ومعرفته وجعل الحرية والدفاع عنها بنداً أساسياً في حياته. ولفت العلوش إلى أن العجيلي جعل من تجربته في حرب فلسطين وسيلة لنقد الأنظمة الفاسدة، والتجربة ذاتها هي التي حصَّنته من الانجرار خلف الفساد.

خصوصية الرواية العربية-رؤية ثقافية وتنظيرية:

شهلا العجيلي من سورية، في معرض حديثها عن (خصوصية الرواية العربية-رؤية ثقافية) تناولت تعدُّد المرجعيات الثقافية للنص الروائي وواحديتها، قبل أن تشرح فلسفة الخصوصية في هذا النص.

ورأت شهلا العجيلي أن حتمية التاريخ اقتضت أن تكون الكتابة العربية في العصر الحديث كتابة مقاومة، وأن يكون أدبنا أدباً ما بعد استعماري، على نحو لا يمكن لنا التفكير بثقافتنا مستثنين فكرة الاستعمار وعقابيلها. وخلصت شهلا إلى أن الخصوصية تبدأ بتفكيك الآخر المستعمر، ثم تنسحب على ما أسمته (بتفكيك أي سلطة تهمِّشني أو تقصيني ثقافياً واجتماعياً أو تضعني في خانة اللامفكر فيه). ولفتت العجيلي أخيراً إلى أن ثمة خصوصية أكثر شمولية تظهر في استنهاض التراث القومي عبر تقنيات التثبيت والإزاحة، أيضاً الهجنة والصفاء ملمحان أساسيان في تجليات الخصوصية، يظهران بحالة نوستالوجية.

وفي السياق ذاته، جاءت مداخلة د. مصلح النجار من الأردن (المنظومة الفكرية لرواية عربية جديدة-مساهمة في التنظير) للتساؤل عن المنظومة الفكرية المنشودة، التي ينبغي أن تتوافر في الرواية العربية اليوم، ليكون ذلك موقفاً مقابلاً يعي خصوصية المرحلة، ويصور متطلباتها، ولاسيما أن موقف الآخر أخذت تغلب عليه خلال المرحلة الأخيرة سمة سلبية متأتية مما تنتجه أجهزة الإعلام، تحولت من إطار العداء الفكري إلى ممارسة العنف.

وطرح د. النجار مفهوم (ثباتيات القيم) بوصفه المكون لهوية شيء ما، لافتاً إلى أن الحاجة إلى ثباتيات القيم تزداد حين تكون الأمة في حالة نكوص حضاري أو ثقافي، وهذه المرحلة تتطلب مفكرين روائيين، وروائيين مفكرين. وعلى عاتق هؤلاء ستلقى مسؤولية تسويق الذات، وتسويق النص الروائي والبحث عن متسع لقبول هذا النص لدى المتلقي غير المحلي. على أن يأخذوا في الحسبان أن (نكتب لشعوبنا، بوصفنا عرباً، وللآخرين بوصفنا شركاءهم في الإنسانية).

خصوصية الرواية العربية-المساهمة الروائية النسوية:

انطلاقاً من مشروعية الحديث عن خصوصية الرواية العربية، تناولت د. أسماء معيكل من سورية خصوصية المساهمة الروائية النسوية في هذا المجال، فقدمت دراسة تطبيقية مقارنة تدور حول نموذجين روائيين نسويين نسبة لمضمون العملين وشخصياتهما، الأول (جورة حوا) أبدعته روائية- امرأة (منهل السراج) والآخر(سمر الليالي) أبدعه روائي- رجل (نبيل سليمان). وقد تناولت ثلاثة محاور في المقارنة، الأول هو رؤية العالم في كل من الروايتين، إذ لحظت (التسجيلية والمباشرة والحدة في (سمر الليالي) مقابل غيابها في (جورة حوا)). وفي الثاني تتبعت د. معيكل ملامح صورة المرأة في الروايتين، فكانت في رواية منهل السراج (صورة حية تسعى من خلالها إلى الحديث عن قضايا المرأة)، في حين صورة المرأة عبر نماذج نبيل سليمان (تكاد أن تكون واحدة لكل النماذج بوجوه مختلفة)، وحول اللغة الروائية بين (جورة حوا) و(سمر الليالي) رأت أن لغة منهل (تمور بالحركة وتمتلئ بما يعبر عن وعي الروائية بمعنى التخييل الذي يمنح النص أدبيته)، بينما لحظت (غياب تعدد المستويات اللغوية الموجودة في (سمر الليالي) فجميع الشخصيات تستخدم مستوى لغوياً واحداً).

الكاتبة ربيعة ريحان من المغرب رأت في مداخلتها أن رحلة الصراع التي تحدد العوامل التاريخية لإقصاء النساء عن الكتابة وتحدد حضورهن الإبداعي، هي التي جاءت بكاتباتنا من الظل إلى الساحة الثقافية، في مسعى لايختلف كثيراً عن المبدعات الغربيات كتجربة إنسانية.

ولفتت ريحان إلى أن رائداتنا خضْنَ بعزم هذا الصراع، وأن كثيراً منهن عانين التشويه وسوء الفهم ولم يجرِ استيعابهن إلا على نحو متقطع، على نحو وسمت أعمالهن عند بعض النقاد بتقييم لا يخلو من نزعة مغرضة، وربما انتقامية أحياناً. إلا أن الروائيات العربيات من الجيل اللاحق قد وعين تجربة الرائدات، فشكَّلن إضافة نوعية في النسيج الروائي العربي وأعاد حضورهن إلى خريطة الرواية العربية نوعاً من التوازن الفكري. وبعضهن تقدمن في الفن الروائي وكنَّ أكثر جرأة في طرح القضايا والتعامل مع الواقع، كما تخلصن من الإحساس بأنهن (جماعة دخيلة)، وفرضن بالتالي صوتهن. وخلصت ريحان إلى القول بأنه لابد من الاعتراف بأن المساهمة الروائية للكاتبة قد عملت على إخصاب الرواية العربية بعطاءاتها النوعية.


الرواية التركية.. نظرة في النشأة والتطور:

خمسة كتاب أتراك شاركوا في مهرجان العجيلي للرواية، وقدَّموا ورقة بحثية واحدة حول نِشأة الرواية التركية وتطورها، وفيها عُرض للروايات التي تناولت قضية الشرق والغرب في الرواية التركية بوصفها المشكلة للبذور الأولى في تطور بعض الكتاب المستخدمين المادة التاريخية فكرياً. وفيها أبرز الكتاب الأتراك الدراما الفردية أحياناً، وعناصر الثقافة الاجتماعية في أحيان أخرى عبر طروح طوروها في أعمالهم. وقد سيطر المفهوم التاريخي المنتقد للتغريب الأعمى، والمستهدف حداثة ليست غربية على تشكيل البنية الروائية. ورأت الورقة البحثية أن القرية صارت وثيقة قومية في نتاج روائي عصر الجمهورية، ومع بروز المدينة تناولت الرواية التركية على الأغلب شخصيات بورجوازية وبورجوازية صغيرة وعمالية. لافتة إلى أن رواية ما بعد عام 1980 التركية تميزت بتوجهات أساسية نحو الابتعاد عن التجريد واستخدام الصور على نطاق واسع، وتحليل الفردية والهروب من الواقعية نحو التقاط الفنتازيا والاستخدام المكثف للاستعارات والتشبيهات.

شهادات في التجارب الإبداعية

الكاتب يوسف أبو رية ألقى شهادة عن (الكتابة على مفترق الطرق)، بين رحيل القرية بملامحها الراسخة، والعوالم الجديدة بعاداتها وسلوكياتها وعمارتها وتقاليدها. أما الروائي والقاص خليل الرز فقدم (شهادة بالخصوصية)، كانت الأكثر تأثيراً وصدقاً وسط ما قدم من شهادات، وفيها أكد الرز أنه سيحاول أن تتقاطع شهادته مع حديث المهرجان عن (خصوصية الرواية العربية). وهي مجرد محاولة لأن مفهوم الخصوصية عنده قلق وملتبس. الروائي المصري ياسر عبد الحافظ قدم شهادة شغلت بفعل الكتابة، تناول فيها العامية كسلطة دون نص داعياً لفهم أبعاد استخدام العامية في النص الأدبي، ليخلص في النهاية إن (الانحياز للفصحى أو العامية على حساب الأخرى يعني رؤية تصف الصورة المشوهة فقط). وتناولت ميرال في شهادتها (غواية المؤنث) الطحاوي من مصر أسئلة الكتابة النسوية المزمنة، وكيف لا تكون الكتابة النسوية فخاً للمباشرة، وكيف لا تسقط في صغائر الثأر القديم من الذكور.

ولاحق إبراهيم الخليل في شهادته (ما أخطر أن تكون وريثاً! تفاصيل المكان في الرقة، لينتهي إلى ذلك الإرث الذي يمنحه المكان وخطابه البليغ الذي يميزه وتأويلاته المغرقة في القدم، ويقف على حافة السؤال: ألا يكفي الإرث لإنجاز نص روائي له مرجعيته العربية وخصوصيته.