شوقي بغدادي: الزمن خير معلم ولا يمكن القبض على الحقيقة المطلقة

ماهر منصور قرأها 6
 

على مشارف الثمانينيات، يقف شوقي بغدادي ولم يسأم الحياة بعد، فما زالت تدب في جسده روحه، دون أن يبدو أن انقراص الفقرة الخامسة5h5656666666666666666hy46h556g.JPG في ظهره، قد نال منه أكثر من انحناءة صغيرة تكاملت مع اشتعال رأسه بالشيب، واشتعال قلبه بالحياة.. على نحوٍ ترك للعمر البيولوجي ماله من سنوات محدّدة بشهادة الميلاد، واحتفظ بعمر الشباب، روحاً، ثابتاً لا يتغير، يضبط على إيقاعه حركة شوقي المبدع، وشوقي المثقف، وشوقي الزوج والأب، وشوقي الصديق..

في كل مرّة على مدار سنوات عمره الطويلة كان شوقي بغدادي مختلفاً عن الآخرين، شخصية قيادية، حادّة وقوية، واثقة، تهوى الحياة وصراعاتها فلا تهدأ ولا تستكين، ولا ترضى لنفسها دوراً ثانوياً أبداً في الحياة حتى في لعبة الكرة... هكذا بدت طفولة الشاعر شوقي بغدادي، وعلى إيقاعها راح يشقُّ لنفسه قدراً مختلفاً اختاره منذ سنوات عمره الأولى.

أما الآن وقد هدأت شهوة الحياة فيه، فقد بدأت نزعة تأمُّلية تظهر بوضوح عليه، تتركه يجلس بهدوء، يتأمّل ويراقب تحولات الطبيعة وتحولات الإنسان، ويحاول أن يفسِّر من التفاصيل الصغيرة قضايا كبيرة... وقد بدا أن هدوء نفسه مع التجارب والتقدّم في السّن قد فتح أبواباً أكثر لنزعة تأملية تعبِّر عن نفسها بشكل أكثر فأكثر، وهو ما عدَّه شوقي: (طبيعياً.. وهو ليس نتيجة عامل واحد، وإنما تدخل فيه العوامل الشخصية، وعوامل الزمن والعوامل الفكرية، حتى إني أستطيع أن أقول العوامل الكونية..  فمن أكبر العوامل التي تشكل طريقة تفكيري اليوم مشكلة التّلوّث والتّصحّر وثقب الأوزون وشعوري بأن الكوكب الذي نعيشه عليه مهدَّد بالفناء..  وهذا ما يقودني للاعتقاد أنه لا الاشتراكية ولا الرأسمالية ولا أي نظام آخر يجب أن يسود، وإنما ما يجب أن يسود فعلاً هو تضامن البشر، إذا أمكن ذلك، في حكومة واحدة لإنقاذ الكوكب ...).

يجزم شوقي، وهو يقف على مشارف الثمانينيات ويتأمل معارك الحياة السياسية والثقافة والأدب كما عاشها، بأن (الزمن هو خير معلم، وأن تجارب الواقع خير دروس..)، فيستعيد لحظة من سنوات شبابه ليقبض على روح ما يبرهن صحة نظريته اليوم، قائلاً:

(شبابنا برهن، رغم خيباتنا، على أننا من النوع الذي يتّصف بروح المبادرة، لا نستطيع الوقوف على الحياد في النضال الوطني والسياسي والفكري.. لذلك، مبكّراً دخلنا المعركة بكل فروعها..  وكانت في كل تفاصيلها دليلاً على أن جيلنا كان من النوع المتوقِّد بروح المبادرة، وهذا ما ساعدني على أن أقوم بمراجعة لنشاطي كله، فأكتشف ما فيه من أخطاء وعثرات، وما فيه من إيجابيات، وتالياً امتلاك الشجاعة لإعلان ذلك كله دون أن أخفيه..).

أسأل شوقي مثالاً ينهل من  شجاعة الاعتراف تلك، فيخبرني:

(بدأت، مثلاً، أميل إلى الاعتقاد بأن تأليف تكتلات أدبية ليس مفيداً دائماً، بل إنه يخلق فرصة للتعصّب، والأفضل أن يُترك كل كاتب على حريته، وأن يجتمع الكتاب ضمن تجمعات صغيرة، متضامنة أو متشابهة..  لقد اكتشفت أن النضال الوطني ـ إذا كان متعصِّباً لفكرة أو إيديولوجية معينة تحسب نفسها أنها تملك الحقيقة وحدها ـ مضرٌّ جداً، وهذا ما أعاقنا عن فهم الدهاليز العميقة للتحولات الفكرية والسياسية في الوجود البشري عامة، من الناحية الفلسفية ومن الناحية الواقعية.. فلم نكن نملك الحقيقة كاملة ونحن نناضل في سبيل الاشتراكية، كنا نمتلك جزءاً منها، ولكن تعصُّبنا وغرورنا كانا يوهماننا بأننا نمتلك الحقيقة كاملة، ولكننا كنا مخطئين).

ولا يرى شوقي في تحولاته تلك تغيراً:

فـ(أنا لم أصبح رأسمالياً، يقول شوقي، ولست من أنصار النظام الرأسمالي.. ولكنني أعدُّه نظاماً ديناميكياً حيوياً، يمكن الاستفادة منه، وليس بالضرورة بالشكل المفروض أمريكياً... بمعنى أن نخلق نظاماً، يجمع -إذا كان ذلك ممكناً- بين الانفتاح الإنساني الاشتراكي وبين الديمقراطية)..

وعلى هذا النحو كان شوقي يعبّر عن قناعته التي انتهى إليها اليوم:

(الحقيقة المطلقة لا يمكن القبض عليها دائماً.. هذه المسألة يجب على المرء الاعتراف بها، وبذلك يكون منصفاً لنفسه، وللآخرين من حوله، ويستطيع أن يقارب الحقيقة أكثر من غيره..).

تحولات شوقي المستمرة، والمضبوطة بدروس الحياة وتجاربها الطويلة، وتالياً إخلاص الجسد لصاحبه، ساعد الرجل وهو على مشارف الثمانينيات أن يعيش تفاصيل حياته كاملة، رغم أنف الفقرة الخامسة في ظهره.. يخبرني: (لحسن الحظ صحتي جيدة، ولا أذكر أمراضاً تعيقني عن ممارسة نشاطاتي التي تعودت عليها..  ومن هنا لم أغير عاداتي).

يستعيد شوقي أمامنا شيئاً من عاداته:

(عادة النقاش الثقافي، أحبها كثيراً، يقول شوقي، نجتمع في البيت أو المقهى لمناقشة كتاب، وهي عادة نمارسها من حين إلى آخر، ولكن لابد من كتاب جيد..  هناك اجتماعات أسبوعية لشلة الأصدقاء.. أنا وغسان جبري، جمال عبود، توفيق الأسدي، محمد طربية.. إضافة إلى أصدقاء آخرين، نجتمع مساء كل ثلاثاء.. وما عدا ذلك فحياتي محصورة بنشاط لا يفتر لتنظيم حياتي العائلية، فأنا حتى الآن موضع ثقة زوجتي وأولادي، وهم يطلبون مني المعونة.. )، ولا يخفي شوقي أن معونته تلك تصل حتى المطبخ فيقول: (أساعد زوجتي في الطبخ وفي الجلي وفي تنظيم البيت)... ثمة عادة لم تتغير في حياة شوقي أيضاً وهي ارتياده المنابر الثقافية المختلفة والمشاركة في الندوات والأمسيات، وهو من جيل الروّاد القلائل الذين حافظوا على علاقة حارّة ومتواصلة مع جيل الشباب، أسأله لماذا؟ فيجيب: (هذه الخاصة فعل أصيل في نفسي، منذ كنت أميناً عاماً لرابطة الكتاب العرب، كنت أتوجه دائماً نحو نوع من المصالحة والانتباه للأجيال الجديدة، وأكتب عنهم لأني أعتقد أن مستقبلي الشخصي مرهون إلى حد كبير بهذا الاهتمام، وحتى أكتشف ملامح التطور الصحيح في الحياة الفكرية والثقافية عامة، وكيف تفكر الأجيال الجديدة، وهو الأمر الذي لا يقرأ دائماً في الصحف وإنما تكتشفه من خلال العلاقات..).

وسط جيل الشباب هؤلاء يجد شوقي أكثر من وريث شرعي له، بل ويرى فيهم (أشياء أعمق من شوقي بغدادي، فهم شباب يحملون من الحكمة ما كنت أفتقده في عمرهم).

التصاق شوقي بالمشهد الثقافي السوري على مدار أكثر من نصف قرن بدا مدعاة لسؤاله عن المشهد الثقافي اليوم، وهو مشهد وصفه شوقي بـ(المضطرب المعكّر، ففيه مشاهد توحي بالضجيج، وأن الحالة ممتازة، من خلال، مثلاً، ما تنظمه المؤسسات الكبرى وتجمع فيه جيوشاً من الناس لسماع أشخاص لا يستحقون الوقوف على المنابر، وفي المقابل هناك مراكز ثقافية من حين إلى آخر تقدم جلسات جديرة فعلاً بالاهتمام والتأمل والنقاش، ولكن الأهم من كل ذلك أن الحياة الثقافية فيها حياة في الظل، أقصد الحديث الخاص الذي يدار في البيوت وفي المقاهي، مما يوحي بأن الحياة الثقافية عندما تذبل وتتضاءل من ناحية تفتش عن مخارج لها، ولو على نحو غير مباشر لكي تستمر وتعيش. وسورية اليوم لم تزل حتى الآن تقدم مبدعين جيدين ولكن ليس بانتظام وبتدفق.. لذلك لا أستطيع أن أحكم بالسلب تماماً على مشهد يبدو لي مضطرباً وهذا لا يعني أنه ميت).

المشهد الثقافي لم يبدُ مضطرباً لشوقي بل ومتناقضاً أحياناً، هكذا رآه وهو يجد نفسه رهينة رأيين متضاربين: (الأول يصدر أمراً بإيقافي عن الكتابة في جريدة تشرين، ويوعز بعدم التعامل معي في الصحف الأخرى، والآخر وزارة الثقافة راغبة في إقامة حفل تكريم لي، وقد عرفت أن رئيس البلاد استشير في الأمر ولم يمانع.. لذلك عبّرت عن دهشتي وأردت أن تصل دهشتي إلى الجميع)، وكان شوقي قد تساءل من على منبر تكريمه في ندوة دعت إليها وزارة الثقافة مجموعة من الأدباء والكتاب العرب والسوريين: (أليس مدهشاً أن تكون من الضالين المغضوب عليهم..  ثم ترى نفسك فجأة موضع حفاوة وتكريم؟).

في كل الأحوال يرى شوقي بغدادي أن تكريمه (عمل إيجابي وجيد  بكل معنى الكلمة، ولكنه يبقى ناقصاً إذا بقيت محروماً من الكتابة في الصحف الرسمية). لافتاً إلى أن (وزارة الثقافة لحسن الحظ، وفي السنوات الأخيرة، ولاسيما وزارة رياض نعسان آغا، أقامت حفلات تكريم مدهشة.. فشكراً لهذا الوزير ولكل من شارك في التكريم).

اليوم يعمل شوقي على التحضير لمجموعة شعرية ستصدر قريباً قال: إنها (ستعطي فكرة عن التحولات التي طرأت عليّ.. )، كما يعمل على التحضير لإصدار مجموعة قصصية جديدة، ويفكر بكتابة رواية أخرى (أتمنى أن أجد الهمة لذلك).

ورغم أن شوقي لا يشعر بالشيخوخة ويعيش باستمرار مع العالم، فهو لم يعد يؤمن بالأحلام الأكيدة.. (الأحلام نفسها تتطور)، يعلّق شوقي، وبطبيعة الحال لم يعد ينتظر النجومية ولا يسعى إليها فـ (كلمة النجومية، يقول شوقي، فقدت بريقها لكثرة ما تستعمل في غير مكانها)، إلا أن شوقي لم يخف أمنيته: (أسعى إن أمكن ذلك إلى أن أؤثر بمن حولي..). وقد جعلته أخطاء الماضي لا يتردد في تمني أن تكون قراراته في هذه المرحلة قرارات صائبة لا يندم عليها، شارحاً ذلك بالقول: (صرت حذراً أكثر مما مضى، لم أعد أنخدع بالوعود والخطابات.. .ولكن هذا الحذر لا يعني المقاطعة والحيادية).