الذكرى الحادية والعشرون لغياب فواز الساجر: طوبى لمن ربح الحب.. فربح نفسه وربح العالم

ماهر منصور قرأها 559
 

الذكرى الحادية والعشرون لغياب فواز الساجر: طوبى لمن ربح الحب.. فربح نفسه وربحالعالم

بقلم: ماهر منصور

حين قدم فواز الساجر أهم مسرحياته كنت طفلاً لم أتجاوز بعد سن السادسة من عمري.. وحين رحل (أبهى أبناء جيله) كما يصفه حسن م يوسف كنت قد بلغت الثالثة عشرة... لا أدعي أني شاهدت مسرحياته ببراءة طفل.. لا أريد أن أوهم أحداً أنه ربت على كتفي في أمسية جمعتنا..

لا أريد أن أرسم تقاطعات ومصادفات بيني وبينه.. ببساطة لم ألتق بفواز الساجر إلا في ذاكرة أصدقائه وطلابه وعلى الأوراق التي كتبت عنه أو حاورته... ورغم كل ذلك أعلن انتمائي الكلي إلى جيل فواز الساجر، الساجر وحده ومن يشبهه.. ولا أجد حرجاً بادعائي هذا الانتماء.

كانت صورة جيل فواز الساجر تتكامل بالشكل الذي أعلن انتمائي إليه، كلما جمعتُ صورتَيْ فواز الساجر وسعد الله ونوس.. تلك الصورة التي اجتمع فيها (مقولة الحب لفواز الساجر والحرية لسعد الله ونوس) على حد تعبير صباح ضميراوي في جريدة (النور)... ومن منا لا يشتهي الانتماء إلى عالم عماده الحب والحرية...؟!

وحين يضيق المكان حولنا على الحرية يأخذنا الحب في بعض أحضانه نحو فضاءات أوسع..؟! بهذا المعنى فقط يستطيع القارئ أن يدرك معنى أن أعلن انتمائي إلى جيل الساجر، وبهذا المعنى سيبدو مغرياً أن يعلن آخرون انتماءهم إلى الجيل ذاته.
انطلاقاً من معهد الغيتس بموسكو حيث أنهى دراسته الأكاديمية عام 1972 مروراً بمسرح الشعب بحلب، فالمسرح الجامعي بحلب، وصولاً إلى انطلاقته الفعلية مع المسرح الجامعي بدمشق، مروراً بتجربة رائدة مع المسرح الوطني الفلسطيني، فتأسيس المسرح التجريبي في سورية مع سعد الله ونوس، وتالياً المساهمة في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1978 وسلسلة عروض مع طلابه - النجوم بدءاً من (سهرة مع أبي خليل القباني) عام 1981، انتهاء بعرضه الأخير (سكان الكهف) للمسرح القومي عام1988، كان فواز الساجر في كل مرة يؤسس لنص حب جديد.. يترك أبواباً مفتوحة لعشاق جدد يعلنون انتمائهم إلى جيله، الجيل الذي فطر على الحب.

الحديث عن الملامح الفنية لمسرح الساجر يعدّ طوباوياً، ما دمت قد اعترفت أعلاه أن جلّ عروضه قدمت ولم أزل طفلاً، إلا أني ربما أستطيع أن أجزم أن التجريب الذي أسّس مسرحه مع الراحل ونوس وقدّم أولى عروضه لا يشبه ما يقدم اليوم على مسارحنا على أنه (تجريب) في المسرح.. فالتجريب الذي سعى إليه المخرج الساجر، والذي أستطيع الآن أن ألملم ملامحه من كلمات الساجر نفسه إذ قال في حوار معه عن المسرح التجريبي: (كان هاجسي الأساسي هو الوصول إلى المتفرج مستفيداً من طبيعة تكوينه وخصوصيته الشرقية، ولذلك بدأت أختبر معلوماتي وقناعاتي المسرحية، وقد اضطررت للتخلي عن الكثير من هذه القناعات بسبب بعدها عنمتفرجنا رغم أكاديميتها وثبات صحتها). ولعل في عبارة الساجر هذه وحدها ما يفضح أي كارثة تشهدها مسارحنا اليوم باسم التجريب.

الساجر مدرسة مسرحية أدعي أنني لا أستطيع أن أعطيها حقها النقدي.. ربما أحيل المهمة لآخرين عاصروا التجربة وإرهاصاتها... لكني في الغالب أرى في فواز الساجر مدرسة للحياة، إذ تكاد لا تخلو شهادة عنه من حكمة تصلح أن تكون (روشتة) للتعايش مع هذا العالم... تقول فاطمة ضميراوي (زوجته) إنه (رسم الحلم في إحدى رسائله صورة كبيرة بألوان لزوجين سعيدين على طبق من البرغل). وينقل سعد الله ونوس (صديقه) قول فواز: (لكي تستمتع بحواسك يجبأن تنمِّي مناخاً يسمح للفعل أن يستمتع والعاطفة والحيوية والإنسانية أن تستمتعبكليتها). ويقول أيمن زيدان (تلميذه) إن فوازاً كتب له رسالة يوم سافر إلى موسكو قال فيها (طوبى لمن ربح نفسه وخسر العالم..). ويشهد غسان مسعود (تلميذه) على أن فوازاً (رفض (الدوغما) فالفكر ليس (قمقماً)، وهذا هو السبب في أن فوازاً أعاد نظره في الحياة والإنسان).

الرابط ما بين المدرسة المسرحية التي كونها الساجر، ومدرسة الحياة كما أرادنا أن نعيشها كان الحب. هكذا نستطيع أن نلتقط بسهولة من كل القصاصات والحكايات والمسرحيات والأقوال التي تركها الساجر... لذلك لن يبدو غريباً أن يكون همه الأساسي الذي اجتهد المخرج الساجر لتحقيقه وسط طلاب الدفعة الأولى في المعهد العالي للفنون المسرحية (أن تنصهر الذات في بوتقة الجماعة، وأن تتحول الأنا إلى النحن)، كما يقول تلميذه في تلك الدفعة الفنان أيمن زيدان.

ولعل الحب وحده هو الذي كان يقف وراء هزائم الرجل وانتصاراته.. وبالحب وحده استطاع المخرج الساجر أن يجعل من (فن المسرح.. الفن المدون على الريح) حسب تعبير سعد الله ونوس.. فناً منقوشاً على الحجر، لا يفك رموزه إلا من أدركه الحب.. لذلك فقط ربما أدرك البعض قيمة المخرج الساجر.. وللسبب ذاته لم يدرك البعض الآخر بعد قيمة المخرج الساجر، أو ربما يدركه ويخفي، أليس الحب في بعض زماننا عيب!

طوبى يا فواز لمن ربح الحب.. فمن ربح الحب، هكذا علمتنا، ربح نفسه وربح العالم حتى لو توهمنا نحن (أهل حكَّ لي لأحكَّ لك) أنه خسر العالم!.