(بيت جدي).. آخر أعماله.. وأكثرها اعترافاً بنجوميته
ناجي جبر.. رحيل (النموذج) والجسد
بقلم: ماهر منصور
بعد نحو أربعين عاماً من التجربة المثيرة والغنية للدراما السورية ، لم تستطع أن تقدم نموذجاً لـ (القبضاي) موازياً لشخصية الفنان ناجي جبر. فبقيت مفاهيم (الزكرتية) غائمة حتى لو أشبعت دراما البيئة الشامية بالقبضايات..

فالخنجر والكز على الأسنان و(المرجلة) لم تكن جميعها السر في أداء شخصية (القبضاي).. ولعل من يعود ليراقب أداء (القبضاي أبو عنتر).. يستطيع أن يدرك أن السر أولاً في عفوية أداء الممثل للدور، لا في الدور ذاته.
اليوم، برحيل الفنان السوري ناجي جبر، يبدو أن الدراما السورية ستكون أمام استحقاق تقديم البديل المقنع للفنان جبر.. ولعلها ستنتظر طويلاً قبل أن تستطيع أن تقدم اسماً واحداً يضطلع بأدوار (القبضاي) كما كان يؤديها الراحل ناجي جبر من خلال شخصية (أبي عنتر).
حضور الفنان ناجي جبر بشخصية أبي عنتر، بدا جزءاً من الذاكرة الشعبية لا عن بدايات الدراما السورية وحسب، وإنما عن تفاصيل حياتية قديمة عاشها الناس في دمشق، ذلك لأن شخصية أبي عنتر التي ولدت عام 1971، وبالتحديد من خلال مسلسل (صح النوم)، هي كما شخصيات المسلسل الشهير، لم تأت من فراغ. جميعها ولدت من رحم الشارع الدمشقي بكامل مفرداته. وهكذا أضحى اسم (أبي عنتر) هو الاسم الوحيد للفنان جبر بين الناس، وساهم في ذلك توثيق علاقة هذه الشخصية مع الناس من خلال استمرار حضورها في أكثر من عمل درامي وفق خط سير واحد لسلوك الشخصية. وكما كانت ثنائية دريد ونهاد الأخيرة تجمع بين غوار الطوشة ونقيضه حسني البورظان، فإن ثنائية دريد وناجي تجمع بين غوار الطوشة وأبي عنتر أصحاب المشاكل، وهي ثنائية عادت لتظهر بوضوح في الأعمال اللاحقة مثل (وين الغلط) و(ملح وسكر) و(وادي المسك) و(أبو المفهومية) وانتهاء بـ(عودة غوار).
ولدت شخصية (أبي عنتر) مصادفة حين التقى المخرج خلدون المالح بالفنان المغمور الشاب ناجي في إحدى مسرحيات محمود جبر، وكان بصدد إنتاج مسلسل (صح النوم) عام 1971، وعندئذ فكر باستقطاب هذا الممثل ليقدم دور ياسينو. إلا أن الدور على ما يبدو لم يكن ملبياً طموح ناجي جبر، فاعتذر عن الدور، مفضلاً عنه دوراً صغيراً لسجين في مشهد السجن الذي يدخل إليه (غوار). ورغم أن الدور الذي اختاره الراحل جبر كان ثانوياً وشبه صامت، إلا أنه كان كافياً ليكتشف الثلاثي دريد ونهاد والمخرج خلدون المالح قدرات الفنان الشاب الحقيقية، ومنذ ذلك الوقت بدأ المرحوم نهاد قلعي يكتب له شخصية (أبي عنتر). وقد عرف عن الراحل نهاد قلعي أنه كان يكتب شخصياته الدرامية لممثلين معينين، وكانت الكتابة تتم خطوة خطوة، ووفقاً لما تتطلبه ظروف العمل وإمكانات الممثل نفسه،الأمر الذي يؤكد أن من كان وراء القصدية في البناء الدرامي لشخصية أبي عنتر على النحو الشهير، هو الفنان ناجي جبر نفسه، الذي أضاف إلى الشخصية من روحه.. إلى أن خرجت إلينا بشكلها المعروف: شروال وصدرية وكوفية وطاقية وكلمة (باطل) المطبوعة على الذراع، فضلاً عن ما التصق بتلك الهيئة من لغة شعبيّة خاصة كقوله (عرضية)، (مالا فكاهة)، (مالا مازية).
ورغم أن ولادة شخصية أبي عنتر كانت مصادفة، فإن استمرارها بلا شك كان بقوة موهبة الراحل ناجي جبر وحده... ذات القوة التي دفعت الراحل نهاد قلعي ليفرد مساحة أكبر ورئيسية لشخصية أبي عنتر في أعماله اللاحقة مع دريد، إلى درجة جعل منه ودريد ثنائية جديدة، تضاف إلى ثنائيته ودريد.
ومن التلفزيون انتقلت شخصية أبي عنتر إلى السينما، بذات الهيئة والسلوك، عبر مجموعة من أفلام القطاع الخاص سبباً إضافياً في منحها عمراً أكبر في الذاكرة، منها فيلم (صح النوم)، و(شقة ومليون مفتاح)، (غوار جيمس بوند)، و(قاهر الفضاء) و(الاستعراض الكبير).
بعد سنوات طويلة من ولادة شخصية أبي عنتر، بدا الفنان الراحل ناجي جبر مهتماً بالحفاظ على هذه الشخصية، لكنه أدرك بعد أن افترقت (جماعة صح النوم)، إن صح التعبير، أن الحفاظ على سلوك الشخصية لم يعد كافياً ليحمل عملاً درامياً وحده، فأحدث تغييراً جوهرياً في تسعينيات القرن الماضي على مضمون الشخصية، وهكذا صار أبو عنتر صاحب المشاكل، لدرجة البلطجة أحياناً، هو نفسه المدافع عن حقوق الآخرين، وصاحب الرؤية الاجتماعية الناقدة الذي يدفع بقوته لحماية الآخرين، وانتقاد الخطأ.. وهذا ما ظهر بوضوح في الكوميديا الاجتماعية الناقدة (يوميات أبو عنتر) التي شكلت العودة الرسمية لشخصية أبي عنتر بمضمونه الفكري الجديد.
الصورة التي ظهر فيها ناجي جبر تلفزيونياً من خلال (يوميات أبو عنتر) كانت الصورة التي ظهر فيها دائماً على خشبة المسرح، فخريج مسرح محمود جبر الاجتماعي الناقد كان من الصعب أن يحلق بعيداً عن توجهات هذا المسرح، هذا المسرح الذي أخلص له حتى آخر أيام حياته. ومع فرقته الخاصة أسس الراحل ناجي جبر لتجربة مسرحية اجتماعية ناقدة لم تقلّ عن تجربة أخيه الرائد محمود جبر.
إلا أن شخصية أبي عنتر، بسلوكها، شكلت بالواقع واحدة من مشاكل نجومية الفنان ناجي جبر، رغم أنها كانت سبباً لشهرته.. ويدرك المتابع أن الفنان ناجي جبر كان كلما تخلى عن هذه الشخصية كان يقترب أكثر من أدوار البطولة المطلقة، حتى إنه شكل والفنان أديب قدورة حجرَيْ رهان الأدوار الرجالية في سينما القطاع الخاص السورية في ذروة إنتاجها. فقدم الراحل جبر دور البطولة في أفلام منها (أموت مرتين وأحبك) لجورج لطفي خوري، وفيلم (باسمة بين الدموع).
بعد تلك الفترة الذهبية من تجربة الراحل جبر الفنية، انقطع عدة سنوات عن العمل في التلفزيون، وكان الإنتاج السينمائي بطبيعة الحال قد توقف.. ليبقى الفنان الراحل محلقاً خارج السرب وحده، مخلصاً للعمل المسرحي، عبر فرقته الخاصة.. إلا أن سنوات الانقطاع عن الدراما التلفزيونيّة كانت على ما يبدو سنوات لإعادة اكتشاف قدرات الفنان الراحل التمثيلية، من خلال مسلسلات البيئة الشامية، بدءاً من (أيام شاميّة) إذ أدى دور شخصية (سيفو) الطريفة، وتبعها بتقديم شخصية (نمر) في مسلسل (الخوالي).
ثم قدم الراحل جبر مع المخرجة رشا شربتجي شخصية ضابط أمن في مسلسلها (غزلان في غابة الذئاب)، وعاد المخرج سمير حسين ليقدمه في مسلسله (أسير الانتقام) بشخصية رجل الأعمال المستهتر.

في العام الماضي قدم الراحل ناجي جبر أربعة أعمال هي: (أهل الراية) و(الحصرم الشامي) و(أولاد القيمرية) و(بيت جدي) الذي قدم فيه دور البطولة المطلقة، وكان هذا الدور في الغالب بداية الاعتراف بمقدرات الرجل الفنية.. ومساحة أظهرت مقدرات إضافية في أداء الفنان جبر، وأعادت تقديمه بموهبته كاملة لجمهور التلفزيون، هو الدور الذي أنهى حياته به، وكأنه أراد أن يؤكد أنه كان يستحق أكثر من الأضواء قبل أن يغيب.