تستحق الرقة أن تكون عاصمة الثقافة السورية لعام 2006، وربما منهج عمل يقتدى به في العمل المؤسساتي الثقافي الرسمي، والشراكة مع قطاعات العمل الأهلي، لاسيما وأن العلاقة ما بين الرسمي والأهلي في الرقة تجاوزت حدود الشراكة التقليدية نحو اندماج كامل جعل من هذه المدينة الصغيرة الغافية على نهر الفرات مصدراً للمعرفة والثقافة لسورية، إضافة إلى أنها مصدر غذائي مهم للبلد.
برعاية هذه الشراكة نجحت مديرية الثقافة بجعل الرقة مدينة للمهرجانات: مهرجان شعر، الندوة الدولية لحوار الحضارات، مهرجان مسرح، مهرجان للفرق التراثية" أجلت بسبب الحرب على لبنان" و..أخيراً مهرجان للرواية العربية، الذي قدم نفسه باسم أديب الرقة ومعلمها الذي ينافس الفرات، الروائي الراحل عبد السلام العجيلي.
وتحت رعاية اندماج الرسمي بالأهلي انطلقت في الرقة فعاليات مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية في الفترة من 17 إلى 20/12/2006 بمشاركة نحو خمسين روائياً وناقداً من تركيا وتونس والجزائر والمغرب والعراق والأردن وفلسطين ومصر والأردن إضافة إلى سورية، قدَّموا على مدار الأيام الأربعة أبحاثاً وشهادات تناولت مواضيع (خصوصية الرواية العربية)، إضافة إلى دراسة عالم عبد السلام العجيلي الروائي في إطار الحديث عن هذه الخصوصية.
الجلسة الأولى التي ترأسَّها الروائي والناقد نبيل سليمان افتتحت بمداخلة بحثية للناقد الدكتور عبد الله إبراهيم من العراق حول (السرد والرؤية الأنثوية للعالم)، وقف فيها عند ظاهرة هي الأكثر أهمية، حسب تعبيره، في الأدب الروائي الذي كتبته المرأة العربية، هي (ظاهرة الوعي النسوي بالذات، وبالعالم، ثم الرؤية السردية التي ظهرت نتيجة ذلك. وهي في مضمونها ترفع اعتراضاً جوهرياً-معلناً أو مضمراً- على الثقافة الذكورية التي صاغت الوعي الاجتماعي العام صوغاً أحادياً يفتقر إلى التعدد والتنوع، وهذا أفضى إلى تكريس نوع لا يخفى من أحادية الرؤية).
الناقد د.إبراهيم رأى أن الرؤية الأنثوية الصاعدة في مجال الآداب السردية العربية الحديثة لا تنقطع عما هو قائم من رؤى، لافتاً إلى أن الرواية النسوية قدمت أمثلة كثيرة على أن التمثيل السردي للرؤى الأنثوية اتخذ مساراً صاعداً أغنى مدونة السرد العربي الحديث. وميز الدكتور إبراهيم نقاطاً خمساً في الكتابة السردية النسوية العربية. فالرؤية الأنثوية تركب عالماً تتعرض فيه الأبوية- نظاماً وثقافة- إلى التأزم، وتتخذ السيرة النشوئية للمرأة (البنية النرجسية) موقع المحور الذي تدور حوله الرواية النسوية. كما أن أغلب الروايات النسوية تبدأ بمتابعة المرأة منذ طفولتها المبكرة مروراً بشبابها لتنتهي والنساء في ذروة حيويتهن. كما يحضر فيها العنف بوصفه ركيزة من ركائز الثقافة الأبوية الذكورية. وأخيراً فضح الكتابة النسوية طبيعة المؤسسة الزوجية القائمة على اختزال الزوجة إلى (كائن ثانوي وليس شريكاً).
وخلص د. إبراهيم أخيراً إلى (أن هوية الأنثى في الكتابة النسوية هي قيد التشكُّل، فتمضي أحياناً لممارسة دور إصلاحي، وأحياناً تخوض تجارب كثيرة وتتعلم في الغرب. ولكن قوة النسق التقليدي لمجتمعها تجعلها تعيد تكرار تجارب أسلافها من النساء. وبين هذين الاختيارين تندرج الاختيارات الأخرى بين رفض معلن أو مضمر ورغبة بعض النساء في اختراق حواجز الأديان والطوائف).
الناشرة الجزائرية د.(آسيا موساي) تناولت في مداخلتها (رواية الجيل الجديد في الجزائر- الخصوصية والطموح)، أهم الهواجس التي سيطرت على الرواية الجزائرية الجديدة المكتوبة باللغة العربية، فتحدثت عن إشكالية الهوية والتباسها حين يقف الروائي الذي يكتب بالعربية على تخوم أسئلة الهوية: من أنا وإلى أي ثقافة أنتمي؟ وما الذي يحدد ملامح هويتي؟ ورأت د.موساي أن الرواية الجزائرية الحديثة اتسمت بالجرأة وبالوضوح لناحية مساءلة الثورة الجزائرية. ولفتت إلى ان اغتراب المثقف تيمة تكررت في عدد كبير من الرواية، إضافة إلى الصوفية واستلهام الماضي، كما كان للأحداث التي عاشتها الجزائر وأدخلتها دوامة الإرهاب الدموي مكانها في الرواية، وإن تم تناولها بحذر وبمقاربة تخلو من الخلفية الإيديولوجية. وبالمقابل اندمج جيل الروائيين بطريقتهم في الهم القومي العربي، مع إبقاء عين على أوربا. وخلصت آسيا موساي إلى أن السنوات الأخيرة قدمت أصواتاً نسائية روائية بقوة تميزت بالكتابة الحرة غير المقيدة بالمكان والزمان الجزائري.
(عبد السلام العجيلي مترجماً إلى الفرنسية) كان موضوع مداخلة الدكتور جمال شحيِّد الذي توقف عند عدة نقاط في وضع الكتاب العربي المترجم إلى الفرنسية، هي: واقع الترجمة إلى الفرنسية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، واختيار الكتب التي يراد ترجمتها سواء من الكتب المهمة لأدونيس ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني... أومن تلك الكتب التي يحكمها أحياناً النظرة الاستشراقية القديمة، أو التي تلقى هوى أوربياً، أو التي تخضع للعلاقات الشخصية. و حول ما ترجم لعبد السلام العجيلي إلى الفرنسية وسويته الفنية فتناول الدكتور شحيد ترجمة المستشرقة (أوديب بيتي) لرواية العجيلي (قلوب على الأسلاك)، مستعرضاً مقدمة الترجمة التي كتبها جاك بيرك للكتاب ، عرض فيها رؤيته لرواية العجيلي.
كما تناول الدكتور إبراهيم الخليل في مداخلته شعرية الأمكنة في رواية (أرض السياد) لعبد السلام العجيلي، خلص فيها إلى أن هذه الرواية ليست كغيرها من الروايات، فهي من حيث المكان اتخذت منه أداة للتعبير عن ارتباط الحاضر بالماضي وعن الصراع بين المستغِلين والمستغَلين وعن العلائق بين بيئة وأخرى، واتخذت كذلك من المفارقة أداة للتعبير عن الفوارق الطبقية، والثقافية، وأداة للتشكيل الجمالي، سواء من خلال السرد أو من خلال الشرائح الوصفية التي تمثل الأسلوب الإنشائي الرفيع للكاتب.
في الجلسة العلمية الثانية التي ترأسها المبدع الجزائري واسيني الأعرج، وتحت عنوان إشكالي قدم الدكتور الناقد المصري سيد بحراوي مداخلته تحت عنوان (عن أي خصوصية نبحث؟) رأى فيها الدكتور بحراوي أن سؤال الخصوصية لم يطرح طرحاً صحيحاً حتى الآن، وبالتالي نحن لن نصل إلى تيجة صحيحة، متسائلاً: أين ينبغي أن تكون الخصوصية..؟
وذهب الدكتور بحراوي إلى القول بأن الرواية العربية لم تحقق بعد خصوصيتها، لافتاً إلى أن الخصوصية تتحقق عندما تتضمن محتوى قومياً للشكل الفني، بمعنى أن يلتقط الروائي القيم الجمالية للإنسان العربي ويجسدها في نتاجه الروائي، بعد أن يخرج من إطار طموحاته الطبقية للصعود عبر السلطة أو المال أو العالمية.
عبد السلام العجيلي شكَّل محور مداخلة الدكتورة ماجدة حمود (عبد السلام العجيلي وسؤال الهوية)، رأت فيها أن سؤال الهوية في إبداع العجيلي كان سؤالاً فاعلاً، يعنى بمواجهة الذات بكل ضعفها وتخلفها في الوقت نفسه مواجهة الآخر بكل جبروته وعدوانه، وهو الأمر الذي اعتبرته الدكتورة ماجدة يميز العجيلي عن غيره من الأدباء بوصفه كان دائماً في مواجهة مع الذات.
ولفتت د. حمود إلى أن العجيلي كان مواكباً للحظة وعي الذات العربية بهويتها وهي تواجه عدوها، وقد ساعدته في ذلك البيئة العربية الأصيلة التي نشأ فيها، وثقافته المتنوعة والمنفتحة، مشيرة إلى أن روايات العجيلي أتاحت لنا فرصة فهم الذات، فتلمسنا من خلالها عيوباً تنخرها وتنغص إحساسها بهويتها. كما أنها أبرزت لنا أزمة المثقف بوصفها أزمة فعل وانتماء.
إلى جانب المداخلات البحثية خلال اليوم الأول قَدَّم عدد من الروائيين شهادات في تجاربهم الروائية. فقدَّم الروائي المصري سمير الفيل (شهادة عن الرجال الذين حاربوا)، بينما أثار الروائي السوري سمير عامودي كثيراً من النقاط الإشكالية في شهادته التي قدمها على أنها (مقاربة شهادة. يذكر إن عدداً من الفعاليات الفنية والثقافية تقام على هامش المهرجان، منها معرض مؤلفات عبد السلام العجيلي وأدباء الرقة، و معرض صور عبد السلام العجيلي، ومعرض الفن التشكيلي لفناني الرقة، ومعرض لمنشورات دار الحوار.