فليكن الثامن من آذار يوم تضامن مع المرأة .. قرن يكاد يكتمل والنقاش مستمر

لقد مرّ نحو قرن على إعلان النساء الاشتراكيات في مؤتمرهنَّ في "كوبنهاغن.. 1910" يوم الثامن من آذار يوماً عالمياً للمرأة، وبعد مرور هذه العقود الطويلة، ثمة أسباب عديدة تدعو إلى التوقف عند هذه المناسبة، فقد تم إحراز قدر كبير من التقدم في مجال النهوض بالمرأة في مختلف أنحاء العالم، فمن تحسين التشريعات إلى تعزيز المشاركة، ومن التمكين الاقتصادي إلى التحرر الفكري، إلا أن هذا اليوم العالمي يذكرنا أيضاً بأن الحياة اليومية تظل تشكل بالنسبة لأغلبية نساء العالم كفاحاً صعباً بل خطير في بعض الأحيان.
كيف نجعل العالم يتحسس أهمية القضايا الخاصة بالمرأة، فيهتم بها وبيومها العالمي على نحو جدّي يطرح المشكلات الكثيرة التي تحيط بالمرأة؟.
وكيف تعبّر المنظمات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء استمرار مناخ عام ينتقص من حقوق المرأة ويسلبها العديد من الحقوق التي كفلها لها الدستور والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان؟.
كيف نجعل من الثامن من آذار محطةً تتوقف عندها مجتمعاتنا العربية لتتفحّص ما أنجزته على طريق تحرير المرأة من القيود والعوائق التي تحول دون مشاركتها الفاعلة في عملية نهوض الأمة وتقدمها؟.
لماذا لا تعطي تقارير التنمية البشرية المؤشرات الكافية بإحراز تقدم ملموس في الاستفادة من قدرات المرأة العربية؟.
متى يمكن إعادة النظر في الهياكل والعلاقات السياسية والاقتصادية والإدارية السائدة التي تعيق تنمية المجتمع ككل وتميز ضد المرأة؟.
ماذا يعني أن نستمر في مطلع القرن الحادي والعشرين على تكرار المقولات نفسها لأول القرن العشرين، إذ نكاد نحصر قيمنا وأخلاقنا بحجاب النساء، وشرف النساء، وضجر النساء، والنظر إلى الوراء ورؤية كم يشبهن جداتهنَّ على رغم ابتعادهن أربعة أو خمسة أجيال، وأن جرائم الشرف تعني قتل المرأة لا شريكها في "قلّة الشّرف"؟.
لماذا لا يكون يوم المرأة العالمي "8 آذار" من كل عام حدثاً وطنياً بامتياز، تتبناه الحكومات وقوى المجتمع وهيئاته السياسية والاجتماعية والثقافية؟.
لقد كان الثامن من آذار في مراحل ماضية محصوراً ببعض التنظيمات التي لها طابع يساري. ومحاصَراً جداً لاعتبارات سياسية واجتماعية. أما الآن فقد أصبح لهذا اليوم انتشاره الواسع في مختلف بقاع العالم وفي أعماق الأوساط الشعبية والجماهيرية، ولهذا التحول دلالاته التي قد تؤشر نظرياً على الأقل إلى مدى تجذّر الدعوة لمشاركة المرأة بالشأن العام، وانتشار ذلك انعكاس لوعي مجتمعي بدور المرأة وأهمية حضورها، الأمر الذي يجعل متابعة هذه المسائل وغيرها ضرورة ملحة لمعرفة حقيقة الوضع المجتمعي في التعامل مع المرأة والاعتراف بحقوقها، لأن غياب المرأة أو محاصرة دورها هو من أهم المعوقات أمام التنمية البشرية. ويبقى وضع المرأة العربية شاهداً بارزاً على عجز مجتماعتنا عن تمكين المرأة ورفد هذا التمكين بعملية التنمية.
إن تخلّف التشريعات القانونية في ما يختص بوضعية المرأة في الفضاء العربي، يلعب دور العقبة والمانع لتطوّر المرأة. فالقانون حاجة اجتماعية هامة، ويمكن للقوانين أن تكون أقوى وأكثر تقدماً من المنظومة الثقافية السائدة في المجتمع، ومن الواقع الاجتماعي نفسه، إلى أن يتم التوازي بين البعدين بفعل تراكم التجربة الاجتماعية مع الزمن الذي يتيح للقيم والقوانين فرصة الانتشار والرسوخ.
لقد احتفل العالم في العام الماضي بيوم المرأة العالمي تحت شعار "دور النساء في اتخاذ القرارات". وقد أشار الأمين العام للأمم المتحدة: "أنه تم إحراز بعض التقدم في مجال تمثيل المرأة"، ففي كانون الثاني عام ،2006 بلغت نسبة النساء في البرلمانات رقماً قياسياً جديداً في العالم، فهناك "11" امرأة يتولَّين رئاسة دول أو حكومات موزعة على مختلف القارات. وفي تشيلي وإسبانيا والسويد وألمانيا وليبيريا يتساوى عدد النساء والرجال في الحكومات، أما في العالم العربي فقد ازدادت نسبة تمثيل النساء. وحققت المرأة السورية الكثير من المكاسب في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويزداد تمثيلها في مجلس الشعب من دورة إلى أخرى، وتوسع نسبياً اشتراكها في الحكومة، وغدت مئات بل ألوف النساء يشغلن مواقع مسؤولة تساعد على تطور شخصية المرأة السورية وتفتحها، وتوصلها إلى إشغال الكثير من المواقع الهامة والمؤثرة في حركة المجتمع وتطوره.
ويشكل هذا مصدر اعتزاز لنا جميعاً بيد أن عوامل كثيرة، موضوعية وذاتية ما تزال تعرقل تطور المرأة السورية، من بين هذه العوامل القوانين والتشريعات المتعلقة بها، ومسألة الأمية، وموقعها في الإنتاج والبطالة.
ويعدُّ التشريع التونسي المتعلق بالمرأة من أبرز التشريعات أهمية في الوطن العربي، كما يعدُّ قانون الأحوال الشخصية في تونس تجربة رائدة ونموذجية في العالم العربي والإسلامي، إذ تمكَّنت المرأة التونسية من تجاوز مفهوم "الطاعة" إلى مفهوم "الشراكة" الفاعلة مع الرجل في مختلف الميادين، وتصل نسبة وجود المرأة التونسية في البرلمان إلى 5,22% و 19% في مجلس المستشارين، و 15% في الحكومة و 20% في السلك الدبلوماسي، و 6,27% في المجالس البلدية و 32% في مجالس المحافظات.
يعد القانون التونسي بالمقارنة مع القوانين العربية الأخرى، أكثر اقتراباً من تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في مسائل الأسرة والأحوال الشخصية، فقد استطاع المشرع التونسي بتشجيع من القيادة السياسية تحقيق المساواة الاجتماعية بين النساء والرجال في إطار رؤية تحديثية للدولة في أعقاب الاستقلال الوطني.
إن مناصرة المرأة في حقوقها وفي وجودها ليس فقط من باب التشبّث بحقوق الإنسان على نحوٍ عام، ولا من باب الأخذ بقيم العصر فحسب، إنها بكلمة، حرص على الحضارة ومبدئها، لعل ذلك ما يتوجب علينا تذكره في الثامن من آذار.
إننا ندرك صعوبة المهمة التي نتصدى لها وندرك أن مسألة النهوض بالمرأة تتطلب جهوداً مكثفة وواعية من الجميع، حكومات ومؤسسات وأفراداً وأعلاماً، فليكن يوم الثامن من آذار يوم تضامن مع المرأة في نضالها من أجل حقوقها.

النور