"إن اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة في العشرين من تشرين الثاني 1959 تعتبر وثيقة دولية هامة، حازت قبولاً نوعياً وغير مسبوق في العالم من أجل مستقبل أفضل وأكثر إنسانية. وفي إطار نظرة جديدة إلى الطفل بصفته شخصية مستقلة لها الحق الكامل في التمتع بحقوقها في البقاء والنمو والحماية والمشاركة في تقدم المجتمع".
من تقرير مسيرة الأمم المتحدة،
الصادر عن منظمة اليونيسيف للطفولة
عام 1997.
استقبل العالم الأول من حزيران، يوم الطفل العالمي، في وضع يشعر فيه الكثير من الأطفال بعدم الاستقرار في حياتهم وطفولتهم وعدم الاعتراف بحقوقهم التي أعلنتها اتفاقية حقوق الطفل.
الأول من حزيران هو مناسبة لمراجعة واقع الطفولة التي لاتزال في بلادنا تعاني مشكلات كثيرة أهمها: الأمية، الفقر، البطالة والانخراط في العمل، العنف. إلخ. ورغم أن بعض البلدان العربية ومنها سورية حققت نجاحات هامة وتقدماً ملموساً في تطوير واقع الطفولة، عند مقارنتها بما كان سائداً في العقود الماضية، غير أن أموراً كثيرة لاتزال تعترض نمو الطفولة في بلادنا وتطورها تطوراً سليماً.
في العملية التربوية
اعتبرت الجمهورية العربية السورية تعليم الأطفال قضية تنموية أساسية، كما حققت إنجازات كبيرة في معدلات الالتحاق بمرحلتي التعليم الأساسي، على المستوى الوطني، ولا يوجد فجوة كبيرة في الالتحاق بين الجنسين. إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في التسرب، خاصة في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي، رغم إلزامية التعليم. وتقدر نسبة من يصل إلى الصف الرابع من الأطفال ب85% من الملتحقين بالصف الأول، وهذا يعني أن هناك تسرباً بحدود 15%. ويرتبط بالتسرب المدرسي ازدياد الأمية، مما يفاقم التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ويدفع بالأطفال إلى سوق العمل والتشرد، وتشكل الفتيات الجزء الأكبر من حالات التسرب، خاصة في المناطق الريفية والشعبية الفقيرة.
تبلغ نسبة الأطفال 53% من عدد السكان في سورية دون سن الـ19 عاماً، نصفهن تقريباً من الإناث. وقد أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف قبل أعوام إلى أن استنكاف الفتيات عن الدراسة يقترب في بعض الحالات من50% في جيوب سكانية معينة في بعض المحافظات.. وقد اتجهت وزارة التربية إلى تطبيق المنهاج المكثف بحيث تستطيع الفتاة الطالبة أن تتلقى تعليمها الأساسي في نصف المدة النظامية في عدد متزايد من القرى، غير أن ذلك لم يتحقق على النحو المطلوب. وتنظم وزارة الثقافة والاتحاد العام النسائي السوري صفوفاً لمحو الأمية للفتيات اللواتي لم يعد بإمكانهن الالتحاق بالمدارس النظامية، ويجري لفت انتباه المجتمعات المحلية وتوعيتها بأهمية تعليم الفتيات.
الأطفال في سوق العمل
إن ظاهرة تشغيل الأطفال التي تفاقمت في سورية في العقود الأخيرة وما يرافقها من مشكلات وآثار تفرز أعداداً كبيرة من المشردين الذين أهدرت طاقاتهم، فلا تستفيد منهم مجتمعاتهم بالشكل الأمثل، ويتحول العديد منهم إلى عناصر غير سليمة وغير مستقرة على أرصفة الشوارع وفي الأزقة، ويلجأ بعضهم إلى ممارسة أعمال وضيعة، في وقت تقتضي فيه أصول التربية السليمة أن يكون هؤلاء ضمن وسط يمنحهم الحب والرعاية ويؤمن لهم حاجاتهم الاجتماعية والصحية والاقتصادية والعلمية.
وتتركز عمالة الأطفال في سورية في مجال الزراعة بشكل خاص، بينما يعمل البعض في الخدمة في المنازل، أو باعة متجولين، أو ماسحي أحذية، أو في المعامل والدباغات، وورش البناء، وصناعة السماد، ومكبات النفايات، والتسول في الشوارع.. إلخ.
هناك علاقة وثيقة بين المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة وعمالة الأطفال، تتمثل في:
1. درجة الفقر في المجتمع، واضطرار العائلة لإرسال صغارها إلى العمل للتغلب على فقرها.
2. تفاقم البطالة التي تصيب قوة العمل، والعجز عن توفير فرص عمل مناسبة للكبار.. فالأطفال يجدون فرصاً أكثر للعمل مما هي متوفرة للكبار، ويتم استغلالهم في ظروف بالغة القسوة: ساعات عمل طويلة، وأعمال مرهقة، لقاء أجر مادي زهيد، ودون ضمانات مستقبلية، مما يعيق تطورهم الجسدي والفكري.
3. فشل مشاريع التنمية في مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
4. الانحلال الأسري الذي يدفع بألوف الأطفال إلى الشوارع.
5. هناك ما يعرف بجرائم "تسييب الأطفال" أي تركهم دون مراقبة وإهمالهم، فيتعرضون للانحراف والجريمة.
وتطرح عمالة الأطفال مسألة الحقوق القانونية المكرسة لحمايتهم وتطبيقها، ورغم التزام سورية بالاتفاقيات الدولية والتشريعات المتعلقة بالطفولة، مثل قانون العمل الذي عُدّل لصالح الطفل فيما يتعلق بتحديد السن للالتحاق بالعمل، وتحديد شروط الاستخدام وساعات العمل وأوقاته، وأمكنة العمل ونوعها، والأحكام الخاصة بأشكال عمل الأطفال، إلا أن تطبيق ذلك على أرض الواقع لايزال قاصراً جداً، مما يجعل الأطفال أسرى هيمنة قوة مسلطة وقادرة على تجاوز القوانين واستخدام نفوذها.. وتعتبر هذه الظاهرة إحدى الأزمات الاجتماعية الحادة التي يجب معالجتها بنظرة شمولية إلى حقوق الإنسان ومنها حقوق الطفل.
جذور العنف عند الأطفال
ممارسة العنف ضد الأطفال من أكثر المشاكل تعقيداً في مجتمعاتنا، وهي نتيجة لمفاهيم وتصرفات مختلفة، منها النفسية المريضة للأهل الذين تعرضوا للاضطهاد أو العنف في طفولتهم، أو بسبب ظروف مادية تعانيها الأسرة.
العنف الأسري بشكليه اللفظي والجسدي، حتى لو لم يرتبط بإيذاء جسدي مباشر، يترك آثاراً سلبية على نفسية الطفل، ومازال يعتبر شأناً عائلياً ووسيلة لتأديب الطفل والطفلة..
والعائلة في هذه الحالات لا تتضمن الوالدين فقط، بل أفراداً يصنفون ضمن العائلة الكبيرة: الإخوة والجد والعم والخال وأبناءهم، وتنعكس النتائج السلبية لهذا التدخل على العلاقات غير المتكافئة داخل الأسرة والمجتمع. وكذلك مازالت بعض المدارس تستخدم العنف الجسدي ضد الأطفال رغم قرار المنع.
هل يمكن إدراك ماذا يعني شعور طفل مغتصب، أو معذب، أو مهان؟ فالعنف ضد الأطفال لايدمر فقط نفسية الطفل، بل يدمر المجتمع بأكمله، لأنه ينتج أطفالاً يحملون العنف بكل أنواعه وهذا خطير جداً.
وهناك أشكال عديدة من العنف تواجه الفتيات الصغيرات في سورية والمنطقة العربية، كالتهميش والزواج المبكر والحرمان من التعليم، وما يسمى بـ"جرائم الشرف"، ويقابل هذا كله بصمت المجتمعات، والتكتم على العنف المنزلي، مما يساعد على استمرار الظاهرة وآثارها، وغالباً ما يتم التستر على العنف ضد الطفلات، ولا يناقش علناً إلا في أحوال نادرة، ويتم استغلال العادات والتقاليد البالية مبرراً لاستخدام العنف الذي يضر بالطفلة والأسرة والمجتمع.. ويتم ذلك في غياب إحصاءات دقيقة، فمواجهة المشكلة تقتضي أن نعترف بوجودها، وهو الخطوة الأولى للتصدي لها، ولكن الصمت للأسف يبقى الحالة الطاغية في مثل هذه الحالات.
إن الاستغلال الجنسي الواقع على الأطفال يعد من أكثر القضايا خطورة.. وتعمل مؤسسات معنية بالطفولة وحقوق الإنسان وهيئات إعلامية على مواجهة هذه الظاهرة والقضاء عليها، بنشر الوعي والعمل المشترك لخلق جبهة متماسكة على الصعيدين الوطني والأسري، لمنع تعرض الأطفال لمثل هذا الاستغلال الخطير.
إن تربية الطفل مرتبطة بالبنية الاجتماعة السائدة في المجتمع. فالأطفال الذين يولدون ويعيشون في بيئة تتسم بالبؤس والجهل والانحراف وفيها نوع من القهر النفسي، يعيشون حالة عنف دائمة، ولا يمكن تجاوز هذه البنية إلا بجملة من المكونات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. وهذا الأمر لا يأتي بقرار أو بمؤتمر بل لابد من العمل لتغيير البنية الاجتماعية، وهذا يتطلب القضاء على البطالة والأمية والجهل، ورفع مستوى التعليم وتفعيل دور المرأة.