"إلفة الإدلبي" وعناق تراب الوطن (1912 – 2007)
رحلتْ "إلفة الإدلبي"، إحدى رائدات الأدب الحديث وعاشقة دمشق، والمساهمة النشيطة في عدد من الندوات والجمعيات الثقافية أواسط القرن المنصرم. وصاحبة المجموعات القصصية والروايات التي رصدت نفحات دمشق.
ومن أعمالها (قصص شامية) عام 1954، ورواية (دمشق يا بسمة الحزن) التي أخرجت للتلفزيون. وكتاب (نظرة في أدبنا الشعبي)، وقد ترجمت بعض أعمالها إلى لغات أجنبية عديدة.
وساهمت إلفة الإدلبي في النضال الوطني التحرري ضد الاستعمار الفرنسي مع العديدات ممن عاصرنها، ومنهن: وداد سكاكيني وريمة كردعلي وزينب شحادة وثريا الحافظ.. وغيرهن، كما واصلت نضالها بعد الاستقلال من أجل تحرير المرأة من الجهل والتخلف.
ومن مواقفها الوطنية نقتطف أجزاء من حوار أجريته مع الكاتبة الراحلة، ونشر في عدد (نضال الشعب) 556 تاريخ 20/4/ 1998، تحدثتْ فيه عن النضالات الوطنية في المدارس، ومنها الموقف الذي عقب احتفالاً لاستقبال المندوب السامي الفرنسي هنري دوجوفنيل، ومشاعر الغضب التي سيطرت على الطالبات بسبب إجبارهن على ارتداء ثياب مزينة بشرائط تمثل العلم الفرنسي. ومما ذكرته:
"عندما انتهى الحفل خرجنا من المدرسة وتوجهنا إلى محل لصناعة النسيج الوطني كنا قد سمعنا به، واتفقنا مع صاحبه على صنع عدد من الكنزات، لها في أسفلها إطار يحمل ألوان العلم العربي. وقد وافق صاحب المعمل بحماسة.
كان لباسنا آنذاك (الملاية) التي كانت عبارة عن (برلين وتنورة) وبينهما قميص أو كنزة يظهر طرفها في الوسط. وبعد عدة أيام لبستُ ورفيقاتي هذه الكنزات، أذكر منهن: ثريا الحافظ، ويسرى ظبيان، وسعاد السادات. وقد لفتنا الأنظار في الشوارع التي مررنا بها، ونظر إلينا المارة وأصحاب المحلات بإعجاب. أما الشباب فكانوا يتطلعون بحماسة.
ما زلت أذكر غضب المديرة والناظرة وتهديدهما، وقد أوقفتنا المديرة في الإدارة، وطلبت منا خلع الملابس، فرفضنا التنفيذ، وحاولت استدعاء أهلنا وتهديدنا بالطرد. فعدنا إلى بيوتنا، وخاف بعض الأهل أن نطرد من المدارس انتقاماً، فسكتوا على مضض، ولكننا كنا قد عبرنا عن مشاعرنا تجاه قضية بلدنا وتحرره".
وتكمل السيدة إلفة حديثها:
"أثار هذا العمل ضجة كبيرة وصلت إلى الثوّار، وبينهم الشاعر أحمد الشهابي، فنظم قصيدة بهذا المعنى. وكذلك واصف عمر باشا الذي كان في الغوطة مع المجاهد حسن الخراط وجماعته.
في عام 1927وبعد اتصالات ومشاورات واسعة بين الأوساط الوطنية والسياسية، وبعد إضرابات متعددة في مدينة دمشق وغيرها من المدن، تمثلت في إغلاق المتاجر والحوانيت والمقاهي والمدارس، لم تستجب فرنسا لمطالب الوطنيين.
وعندما دعت الكتلة الوطنية للإضراب مجدداً لم يتجاوب التجار مع الدعوة بسبب تضرّر مصالحهم نتيجة الإضرابات السابقة، وهنا لعبت المرأة الدمشقية دوراً بارزاً في دعوة التجار للمشاركة في الإضراب، إذ توزع العديد منهن، وبينهن طالبات من دار المعلمات، كن قد أسدلن النقاب على وجوههن، وركبْن سيارات مكشوفة وقصدن الأسواق التجارية الرئيسة آنذاك: سوق الحميدية، والمرجة، وسوق ساروجة، وسوق مدحت باشا، والميدان وغيرها من الأسواق، وأخذن يردّدن الخطب الحماسية، والهتاف بالشعارات الوطنية، والدعوة باسم دماء الشهداء، باسم الثورة، والحرية للمساهمة في الإضراب.
شاركتُ في هذه التظاهرة وكان إلى جانبي زميلات لي، ثريا الحفاظ، ويسرى ظبيان، وسعاد السادات، وقد رافقتهن إلى سوق الحميدية".
وتابعت السيدة إلفة حديثها قائلة:
"لم يمض على مسيرة السيارات المكشوفة سوى دقائق حتى سمعنا ضجيج إغلاق المحلات التجارية متجاوبين مع الدعوة. وعرفت فيما بعد أن الأسواق الأخرى لبّت النداء وشاركت في الإضراب".
رحلت إلفة الإدلبي تاركة بعض روحها في مؤلفاتها وعانقت تراب الوطن الذي أحبته ودافعت بالكلمة والموقف عن سيادته وعزته.
النور