النهوض بقضية المرأة طموح يرتهن بتحديث مجتمعاتنا

زينب نبًّوه قرأها 569
 

النهوض بقضية المرأة طموح يرتهن بتحديث مجتمعاتنا

بقلم: زينب نبّوه

عاماً بعد عام يأخذ الثامن من آذار منذ إقراره يوماً عالمياً للمرأة بريقاً متجدداً يجتذب العديد من المنظمات النسائية الأهلية والرسمية في العالم، فهو يؤسس في كل عام لنضالات جديدة يخوضها النساء ومعهن الحركات الديمقراطية والشعبية عبر برامج متعددة الأوجه والميادين، تهدف جميعاً إلى تطوير حقوق الإنسان، وحقوق المرأة جزء مكون أساسي لهذه الحقوق.

إن رابطة النساء السوريات التي بادرت إلى تبني هذه المناسبة منذ تأسيسها عام 1948 وعدّتها محطة نضالية تضامنية، يتوحد فيها معظم نساء العالم، ترى في هذا الانتشار الواسع ليوم المرأة العالمي دليلاً ساطعاً على مدى ارتفاع وعي المرأة، وأن الكثير من القضايا المشتركة تجمع بين النساء في مختلف بلدان العالم بغض النظر عن المعتقد واللون واللغة، فتضيف بذلك المساحة التي تباعد بينهن.

تحتفل المنظمات النسائية العربية هذا العام تحت شعار مساواة دون تحفظ الشعار الذي أطلقته الجمعيات والمنظمات الحقوقية النسائية العربية التي شاركت في إعلان الرباط في حزيران عام2006 ، وطالبت فيه الحكومات العربية بالمصادقة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ورفع التحفظات عنها.

نُحيي في هذا اليوم نضال المرأة السورية ومساهمتها في المعارك الوطنية والاجتماعية التي خاضها شعبنا عبر تاريخه النضالي الطويل، ونسجل باعتزاز تزايد دورها وتطور نضالها من أجل طموحاتها المشروعة لاحتلال مكانتها الطبيعية في المجتمع إلى جانب الرجل. فعلى امتداد تاريخنا المعاصر حققت المرأة السورية الكثير من الإنجازات وتبوأت الكثير من المناصب الهامة، وأصبح عدد كبير من النساء يتعاطين الشأن العام بكل مجالاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ولكن برغم الإنجازات الهامة التي حققتها لاتزال جوانب عديدة من أبعاد هذه القضية معلقة، ولاسيما حق المشاركة الفعلية في صنع القرار الوطني وانخراطها أكثر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحمايتها من الممارسات العنفية ضدها، حتى تتمكن من إنجاز المهام الوطنية والاجتماعية التي تواجه البلاد. وبقدر ما تظهر جماهير النساء من فعالية ونشاط وتلاحم من أجل حقوقهن يتم استنهاض الرأي العام باتجاه تحقيق مكاسب جديدة للمرأة.

في اليوم العالمي للمرأة لابد أن نرفع شعارات تعبر عن طموحات الشعب السوري عامة والمرأة على وجه الخصوص، ونترجمها عملاً فعلياً بهدف تحقيقها، وهي شعارات مستوحاة من واقع الوطن والمواطن على حد سواء، فالوطن يواجه تحديات كبيرة لا أحد يجهلها، منها ما هو داخلي وفي طليعتها الأزمة الاقتصادية المعيشية التي تعانيها البلاد. ومنها ما هو خارجي يتمثل بالتآمر الإمبريالي الصهيوني على سورية. وتبدو منطقتنا العربية الأكثر حرجاً واستهدافاً ومعاناة، خصوصاً في ظل تفجر الصراع العربي الإسرائيلي، والمواطن السوري هو الذي يتلقى نتائج هذه الأوضاع بأعباء جديدة تُثقل عليه ظروف عيشه وعمله وعلمه وسكنه.

الأمية والبطالة والفقر

هذه الآفات الاجتماعية الثلاث، خاصة الفقر، منتشرة بشكل واسع في أوساط النساء في المدينة والريف، خاصة في الأحياء الشعبية الفقيرة، مما أدى إلى تأثير سلبي وغير إنساني، خاصة على المرأة، وأفرز ظاهرة تأنيث الفقر.. وكذلك البطالة بين الشباب والنساء التي تولد الانحراف والجريمة والهجرة من أجل لقمة العيش.

وتُلقي الفجوة العميقة بين الأجور والأسعار بثقلها على جميع الفئات الشعبية ذات الدخل المحدود، وتزداد وتتعمق هذه الظاهرة بسبب التوجهات الاقتصادية الليبرالية في البلاد، وضعف القطاع العام والخصخصة، وتراجع الصناعات الوطنية. وإضافة إلى المعاناة هذه، تصطدم المرأة بعدد من القوانين والتشريعات والأعراف والتقاليد التي تعيقها من الوصول إلى حقوقها.

القوانين والتشريعات الناظمة للمرأة

وتعد القوانين المنظّمة للعلاقات الأسرية قوانين الأحوال الشخصية من أبرز آليات تهميش المرأة، إذ تنتهك الحقوق والحريات الأساسية، ويباح الطلاق الغيابي، والطلاق التعسفي، وتعدد الزوجات، وزواج القاصرات دون الثالثة عشرة من عمرهن بحجة كبر أو نمو الجسد، وأحكام الحضانة، وسكن الحاضنة، وعدم تمكنها من حضانة أطفالها، وحرمان الأم من حضانة طفلها في حال زواجها، والجنسية التي هي حق أساسي ومشروع للمرأة المتزوجة من عربي أو أجنبي، تحرم من نقل جنسيتها لأولادها، بينما الرجل يحصل على ذلك بسهولة.
وتبقى المصيبة الأكبر في المادة 548 من قانون العقوبات السوري التي في مضمونها استباحة قتل الفتاة أو المرأة بشكل متعمد والتي تكون في معظم الحالات، إن لم نقل كلها، بريئة من التهم الموجهة إليها، كما بينت الأحداث خلال العقدين الأخيرين، بحيث يُحكم على الجاني القاتل بـالعذر المحل لجريمة عنوانها الشرف والتي ليس لها علاقة بالشرف، بل هو قانون بدوي متخلف وُضع في الماضي لإرضاء عادات القبائل الموغلة في التخلف، وهو مثال صارخ على العنف الموجه ضد المرأة، إضافة إلى العنف داخل الأسرة وخارجها.
وتشكل هذه القوانين والتشريعات مخالفة صريحة للدستور السوري وكرامة الإنسان وحقوقه، فالدستور السوري الصادر عام 1973 هو التشريع الأساسي والقانون الأسمي الذي يجب أن تستند إليه وتتوافق معه جميع التشريعات والقوانين الأخرى. وكل ما يتعارض مع الدستور يكون باطلاً حسب رأي رجال القانون عندنا. وقانون الأحوال الشخصية المعمول به في سورية يتناقض في الكثير من بنوده مع ما ورد في الدستور، فالدستور أكد مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق والواجبات المادة 253 من حيث تأمين الفرص أمامها لممارسة حقوقها وإزالة القيود التي تحول دون تطورها.

أما في المجال التطبيقي العملي، فتبرز الذهنية والعقلية المتحجرة التي لها بُعد في حياتنا اليومية، وهي أبلغ من أي قانون، هذه الذهنية التي تمتلك زاوية ضيقة من الأفكار لا تقبل الانفراج.
ولذلك فإن رابطة النساء السوريات تعرب في يوم المرأة العالمي عن قلقها البالغ إزاء مناخ عام ينتقص من حقوق المرأة ويسلبها العديد من الحقوق التي كفلها لها الدستور السوري والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

إن بقاء قانون الأحوال الشخصية دون تحديث بما ينسجم والدستور السوري والتطور الذي جرى في البلاد، سيستمر دوره معوقاً ومانعاً لتطور المرأة، ومادامت هذه الممارسات موجودة فلا نستطيع الادعاء بأننا حققنا تقدماً فعلياً نحو تحقيق المساواة.

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

لابد من إزالة التحفظات عن الاتفاقية الدولية التي انضمت إليها سورية، فالانضمام إلى الاتفاقية الدولية لم يحقق أهدافه المرجوة، لأنه مشروط بتحفظات جوهرية مسّت مواد أساسية، كما أنه لم يُرفق بإجراءات تتوافق مع السياسات العامة والتشريعات الوطنية، وبضمن ذلك تلك المواد التي لم تكن موضع تحفظ.

وحدة الحركة النسائية الديمقراطية في سورية

في يوم المرأة العالمي، ندعو إلى التعاون الوثيق بين المنظمات النسائية الديمقراطية في سورية، ونجدها مهمة أساسية وصولاً إلى وحدة هذه الحركة. وفي النهاية لابد أن نحيي بهذه المناسبة أبطال المقاومة الوطنية الباسلة في فلسطين ولبنان والعراق بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم. ونتوجه بتحية خاصة إلى أهالي الشهداء في غزة الجريحة التي استهدفت فيها إسرائيل قتل جذوة الحياة بكل مظاهرها.. والمجد والخلود لكل الشهداء.

ونحيي الشعب الفلسطيني البطل في نضاله من أجل حقه المشروع في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة على أرضه، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ونطالب بالإفراج عن كل المعتقلين والأسرى نساء ورجالاً في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
نحيي أهلنا في الجولان السوري المحتل، الذين قدموا تضحيات كبيرة من أجل إنهاء الاحتلال والعودة إلى الوطن الأم سورية.

ليكن الثامن من آذار نقطة انطلاق إلى مرحلة جديدة في تأكيد حقوق المرأة، وجعل المرحلة اللاحقة مرحلة المشاركة الكاملة للنساء في آليات الإدارة وصنع القرار.

ليبقَ الثامن من آذار رمزاً لنضال نساء العالم من أجل حقوقهن.