كي لا ننسى أننا قادرون على ممارسة الديمقراطية
نافذة على الخمسينيات..
لا بأس في أن نفتح النافذة الخلفية لبيتنا المغلق على المشهد المفتوح البديع للخمسينيات من حين لآخر، لا لشيء إلا لكي نستعيد ثقتنا بأنفسنا أننا قادرون على السباحة في بحر الديمقراطية الصاخب. وأن الحرية تعني الهواء الطلق في عراء آمن تصونه سدود القانون، وحدود العدالة والفضيلة.
وليس لهذه الصورة إلا معنى واحد هو أن هذا الهواء قد يكون سبباً في نشاط قد يحوّله إلى إعصار، ولكن من دون هذه الطلاقة لا وجود للصحة النفسية السليمة على أرض البشر. إن إغلاق النوافذ والأبواب على بيت قد يحمي ساكنيه من الأعاصير، ولكن لأمدٍ محدود. وإذا حدث أن توفرت هذه الحماية لأمد أطول فهي تخلق ألف فرصة لتلوث الداخل الموصد واختناق سكانه في حمأة النتن، والفساد، والعطب.
هأنذا أفتح نافذتي كي أُطلَّ على المشهد القديم البهيّ أملاً في أن أغسل رئتيَّ الملوثتين بما ينفحه التذكر الصادق من أنسام مطهرة، فأنا ابن الخمسينيات، فيها تكوّنت شخصيتي، وتفتحت أزهاري، وتعلَّمتُ أفضل دروسي، فماذا أرى، وأسمع؟ قد لا يكون وصفي للمشهد كاملاً، فأنا لا أملك إلا نافذة واحدة، وما على الآخرين إذا ما شعروا أن لديهم ما يضيفونه إلا أن يفتحوا نوافذهم كي يؤكدوا على الأقل حقيقة سطعت ذات عهد في وطني وكان ممكناً أن تسطع شمسها إلى الآن مع كل صباح، مفنِّدة دعاوى الزاعمين أن الديمقراطية ما تزال بعيدة المنال على أمثالنا، وأن لا أحد يطأ أرضها وينعم بفردوسها إلا الذين يحضَّرون لها مسبقاً في المدرسة، والمكتب، والمعمل، والنادي، والحزب. في حين ليس في كل هذه الأمكنة سوى مناخ غائم واحد تتكرر فيه كل يوم طقوس غياب الحرية، فكيف يمكن تعليم الناس السباحة على الورق وحده من دون أن يلامس أجسادهم الماء؟!
أختار الخمسينيات ذلك لأنها المرحلة التي كانت امتداداً متطوّراً لفترة الاستقلال الوطني الأولى التي لم تعش سوى ثلاثة أعوام يبن 1946 إلى مطلع 1949 عندما وأدتْها الانقلابات العسكرية الطائشة الثلاثة بدءاً بانقلاب حسني الزعيم، فسامي الحناوي، فأديب الشيشكلي، المصحوبة بأنظمة حكم الاستبداد التي استمرت خمس سنوات تقريباً. ومع انهيار آخرها في مطلع 1954 بدأت المرحلة التي أعنيها ودامت أيضاً خمس سنوات فقط أي إلى مطلع عام 1959، وبالتحديد إلى الليلة التي سبقت مباشرة ليلة رأس السنة الجديدة حين اقتحمت بيوتنا مفرزات الأمن واعتقلت مَنْ وجدتهم من الشيوعيين أو من أصدقائهم وكنت واحداً منهم. وكانت الأحزاب الوطنية قد حلّت نفسها ـ إلا الحزب الشيوعي ـ بأمر من السلطة الجديدة التي توهمت أن إلغاء الديمقراطية السائدة في البلاد هو الأساس الأضمن لنظام الوحدة العربية المنشودة.
مع سقوط حكم الشيشكلي في شباط 1954 بدأت إذن هذه المرحلة التي اكتفى العسكريون القادة لأول مرة في تاريخ سورية الحديث ـ مثل مصطفى حمدون مدّ الله في عمره، وعدنان المالكي رحمه الله وكان مسجوناً في أواخر عهد الشيشكلي في سجن المزة العسكري غير المأسوف عليه ورفاقهما من الضباط الأحرار ـ اكتفوا بصنع الانقلاب وترسيخ الأمن مؤثرين بعدئذٍ تسليم السلطة للشعب كي يختار حكومته كما يشاء بعد إجراء الانتخابات لمجلس تشريعي جديد في عام الانقلاب نفسه، خاضته الأحزاب الوطنية والمستقلون على قدم المساواة بنزاهة يضرب بها المثل. إذ يكفي للتدليل على ذلك أن رئيس الحكومة التي أشرفت يومئذ على الانتخابات الأستاذ سعيد الغزي ـ رحمه الله! كان مرشحاً مستقلاً فيها فلم ينجح في جولتها الأولى، وهي ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ البلد، في حين نجح خالد العظم وهو مرشح مستقل أيضاً، بأعلى الأصوات، وجاء بعده ثانياً مباشرة من الناجحين بعدد الأصوات التي نالها خالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي، مع أن الرجل كان متوارياً عن الأنظار منذ سبع سنوات كان حزبه فيها محظوراً. كما نجح لحزب البعث باسمه الجديد حزب البعث العربي الاشتراكي ـ أي بإضافة كلمة الاشتراكي فقط إليه ـ بعد اندماج فريقي ميشيل عفلق وصلاح البيطار من جهة، وفريق أكرم الحوراني من الطرف المقابل في حزب واحد، حصل في تلك الانتخابات على ستة عشر مقعداً ـ كما أذكر ـ محققاً بهذا الانتصار قفزة نوعية كبيرة في تقدم الحزب القومي الأول في البلاد آنذاك.
لعل أهم تطور لهذه المرحلة على الصعيد السياسي ومناخ الحريات العامة هو رفع الحظر عن الحزب الشيوعي، ومع استرداد حريته في العمل السياسي تصاعد التيار اليساري النزعة في البلاد، من دون أن يؤثر ذلك في قناعات جماهير ريف حماة خاصة، وقسم كبير من المدينة ذاتها في تأييد مرشحي حزب البعث اليساري ضدّ مرشحي الحزب الوطني وحزب الشعب المشهورين وجماعة الإخوان المسلمين والتيارات الدينية الأخرى. مع أن مدينة حماة بلد محافظ متدين، ومثلها العاصمة دمشق التي لم تعبأ بالإشاعات التي كان يطلقها أعداء الفكر الاشتراكي ضد الحزب الشيوعي، فانتخبت أمينه العام. ولم يكن لهذه التوجهات من مغزى سوى أن جماهير المدينتين اختارت نوابهما في الخمسينيات على أساس وطني غير طائفي أو مذهبي، وهو دليل آخر على المناخ السمح الذي كان سائداً في الوعي السياسي لجماهير البلد.
هذا الجو المنفتح هو الذي سمح مرة أخرى بنجاح التجربة الانتخابية الجزئية في العاصمة حين نجح المحامي رياض المالكي ضد منافسه المشهور الشيخ مصطفى السباعي. وبالنتيجة ذاتها جرت انتخابات جزئية أخرى في حمص فاز فيها ممثل اليسار المحامي رياض كلاليب ضد الصحفي المشهور سعيد التلاوي مرشح اليمين. مما أكد أن الوعي الوطني الديمقراطي كان المعيار الأساسي لجماهير الناخبين في حمص كما كان في حماة ودمشق.
وعلى الرغم من الحدث الفاجع الذي أودى بحياة رئيس الأركان عهدئذ العقيد عدنان المالكي بعد مصرعه على يد شرطي عسكري ينتمي إلى الحزب السوري القومي، أقول بالرغم من التعكير الذي أصاب صفو البلاد بسبب هذه الجريمة والجوّ الصارم العنيف الذي صاحبها من خلال اعتقال عدد كبير من أعضاء الحزب السوري القومي حتى الأبرياء منهم، فإن المحاكمة الشهيرة التي ترأسها يومئذ القاضي المعروف بدر الدين علوش أثبتت أن المناخ الديمقراطي السائد كان سيد الموقف في جو المحاكمة. إذ لم يتجاوب القاضي النزيه مع ضغوط بعض القادة العسكريين والسياسيين الراغبين في إصدار أحكام قاسية على جميع المعتقلين حين صدرت أحكامه مخففة عادلة، أطلق بموجبها سراح معظم المعتقلين وحصر الإدانة بعدد قليل من زعماء الحزب. مما أثبت من جديد أن روح الثأر والتشفّي عهدئذٍ لم تستطع أن تمنع بدر الدين علوش رئيس المحكمة ـ وهو من أصل حموي ـ من تطبيق القانون حسب قناعته كقاضٍ ديمقراطي نزيه.
وفي داخل البرلمان كانت الجلسات تدور، برغم من المنازعات الفكرية المختلفة، في مناخ ديمقراطي مشابه، وما أزال أذكر تلك الجلسة الشهيرة التي حضرتها شخصياً في شرفة المجلس النيابي مع عدد غفير من المتحمسين لمعرفة مصير الوزارة التي تألفت وقتئذ برئاسة الأستاذ الكبير فارس الخوري لمناقشة بيانه الوزاري ومنحه الثقة على أساسها كيف حجبها البعثيون، واستنكف النائب الشيوعي الوحيد في المجلس بعد إعلان الرئيس المكلف شفهياً وبصريح العبارة أنه ضد الانحراف وراء المشاريع الاستعمارية للغرب. كانت الجلسة تلك حافلة بالخطابات السياسية المتنازعة، ولكن من دون خصام عنيف، إذ كان الجو السائد حافلاً أيضاً بروح الوئام، والمزاح والدعابة والنكات الرائعة الضاحكة والمتبادلة بين رئيس المجلس ناظم القدسي والنواب اليساريين المعترضين.
تلك كانت الأجواء السياسية العامة التي حكمت البلد طوال خمسة أعوام وأثبتت بحق أن سورية بلد كفء لحمل أمانة الديمقراطية والعمل بها دونما إشكالات معطّلة. أما بقية المشهد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي فله حديث آخر فأبقوا معنا قرب النافذة المفتوحة على الخمسينيات كي نرى بقية المشهد.
النور