سعيد مراد.. الألطف والأكرم في ذكراه وقد رحل بعيداً.. (2 من 2)

شوقي بغدادي قرأها 7
 

سعيد مراد.. الألطف والأكرم في ذكراه وقد رحل بعيداً..

(2 من 2)

شوقي بغدادي

قضى سعيد مراد في موسكو أحد عشر عاماً بين 1969 و 1980 يدرس اللغة الروسية ثم النقد السينمائي في أرقى معاهده التخصصية هناك، وعاد إلى الوطن مشحوناً بتحصيل معرفي عميق في الاختصاص الذي اختاره فكان أن كلفته وزارة الثقافة رئيساً لتحرير مجلة (الحياة السينمائية) الفصلية التي كانت الوزارة تصدرها منذ عهد قريب.

في هذه المجلة وغيرها من صحف شرع سعيد مراد (الناقد) يمارس اختصاصه، وبدا واضحاً أنه غدا أكثر اكتمالاً ونضجاً وقدرة على أن يؤسس لمدرسة متكاملة أكاديمياً وتطبيقياً في النقد السينمائي. وجدير بالذكر في هذا السياق أن سعيداً اصطحب معه إلى موسكو زوجته هند ميداني التي اقترن بها عام 1966 ـ أي قبل سفره بثلاث سنوات ـ فدرست هناك أيضاً الإخراج السينمائي، وصارت فيما بعد مخرجة متميزة معروفة. وكأن اختياره هنداً بالذات شريكة لحياته كان امتداداً لطموح فني أصيل داخل الأسرة كي يصنع معها في الوسط الثقافي ثنائياً فريداً في انسجامه بين الناقد المعلم والمخرجة الموهوبة.

لم يتغير سعيد مراد بعد عودته بوصفه شخصاً مفطوراً على المرح وحب الحياة واكتساب المعرفة والأصدقاء. حتى لقد غدا في سنوات قلائل رمزاً جذاباً لعدد لا يحصى من المثقفين والمختصين العرب والأجانب، إذ كان يتواصل معهم باستمرار، فإذا حضروا إلى دمشق كان في طليعة مستقبليهم. والطريف في الأمر أن سعيداً كان ينجح معهم جميعاً في تقديم الجانب الشعبي المضياف لشخصيته، إلى جوار إشباع فضولهم الثقافي كأستاذ في اختصاصه. حتى لقد تولع به جميع من عرفوه، فصار اسمه متداولاً في الشارع الثقافي العربي وكأنه واحد من أهل البلد هناك.

المؤلم حقاً كل الألم أنه بعد عودته من موسكو لم تتوفر له الفرصة الكافية من العمر لتقديم الكثير من كنوزه المعرفية، ذلك لأنه بعد ثماني سنوات فقط من عودته عام 1980 أصيب بنوبة قلبية حادة حرمتنا منه. ومع ذلك ففي هذه الفسحة القصيرة استطاع أن يغني مادة النقد السينمائي التي أسهم بتأسيسها قبله المخرج صلاح دهني في الخمسينيات، ثم توقفت هذه البدايات مع مطلع الستينيات لأسباب قاهرة، ولم تستعد بعضاً من نشاطها إلا مع الهاوي محمد الأحمد (مدير مؤسسة السينما حالياً) عبر زاويته السينمائية الجذابة في التلفزيون السوري، والتي توقفت أيضاً بعد أمد. وهكذا بات واضحاً أن سعيد مراد وجه نفسه منذ الأيام الأولى لعودته مطالباً بإعادة الحياة إلى المشروع النقدي على أسس أكاديمية متكاملة عبر الدراسات والمقالات والمحاضرات بجهد متواصل. إذ كان عليه أن يتابع المهرجانات السينمائية المتنوعة التي كانت تقام في البلد كي يكتب عنها وينبّه إلى الظواهر الفنية التي تمثلها، وأن يلبي الطلبات التي كانت تلاحقه للمشاركة في لجان تحكيم أو إلقاء محاضرات إضافية لما يقتضيه تحرير المجلة الفصلية الضخمة (الحياة السينمائية) التي كان يرأس تحريرها، إضافة إلى إدارة تحرير الجريدة اليومية للمهرجانات المنعقدة في بلده.

كانت ثماني سنوات حافلة بالعطاء لم يستطع في حياته أن يجمع مواده في كتب مطبوعة إلا مرتين: الأولى حين كان ما يزال يتابع دراسته فيجمع بعض كتاباته في كتاب واحد صدر عن وزارة الثقافة السورية عام 1977 تحت عنوان (حوار مع السينما) ويقع في 197 صفحة من القطع فوق المتوسط. وأما الكتاب الثاني فكان من منشورات دار الفارابي تحت عنوان (جولات في عوالم سينمائية)، وهو عن بعض المخرجين العالميين وعن تحولات مدارس السينما الواقعية. غير أن الموت الذي داهمه وهو بعد في الثانية والخمسين لم يسمح له أن يتابع نشر إنتاجه. غير أن زوجته هنداً وأصدقاءه لم يقصروا في جمع ما تبقى من إنتاجه ـ المنشور في مقالات وغير المنشور ـ فصدر له بعد ثلاثة أعوام من وفاته كتاب (مقالات في السينما العربية) عن دار الفكر الجديد ويقع في 255 صفحة من القطع المتوسط.

وفي عام 1995 صدر له كتاب هام يؤرخ فيه للسينما السورية الجادة عن (دار الينابيع) بدمشق مع مقدمة قصيرة لصديقه الأديب المعروف حسن م. يوسف، ويقع في 187 صفحة، تحت عنوان (أفلام وقضايا في السينما السورية والدراما التلفزيونية). وآخر هذه الكتب التي ظهرت بعد وفاته كان كتاب (الواقعية في السينما العربية: مقالات ودراسات)، وقد صدر في مصر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، مع مقدمة إضافية للناقد السينمائي المصري كمال رمزي. ومحتوى الكتاب مجموعة من الدراسات المنشورة، أشرف على اختيارها الناقد السينمائي المصري المعروف علي أبو شادي، تعبيراً عن الوفاء الذي يحمله النقاد المصريون لصديقهم السوري سعيد مراد.

أما في ميدان الترجمة فقد قام سعيد بإصدار ترجمتين دقيقتين عن الروسية لكتابين بالغي الأهمية، أولهما بقلم المخرج الروسي الأشهر سيرجي آيزينشتاين، وعنوانه (من الثورة إلى الفن، ومن الفن إلى الثورة). وثانيهما عن هذا المخرج تحت عنوان (سيرجي آيزنشتاين) بقلم بعض أصدقاء ذلك المخرج الطليعي الكبير. والإحاطة بهذه الكتب غير ممكنة في حدود المقالة الصحفية المحدودة، غير أننا سنحاول بشكل موجز المرور على أهم مزاياها التي تبرز مزايا سعيد مراد كناقد:

أولاً: في النقد التطبيقي:

مارس سعيد النقد التطبيقي للأفلام المختارة من مشاهداته الواسعة الأجنبية والعربية والمحلية، وكانت اختياراته تركز على الأفلام الجيدة غالباً، أو الرديئة أو المختلف عليها، وبهذا المبدأ يتوصل إلى تحليل عوامل الجودة أو الرداءة، في حين أن الأفلام المتوسطة القيمة ـ أو العادية كما يقال ـ فهي لا تقدم الشواهد الدقيقة الواضحة عن هذه العوامل، أما الأفلام المختلف عليها، فهي الأفضل في إمكان التنبيه على تسرع بعض النقاد أحياناً في إطلاق الأحكام التعميمية من دون دعمها بالشواهد المقنعة من جهة، ومن جهة أخرى في تقديم هذه الشواهد التي تثبت عكس تلك الأحكام. كما حدث مثلاً حول الفيلم السوري (وقائع العام المقبل) للمخرج سمير ذكرى. إذ استطاع سعيد مراد في أداء رفع المستوى فكراً وأسلوباً رصيناً مهذباً، أن يعيد للفيلم المذكور اعتباره وقيمته الفنية، على الرغم من الهجوم القاسي الذي تعرض له داخل القطر وخارجه ـ في مهرجان موسكو مثلاً ـ في سياق دفاعي عن أفلام (مؤسسة السينما السورية) كقطاع عام. هذه الأفلام التي تعرَّضَ بعض إنتاجها في ذلك العهد إلى نقد قاسٍ مثل فيلم (حادثة النصف متر) لسمير ذكرى، و(أحلام المدينة) لمحمد ملص.

ثانياًـ في الظواهرالسينمائية:

كالميلودراما والفيلم السياسي وتحولاته الواقعية، ويمكن القول دونما مبالغة إن كتابات سعيد في هذه الموضوعات كانت دروساً عالية بحق تساعد كثيراً في ضبط حدود النقاش المتسيب حولها، وبالتالي تعميق مستوى التحليل للظاهرة. ولعل مقالته الطويلة عن (الميلودرامية) كانت من أهم وأعمق ما كتب عربياً عنها في تلك العهود، (هذه الظاهرة ـ كما يقول سعيد مراد ـ التي كانت متفشية في النتاج السينمائي العربي والهندي خاصة، والتي تقف على نقيض الرؤية الواقعية إلى الحياة والمجتمع والفن)، فاضحاً طريقتها ـ كما يقول ـ (في استثارة أكثر العواطف سطحية ومجانية. وفي المونتاج كيف ينجر أسلوبه لعملية لصق عشوائي لمجموعة من المشاهد التي تحكم المصادفات تسلسلها.. إلخ.

وبهذا الأسلوب والفكر عالج ظاهرة الفيلم السياسي والواقعية الجديدة وما بعد الجديدة في الأفلام اللاتينية والإيطالية خاصة. إضافة إلى ما بدأه من دراسة جامعة عن السينما السورية، ولكن الموت مع الأسف الشديد لم يسمح له بإكمال تلك الدراسة البالغة القيمة.

ثالثاً: المخرجون العالميونوالمهرجانات العالمية والعربية والمحلية:

استطاع سعيد مراد في كتابه (جولات في عوالم سينمائية) أن يقدم بحق دروساً راقية للقارئ العربي عن تسعة مخرجين وسيناريست عالميين، وعن تحولات المدرسة الواقعية، وعن سينما الأطفال، بشكل يجعل هذا الكتاب مرجعاً صالحاً لجميع المشتغلين بالسينما حتى الآن. بما يتميز به فعلاً هؤلاء المخرجون أمثال فيلليني الإيطالي، وتشوخراي السوفييتي، وغيرهما. وما تمثله المهرجانات من تحولات وإضافات في الفن السينمائي.

رابعاً: في الدراماالتلفزيونية:

في هذا المجال أيضاً استطاع سعيد مراد أن يؤسس لمنهج متكامل في الإنتاج الدرامي التلفزيوني السوري، كحديثه عن مسلسل (خريف الأيام) للكاتب الشعبي الأصيل الراحل أحمد قبلاوي، ومسلسل (أبو الخيل) للمخرج السوري المعروف هاني الروماني، وغيرهما من أعمال انطلاقاً من مبدأ اختيار (الجيد) مثل مسلسل أحمد قبلاوي و(الرديء)، ـ حسب رأي سعيد مراد ـ مثل مسلسل (أبو الخيل) مع المقارنة النسبية بين العملين.

وحتى المسرح كان لسعيد مساهمة هامة في الحديث عن مسرحية (سكان الكهف) للمخرج الموهوب الراحل فواز الساجر، وعن تميز إخراجها، مما زاد في إشعال النقاش عهدئذ عن قضايا المسرح السوري المختلفة وعما يحتاجه فعلاً لاكتساب الجماهير دون الهبوط بمستواه الفني.

رحل سعيد مراد منذ عشرين عاماً عن عالمنا، في العام نفسه 1988 الذي توفي فيه المخرج الشاب فواز الساجر. وهكذا انطفأت معاً شعلتان باهرتان في شارعنا الثقافي، كأن الصداقة التي كانت تربط ما بينهما في الحياة أرادت أن تعبر عن نفسها حتى في الموت. رحمكما الله يا سعيد ويا فواز..

سعيد مراد.. الألطف والأكرم في ذكراه وقد رحل بعيداً..

(1 من 2)