عزازيل.. الشيطان الذي هو الإنسان نفسه: رواية "يوسف زيدان" الفائزة بجائزة بوكر

شوقي بغدادي قرأها 1,170
  

عزازيل.. الشيطان الذي هو الإنسان نفسه:

رواية "يوسف زيدان" الفائزة بجائزة بوكر

شوقي بغدادي

سوف نقصر حديثنا هنا على المحتوى الفكري الأساسي لهذا العمل الأدبي الممتع بحق، وصولاً إلى الإجابة عن هذا السؤال: (ما هو الدافع الأعمق والأبعد الذي حدا يوسف زيدان ـ الكاتب المصري المسلم ـ على عمله هذا؟).

الرواية أشبه بسيرة ذاتية لراهب مصري مسيحي يروي فيها عن معاناته المريرة كرجل دين ـ وهو طبيب في الوقت ذاته ـ في مواجهة الصراعات المذهبية الدموية التي اشتعلت في زمانه بين فصائل المسيحيين حول طبيعة المسيح: هل هو إنسان، تجلت فيه الألوهية مؤقتاً، أم هو ابن الله، أو الله نفسه وقد تجسد في إنسان؟ وما قام به عوام المسيحيين بتحريض من بعض أساقفتهم من عدوان وحشي ضد اليهود أو من تبقى من الوثنيين، دفعه إلى الهروب من موطنه الأصلي في بلدة صغيرة جنوب مصر على النيل قرب أسوان، حيث شاهد أمامه وهو بعد في التاسعة من عمره مصرع أبيه صياد السمك على يد هؤلاء العوام المأخوذين بنزعات العنف طعناً بسكاكينهم.

صحيح أنه تحول إلى المسيحية فيما بعد، ودرس كتب الطب المعروفة في زمانه والفلسفة اليونانية وأتقن العربية واليونانية إلى جوار السريانية وكرس راهباً، إلا أنه هاجر إلى الإسكندرية فإلى مغائر الآسينيين قرب البحر الميت، وهم طائفة يهودية منشقة عن الهيكلية الحاخامية الرسمية، فإلى أورشليم، فإلى أنطاكية، ومنها إلى دير منعزل في شمال سورية قرب حلب، حيث استقر زمناًَ طويلاً، ثم غادره في ختام الرواية متخلياً عن رهبنته ـ كما يبدو ـ بعد اشتداد النزاع المذهبي بين كبار المسيحيين إلى مكان غير معروف.

سوف نلاحظ أن جميع الأحداث الكبرى الواردة في العمل قد وقعت فعلاً في القرن الخامس الميلادي، بعد تحوّل المسيحية إلى دين رسمي للدولة الرومانية قبل مئة عام، وأن ما عدا ذلك من أحداث تخص بطل الرواية الراهب المسمى (هيبا)، هي أحداث وحوارات وعلاقات مخترعة بالطبع، فالرواية تاريخية بمعنى من المعاني ولكن بهدف أبعد من استعادة الماضي فقط ـ مثل روايات جرجي زيدان مثلاً ـ ذلك لأنها ترمي إلى هدف أعمق يمكن إسقاطه على الحاضر وصولاً إلى غاية أساسية كبرى تتعلق بالخلاص الأخير للإنسان.

يستعين الكاتب وصولاً إلى هدفه هذا بحيلة فنية متداولة، حين يقدم لعمله بأنه مترجم عن رقوق جلدية قديمة مكتوبة بالسريانية، ولكنه حين يشير إلى أن الأسماء الأساسية الواردة في الرقوق تذكرها الوثائق التاريخية المعروفة، وأن لا ذكر إطلاقاً للراهب (هيبا) في أية وثيقة منها، فهو ينبهّنا إلى أن الأحداث والأفكار والعلاقات التي تخص الرواية ـ الراهب، الطبيب والشاعر والمؤرخ الروائي كما يبدو ـ هي من إبداع المؤلف نفسه. ومن هنا سؤالنا: لماذا كتبت هذه الرواية، وما هو المغزى الفكري الأعمق الذي قصد إليه الكاتب؟

يمضي يوسف زيدان نحو هدفه هذا منذ الصفحات الأولى، ولكن بكثير من الحذر والمهارة، واضعاً إيانا حيال دراما فكرية دينية إنسانية تلبس راهباً مسيحياً يتمزق بين معتقداته المقدسة وشكوكه وأوهامه حول الحقيقة الدينية، ليس في المسيحية حصراً بل في الفكر الديني عموماً، وخاصة في العقيدة التي تلغي العقائد الأخرى بحجة أنها تملك الحقيقة كاملة وحدها.

يركّز الكاتب إذن منذ البداية على الأحداث والسجالات التي تقود القارئ صفحة بعد أخرى نحو الخاتمة. فهو يذكر مثلاً (ص 30) على لسان قس عربي الملامح طاعن في السن خلال حوار له مع الأسقف تيودور هذا السؤال المحرج: (كيف ورثنا عن آدم خطيئة العصيان لأمر الله، وما هو ذنبنا نحن أبناءه الذين لم نفعل هذه الخطيّة؟).

في معظم الحوارات ـ أو السجالات ـ التي سنمر بها من هذا النوع بين أسئلة تعبّر مرة عن الشكوك الفكرية أو الإشارات عن أصول الديانات ـ وخاصة المسيحية، سوف نمر أيضاً بردود مطمئنة لها منطقها الخاص. ولكن الصراع سوف يستمر بعد أن نبّهنا المؤلف عبرها مثلاً إلى أن المسيحية متأثرة بالفيلسوف الإغريقي أفلوطين فيما يخص أسلوب الرهبنة وحب الاستشهاد وعلامة الصليب، حتى الثالوث المقدس. وإذ كان قدامى المصريين يعتقدون بثالوث زواياه (إيزيس) وابنها (حورس) وزوجها (أوزير) الذي أنجبت منه دون مضاجعة كما هو وارد في الصفحتين 53 و 54، حتى الوحدانية فقد مر بها المصريون في عهد أخناتون حين دعا إلى إله واحد.

هذه السجالات ستنشب طويلاً، فيتكرر أكثر من مرة السؤال عن صلب المسيح، ففي الصفحتين (22 و23) نمرُّ بتساؤل محرق للراهب المعذب حين يحدث نفسه قائلاً: (وهل قام يسوع حقاً من بين الأموات؟ وكيف له وهو الإله أن يموت بأيدي البشر؟ هل الإنسان قادر على قتل الإله وتعذيبه وتعليقه بالمسامير فوق الصليب؟!).

وفي الصفحة 72 حين يحدث نفسه: (ليصلبوه ـ أي الرومان ـ ليصلبوه، أتراه صلب حقاً؟) إلى الصفحات الأخيرة في حوار بين الراهب والشيطان (عزازيل) حين يقول الأخير (ص 365): (وكيف مات أصلاً؟ كيف لك أن تصدق ياهيبا أن الحاكم الروماني (بيلاطس) وهو إنسان قادر على قتل المسيح الذي هو الإله؟) فيجيبه الراهب: (كان ذلك هو السبيل الوحيد لخلاص الإنسان).

فيقول عزازيل: (بل كان السبيل الوحيد لتخليص المسيحية من اليهودية!). بمعنى أن اليهودية أساءت لفكرة الإله الأوحد حين صورته منهمكاً مع البشر على الأرض، فكان لا بد من إعادته للسماء ثانية).

وحين يركز الحديث على عنف عوام المسيحيين في قتلهم الوحشي للعالمة الوثنية المهذبة (هيباتيا) في الإسكندرية، الضليعة في الرياضيات والفلسفة، حين اصطادوها في الطريق فذبحوها ثم قطَّعوا جسدها ثم أحرقوها، مما يتنافى كلياً مع تعاليم المسيح حول المحبة والتسامح والغفران، وفي قتلهم بعدها (أوكتافيا) المرأة الوثنية التي شغفت حباً بالراهب (هيبا) قبل أن تعرف أنه مسيحي، كيف ذبحت في الطريق علناً حين حاولت الدفاع عن العالمة المسكينة، وحين يستشهد أسقف الإسكندرية المتشدد، والمحرّض على استخدام العنف (كيرلس) بعبارة للمسيح يذكر فيها استخدام السيف محرّفاً معناها عن السياق العام للإنجيل الداعي إلى التسامح والغفران والمحبة.

وحين يتعاطف (هيبا) نسبياً مع الوثنية، عندما يبدي إعجابه الشديد بفن العمارة لدى الوثنيين كما شاهده في القصر الذي تعمل وتسكن فيه (حبيبته) أوكتافيا فتساءل قائلاً: (ص85): (سألت نفسي ساعتها: هل ستعطي ديانتنا للأجيال المقبلة جمالاً كهذا الذي قدمته لنا الأزمنة الوثنية؟ ما يزال هذا السؤال عالقاً برأسي وما يزال بلا إجابة) وفي مكان آخر حين يتذكر (أوكتافيا) فيقول لنفسه (ص 111): (أو ليست وهي الوثنية أنقى قلباً وأصفى روحاً من أغلب المسيحيات اللواتي عرفتهن؟

وفي موضوع طرد الله آدم من الجنة، لأنه خالف تعليماته إياه ألا يقترب من شجرة المعرفة ويأكل من تفاحها فيقول (ص120):  (لماذا انزعج الرب لما أكل آدم من شجرة المعرفة؟ فأخرجه من جنة عدن ليحرث في الأرض التي أخذ منها؟ لماذا أراد الله أن يبقى الإنسان جاهلاً؟) وكأن الكاتب يقول: كيف يحاسب الإنسان إذن على أخطائه إذا لم يأكل من شجرة المعرفة وظل طوال حياته على الأرض جاهلاً؟!

وحين تدافع العاشقة (أوكتافيا) عن سيدها التاجر الصقلي ـ صاحب القصر الذي تعيش فيه ـ قائلة (ص 92): (هو يحبني كابنته، وهو الذي علمني القراءة ومنعني عن الخدمة في المعابد) فيذكر (هيبا) ذلك المجلس بقوله: (الصفحة نفسها): (عرفت منها أن سيدها الصقلي لا يؤمن بدين معين، وإنما يعتقد في صحة كل الأديان وجميع الآلهة ما دام ذلك يرتقي بالإنسان!).

وفي ملاحظة (هيبا) عن الفارق الكبير بين منظر المسيح بأسماله البالية مثالاً للتواضع والبساطة، وبين منظر الأسقف (كيرلس) الغارق في الثياب المترفة المحلاة بخيوط ذهبية، فقال (ص 146): (بدا لي يسوع مستسلماً وهو يقبل تضحيته بنفسه على صليب الغداء، وبدا لي (كيرلس) مقبلاً على الإمساك بأطراف السماوات والأرض).

وحين يخلع (هيبا) الصليب المعلق بعنقه فوق صدره بعد مشاهدته مصرع (هيباتيا) الوحشي (ص161)، واختباره اسم (هيبا) المشتق من اسم العالمة الوثنية المغدور بها ـ هيباتيا ـ وفي ميوله الجنسية لأوكتافيا الجميلة اللعوب الصادقة في عواطفها، ثم في عشقه للفتاة مرتا الخارقة الجمال شكلاً وصوتاً، وتمنُّعه عن الاستجابة لها حين دعته لترك حياة الدير والحياة معها، وندمه بعد ذلك على خسرانه إياها حين يئست منه وغادرته. ففي هذه العلاقات مع الجنس الآخر تعبير واضح عن أهمية الفطرة البشرية التي تجذب الذكر إلى الأنثى وضرورة مراعاتها لا كما تدعو إليه الرهبنة المتشددة.

ولعل أخصب لوحة فكرية وأخطرها تلك التي تتشكّل في الوعي الداخلي للراهب الممزق بين نزعاته المتضاربة، هي في المشهد الذي يصف فيه هجوم أسراب الحمام الجبلي على الدير وتأمله إياها تتناول غذاءها وتتناسل وتتواصل دونما أي عنف أو تشدد، فيناجي نفسه قائلاً (ص 267): (والحمام يعيش حياة المحبة الكاملة لا تفرق ذكوره بين أنثى جميلة وأخرى قبيحة، مثلما يفعل الناس على ذاك الحال ويتناسلون في جماعات مسالمة مثلما كان حال الإنسان أول الأمر ـ الكل يعيش في الكل، يحيا في هناءة ثم يموت بغير صخب مثلما تموت بقية الكائنات).

وهكذا ينضج وعي الراهب المعذب في اتجاه خلاصه الأخير فيفاجئنا كما فوجئ هو أن صديقه الراهب المتشدد يعبّر أخيراً في الصفحتين (328 ـ 329) عن حيرته الكبرى حيال المجهول الذي سوف يبقى مجهولاً حين ينفس عن أزمة وجدانية داخلية تكاد تعصف بكيانه كراهب، فيتجرأ على القول صراحة: (ديانتنا تديننا، تدين من دان بها أكثر مما تدين غير المؤمنين، وتدين أيضاً غير المؤمنين، الكل مدان، الكل ضالّ، والآب السماوي أقنوم مفارق محتجب خلف هذه الاعتقادات كلها، وهو لا يظهر لنا بتمامه لأننا لا نقدر على الإحاطة بظهوره التام. هو فوق إدراكنا، بعيد عنا ونحن بعيدون بعضنا عن بعض لأننا جميعاً مرهونون بأوهامنا، الأقنوم ذاته وهم غامض اخترعناه وصدقناه واختلفنا فيه، ولسوف نحارب بعضنا بعضاً دوماً من أجله، وقد يأتي يوم يكون فيه لكل إنسان اعتقاده الخاص المختلف عن اعتقاد غيره فتمَّحي الديانة من أساسها وتزول الشريعة)، وكأنه بهذا الكلام يلخّص محنة البشر فكرياً ودينياً من خلال بوح راهب فرِّيسي ـ متشدد!.

وفي الصفحات الأخيرة يختلي الراهب بـ (عزازيل) في حوار عميق المغازي والأفكار، نفهم منه كثيراً من الأشياء، كما أراد الكاتب أن يوصلنا إليها بشكل غير مباشر، كأن يفهمنا أن (عزازيل) أو الشيطان جزء لا يتجزأ من شخص الكائن البشري نفسه يستدعيه الإنسان المعذب كي يحمله المسؤولية عن زلاته الشخصية، كما يقول (ص348): (يا هيبا، الإنسان في كل عصر يخلق إلهاً له على هواه، إن الله محتجب في ذواتنا، والإنسان عاجز عن الغوص لإدراكه. ولما ظن البعض في الزمن القديم أنهم رسموا صورة للإله الكامل، ثم أدركوا أن الشر أصيل في العالم وموجود دوماً أوجدوني لتبريره..). وحين سأله (هيبا) عن تفسير شخصه ودوره، وعن المعنى الواحد لأسمائه الكثيرة ومثل: إبليس، الشيطان، أهريمان، عزازيل، بعلزبوب..إلخ، وأيها أحب إليه أجاب بأنه يراها كلها سواء. وحين سأله أخيراً عن المعنى الواحد لأسمائه الكثيرة قال له همساً كلمة واحدة: (النقيض!) ويا لها من كلمة لو أردنا أن نفسر ماذا فهمنا منها إذن لاحتجنا إلى كتاب كامل، ولكننا نكتفي بقولنا: المقصود بالنقيض أن البشر كما كانوا يتصوّرون آلهتهم على هواهم مثالاً أعلى للخير، لأن الإله طيب ولا يصدر عنه الشر إطلاقاً، فكان ضرورياً أن يتصور البشر نقيضه كي يتحمل مسؤولية حدوث الشر وأطلقوا عليه أسماء كثيرة كلها بمعنى واحد.

كل هذه الأزمات الروحية، الفكرية، كان لا بد أن تؤتي أكلها في نهاية المطاف بقناعة جديدة يجد فيها الراهب الممزق خلاصة بين أفكاره المتضاربة، وخاصة بعد أن وصل الخلاف بين تيار الأسقف نسطور القائم على طبيعة واحدة للمسيح، وتيار أسقف الإسكندرية كيرلّس القائم على التثليث المؤلّه إلى طريق مسدود، فتدخل الإمبراطور الروماني فألغى التيارين أولاً، ثم عاد فأيد التيار الثاني وأبعد الأسقف نسطور نهائياً عن عاصمته الإمبراطورية.

كان لا بد إذن، كما تقود الأحداث والسجالات المسرودة بمهارة فنية ملحوظة تحتاج إلى حديث آخر، كان لا بد أن يصل بنا السياق الدرامي الصعب إلى الخلاص الذي اختاره الراهب أخيراً، لما بقي من حياته، والذي عبر عنه في السطر الأخير من الرواية، بعد أن دفن اعترافاته المكتوبة بحبر غامق على رقوق جلدية في صندوق طمره في التراب تحت الحجارة الكبيرة. في هذا السطر الأخير يقول: (ولسوف أدفن معه خوفي الموروث وأوهامي القديمة كلها. ثم أرحل مع شروق الشمس حراً).

إنها الحرية إذاً، بعيداً عن أية وصاية دينية أو فكرية أو مذهبية. الحرية التي لا تلغي الإيمان، بل تلغي التعصب واحتكار الحقيقة. الحرية التي تؤسّس على التسامح، والتعددية، واشتراك البشر على قدم المساواة في مقاربة الحقيقة.

هذا هو الخلاص الذي كان يدعو ويسعى إليه الكاتب يوسف زيدان في تصورنا، وما من شك في أن دوافعه للإبداع غير موهبته، كثيرة يتصل بعضها بثقافته وقراءاته خلال عمله الحالي في مكتبة الإسكندرية الجديدة كخبير في اللغات والوثائق القديمة، إلا أن الدافع المباشر له في اعتقادنا هو تأثره أصلاً بالمناخ السائد للعنف المستشري حتى الآن في عالم اليوم، وخاصة العنف الناجم عن التعصب الديني التكفيري المتشدد، في مصر وغيرها.

والطريف في الأمر أن هذه الرواية لم تثر أي رد فعل ضدها من قبل الطائفة المسيحية على أنها هرطقة يستحق صاحبها الموت عقاباً عليها. بل إن المطران (يوحنا جريجوريوس) ـ وهو قبطي مصري على ما يبدو ـ يرحب بالعمل في تصريحه المنشور عنه بقوله: (يوسف زيدان هو أول روائي مسلم  يكتب عن اللاهوت المسيحي بشكل روائي عميق. وهو أول مسلم يحاول أن يعطي حلولاً لمشكلات كنسية كبرى). فماذا لو أن كاتباًَ مسيحياً ـ بل مسلماً إذا شئتم ـ كتب رواية مستوحياً أحداث العنف والخلافات المذهبية التي نشبت بين المسلمين عبر التاريخ، ماذا سيكون مصير هذا الكاتب؟.