سهيل إدريس الذي أعرفه!

شوقي بغدادي قرأها 5
  

سهيل إدريس الذي أعرفه؟

كي نفهم جيداً أهمية سهيل إدريس كشخصية ثقافية مؤثرة، لا بد أولاً أن نفهم مسار تحولاته الفكرية التي حوّلته من مرشَّح لمنصب ديني إسلامي بارز إلى مرشح لرائد ثقافي عربي معاصر ومتميز.

تميزت هذه التحولات منذ بدايتها في عام 1940 بنزوع ثوري ـ إذا صح التعبير ـ متمرد على الطاعة العمياء حين قرر الطالب المتخرج حديثاً من كلية المقاصد الإسلامية في بيروت ـ وكلية فاروق الشرعية بعدها فور تخرجه أن ينزع

 100017.jpg

 عنه الزيّ الديني المشايخي الذي صاحبه طوال خمس سنوات، وينخرط في العمل الصحفي بثيابه المدنية، كمن يقرر أن يدخل العصر من أوسع أبوابه. وهذا ما هيّأه لطموح عصري أكبر عبّر عنه سريعاً في نهاية الأربعينيات بالسفر إلى عاصمة النور (باريس) كي يلتحق بجامعتها الشهيرة (السوربون) ويحوز فيها على الدكتوراه في الأدب العربي عام 1952. وما كاد يعود حتى ترجم طموحه المتجدد باستمرار بإصداره مجلة (الآداب) الشهرية عام 1953، والتي تألقت منذ أعدادها الأولى بموادها الجذابة الرفيعة، حتى لقد غدت بعد عام واحد المجلة الأولى من نوعها في الوطن العربي. وشهراً بعد شهر توضحت معالم رسالة فكرية قومية حديثة، ذلك أنها كانت مطعمة بالوجودية هذه الفلسفة التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية لسنوات كحاضنة أساسية لنزعة (الحرية) الفردية، وبفكر الكاتب الإنكليزي والمفكر التحرري البارز كولن ويلسن، صاحب كتاب (اللامنتمي)، الذي نشرته دار الآداب وروّجت له كثيراً.

صحيح أن الدكتور إدريس عمل لسنوات في أنشطة ثقافية متنوعة مثل التدريس الجامعي، وقيادة اتحاد الكتاب اللبنانيين. وأمانة اللجنة اللبنانية لكتَّاب آسيا وإفريقيا وغيرها من مهام، إلا أن عمله في رئاسة تحرير (الآداب) ودار النشر المنبثقة عنها عام 1956 كان المحور الأكبر لنشاطه. ومن خلال هذا العمل بالذات برز كمبدع في الكتابة القصصية والروائية والمشاركة في تأليف المعاجم. ولا شك أن مجموعاته القصصية الست، ورواياته الثلاث: الحي اللاتيني 1953، والخندق الغميق 1958، وأصابعنا التي تحترق 1962، ستبقى معلماً بارزاً في مسيرة القصة والرواية العربية وتطوّر هذه المسيرة باتجاه الحداثة والعصر أبعد فأعمق.

وصحيح أيضاً أن مجلة (الآداب) تراجع دورها الرائد بعد هجمة مجموعة كبيرة من المجلات العربية الراقية، إلا أن اسم سهيل إدريس كرائد متميز في الأدب العربي وناشر سخي متنوع، حفظ للمجلة بعض بريقها، وخاصة بعد أن تولى ابنه الدكتور (سماح) رئاسة تحريرها. إلا أن المتاعب المادية أثرت أخيراً في مواعيد إصدارها من شهرية إلى كل شهرين، غير أنها ما تزال تؤكد حضورها من حين إلى آخر كمجلة طموحة، لا تتنحّى عن دورها الريادي حتى الآن.

علاقتنا الشخصية

هذا هو سهيل إدريس باختصار شديد، غير أن صلاتي الشخصية به هي التي وفّرت لي أكثر من غيري آنئذ فرصة فهم شخصية هذا الرائد، وأنا بعدُ في سنوات طموحي الأولى بعد تخرجي مباشرة من كلية الآداب في جامعة دمشق.

كانت بداياتي معه مبكرة إذن، وقد شجعتني استجابته لي حين نشر لي في مجلته جميع ما كنت أبعث به، إليه من أقاصيص وقصائد على أن أتابع مراسلتي معه، فكنت أكتب أحياناً نقداً لبعض مجموعاته القصصصية وكان ينشره على الرغم من أن بعضه كان يشير إلى بعض المآخذ على بعض قصصها. وكان يراسلني بالمثل معلقاً على بعض إنتاجي. وكنت أستغرب كيف كان يجد الوقت لكتابة هذه الرسائل لأديب ناشئ مثلي موجهاً أو ناقداً أو معجباً، كما حدث لي معه حين علَّق على قصتي (الأموات الذين نعرفهم) والتي كتبتها أثناء عملي كمدرّس في طرطوس من خلال علاقة إنسانية مؤثرة ربطتني بأسرة فقيرة مسيحية كانت الأم فيها تساعدني في تنظيف غرفتي وترتيبها، حيث كنت أقضن وحدي وتسهر عليَّ كأم حنون أيام مرضي، هذه القصة المستوحاة من هذه العلاقة أعجبت الدكتور سهيل كثيراً وقتئذ. ومن خلال ملاحظاته النقدية اللماحة استفدت حقاً في فهمٍ أفضل لتقنيات الكتابة وقيمة التجربة الحية في إثراء الموضوع. وما أزال حتى اليوم أذكر بكثير من المودة والعرفان ملاحظته في تلك الرسالة بعد إبداء إعجابه بالقصة أنها كانت أفضل من سابقاتها بمراحل، قال ما معناه: (لا تكتب يا شوقي إلا عن الموضوعات التي تعرفها جيداً..). ومنذ تلك الملاحظة أو النصيحة فهمت بشكل أفضل مغزى دور (الواقعية) في فهم الكتابة الإبداعية أعمق فأعمق.

وكان محقاً بالفعل فيما لاحظه، إذ كان جيلنا متأثراً إلى حد بعيد بالشطحات الرومانسية لدى القصاصين المصريين أمثال: إبراهيم الورداني وعبد الحليم عبد الله وآخرين، والكتابات الإنشائية المنمقة مثل أساليب المنفلوطي والزيات والرافعي. وعندما تابعت فيما بعد سجاله للطريق مع القاص والمسرحي المبدع سعيد تقي الدين أفادني ذلك كثيراً في فهم وجهة النظر لدى كل من الكاتبين الكبيرين على الرغم من أن أحدهما ـ وهو سعيد تقي الدين ـ كان ذا نزعة قريبة جداً من الحزب السوري القومي، في حين كان الدكتور سهيل بعكسه ميالاً للفكر القومي العربي، ولكن سجالهما الرفيع كان يحمل روح التفاهم العميق والإخلاص في فهم الآخر، ومعهما فهمت أيضاً معنى الضرورة في تطوير طرائق الأداء اللغوي المتحرر من المحسنات البديعية التقليدية.

وفي الوقت ذاته كنت مع عدد من رفاقي في رابطة الكتاب السوريين، التي تحولت بعد عامين من إنشائها، أي في عام 1954 إلى رابطة الكتاب العرب، هؤلاء الرفاق المتأثرين بالفكر الماركسي مثل سعيد حوارنية ومواهب كيالي وأخيه المبدع الساخر حسيب، إضافة إلى ليان ديراني وصلاح دهني ومصطفى الحلاج، الذي كان ذا ميول بعثية آنذاك ـ ولكنه انتسب إلى الرابطة، كنا جميعاً ميالين للنشر في مجلة (الثقافة الوطنية) ذات النزعة الماركسية. إلا أنني مع سعيد حورانية ومصطفى الحلاج آثرنا ألا نقطع مع (الآداب)، ذات النزعة القومية الوجودية، والتي كانت عهدئذٍ مضادة لأفكارنا السياسية اليسارية. وهكذا نجحت مع رفيقيَّ سعيد خاصة ومصطفى في حفظ نوع من التوازن في العلاقات الفكرية بين مجلتين عزيزتين على قلوبنا على الرغم من اختلافهما الفكري. وهذا ما رشحنا إلى عقد صداقة عميقة وطويلة ومؤثرة مع سهيل إدريس شخصياً، وخاصة بعد أن زرته في بيروت أكثر من مرة. وكان يستقبلنا في كل مرة بوجه بشوش قادر على الاستيعاب والإصغاء والتفهم، تلك الخصال التي رسخت في اعتقادي دور سهيل إدريس كرائد معتدل ومتعقل قادر على إشاعة التآلف بين المتناقضين وضمهم إلى صدره، وهي الخصال التي جعلت بالفعل من مجلته المنبر الأكبر والألطف في حمل رسالة الثقافة العربية المتجددة لسنوات طويلة ومن دار نشر الآداب الحاضن الأوسع صدراً لجذب الشعراء الشباب إلى جوار الروّاد القدامى.

وهذا واضح جداً في نوع الأسماء التي يمكن القول إنها انتمت إلى دار الآداب كلياً على الرغم من اختلاف الكاتب معها في بعض مواقفه الفكرية، مثل الروائي الكبير (حنا مينه)، الذي أصدر كل رواياته تقريباً ـ ما عدا الأوائل منها ـ عن دار الآداب. وهكذا نشطت هذه الدار مع نشاط حنا مينه بالذات. وصارت رواياته المتتالية الجذابة لعشرات الألوف من هواة القراءة تعبيراًَ ميدانياً رابحاً يؤكد قيمة العلاقة الصحيّة بين الكاتب الجماهيري الشهرة، والناشر الذكي، الأمين في تعامله المالي وفي قدرته على توزيع الكتاب والترويج له. ولا ننسى في هذا السياق أهمية علاقة نزار قباني، وهو الشاعر المقروء جيداً بدار الآداب في بداياتها وبداياته، حتى يمكن القول إن هذا الدار كانت نقطة انطلاق نزار نحو الشهرة الكبرى.

ما أكثر ما يقال في سهيل إدريس، ليس كشخص مبدع كتابياً، بل كظاهرة ثقافية عربية متطورة باستمرار وكرمز هام من رموز الثقافة المتقدمة بشجاعة في الدفاع عن الأصالة وعن حرية التعبير، حتى ليمكن القول إن غياب سهيل إدريس لن يكون قصيراً ومؤقتاً بل لعله الغياب الطويل والأكبر والذي يشبه غياب أم كلثوم وعبد الوهاب، هذين المبدعين الكبيرين اللذين لم يعوّضا حتى الآن.

النور