داخل التاريخ أم خارجه؟
داخل التاريخ أم خارجه؟
شوقي بغدادي
ما من شك في أن المعركة المفجعة الناشبة في غزة والتي تصفع عيوننا صوَرها منذ ثلاثة أسابيع تقريباً تعود مسؤوليتها الأفدح على الجانب الإسرائيلي. ولكن هذه الإدانة لا تقدم سراً لا يعرفه أحد بل فضيحة يعرفها سكان الأرض جميعاً، إنه منطق المبالغة في استخدام القوة والبطش. وهو منطق بات معترفاً به جداً في السنوات الأخيرة برغم كل ما يروّج عن التقارب البشري والسلام العالمي. ما نريد طرحه في مقالتنا هذه ليس هذه الإدانة فقط والاكتفاء بشتم العدو فحسب، ما نريد قوله أطروحة تتحمل (حماس) مسؤوليتها وحدها. إنها باختصار (أطروحة المقاومة): هل نقبل بإسرائيل ونتصالح معها كما صنعت مثلاً مصر والأردن وموريتانيا وقطر؟ أم نظل على رفضنا لها؟ قبول إسرائيل يعني الكف عن المقاومة، والاعتراف بالدولة المعتدية المغتصبة، وهو موقف إذلال لا ترضى به الكرامة الوطنية ولا الإنسانية. ورفض هذه المصالحة يعني بالضرورة الاستمرار في المقاومة حتى تحرير الأرض المحتلة وعودة اللاجئين إلى أراضيهم. غير أن المقاومة ـ كما يبدو لمنظمة حماس ـ صارت أكثر صعوبة، بل لعلها باتت شبه مستحيلة في الظروف السياسية التي جدّت على العالم أجمع، فلقد تحولت كل الحكومات العربية إلى حكومات موافقة ضمنياً على الوجود الإسرائيلي أو إلى حكومات ذات موافقة علنية، كما اختفى الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة التابعة له، وبالتالي صار صعباً جداً الحصول على أسلحة، إضافة إلى الانقسام الفلسطيني الداخلي ـ في حين ما تزال إسرائيل تجد دائماً العون المحتاجة إليه من حليفتها الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية الأخرى. فما العمل إذن في ظل هذه الظروف الجديدة العسيرة لأنصار الاستمرار في المقاومة؟ هل يتخلّون عن موقفهم المقاوم أم يستمرون به؟ الأطروحة التي وجدتها حماس في هذه الأوضاع الصعبة ـ كما نتصور ـ هو حشر الشعب الفلسطيني في غزة ـ أي مليون ونصف مليون إنسان ـ في مواجهة مفتوحة على كل الأخطار التي تشعلها حرب مجنونة مع دولة مدججة بالسلاح ومستعدة لارتكاب كل الحماقات، مواجهة مفتوحة تضع العالم أجمع ـ وفي مقدمتهم العرب ـ أمام مسؤولية إنسانية رهيبة لا يمكن تجاهلها: هل يسمح عالم اليوم بإبادة شعب بأكمله، أم لا بد من تدخل عالمي ينقذ السمعة العالمية على الأقل، فيوقف المجزرة ويدين المعتدي ويرد بعض الحقوق إلى أصحابها؟ هذا التدخل قادر وحده على إيقاف الفظاعة، وبالتالي جعل الحق الفلسطيني بالحياة الكريمة مطلباً ملحاً على الطاولة العالمية لا يمكن تجاهله. في تصورنا هذا نجد أن حماس لم تجد غير هذا الحل، فغامرت بتحدي الانفجار غير المتكافئ واستعدت لتحمله ـ عسكرياً على الأقل ـ مدة تكفي لإشعال الفضيحة ثم إطفائها عالمياً، وهذا معناه المغامرة بكل ما تملك حماس من طاقات، وبالمصير البشري لسكان غزة. فأين الخطأ أو الصواب في هذا التحدي المفتوح على كل الاحتمالات؟ الصواب ـ كما نتصور ـ هو في القدرة على تحمل الصدمة وإيذاء العدو بأكبر الخسائر، وهو عدو كما يقال لا يتحمل الخسائر الكبيرة. والرهان في الوقت نفسه على المساندة الشعبية العالمية، وهو ما نراه حاصلاً حتى الآن، فنشطاء حماس لا يزالون قادرين على إيذاء العدو ومراوغته، والمساندة الشعبية العالمية تزداد وتتضخم وتغدو رسمية أحياناً. أما الخطأ ـ في تصورنا دائماً ـ فهو في إمكان حصول خلل في حساب الأمور حاضراً ومستقبلاً، مما قد يؤدي إلى ما يشبه المقامرة وليس المغامرة أو المناورة. مقامرة بشعب كامل وبالتالي بكارثة إنسانية شاملة غير مسبوقة تعيد القضية الفلسطينية إلى الوراء، إذا لم نقل إلى نقطة الصفر ما دامت المساندة العالمية حتى الآن مقتصرة على المظاهرات الشعبية. هذا ما يمكن تصوره حول حاضر القضية في حال فشل المغامرة، أما عن مستقبل القضية ففي الحالتين: الربح أو الخسارة فإن النفوذ الإسلامي سوف يتأثر ويتراجع عن مده الحالي عموماً في حال الخسارة، وفي حالة الربح يخشى من تفاقم التعصب الديني واستشراء الاستبداد السياسي المدعوم دينياً في الأنظمة الحاكمة المقبلة المزهوة بنفح الانتصار. وأهم ما يخشى في اعتقادنا عالمياً إذا ما خسرت حماس المعركة هو تشويه الصورة الإسلامية واقتناع الرأي العالمي بفسادها المطلق، وهو مصير لا تريده حماس بالتأكيد ولكنها موعودة أو مهددة به. المعركة أكبر من كبيرة، وأرهب من رهيبة، وحساباتها مفتوحة بشكل محير وهي محتاجة فعلاً إلى من يراجعها ويعمل بها عندما يصل ميزان الحساب بين الربح والخسارة إلى حالة التكافؤ بين الكفتين على الأقل، وليس إلى حالة رجحان كفة على أخرى رجحاناً غير مدروس قد يؤدي إلى خروج العرب والإسلام من التاريخ نهائياً.