إستراتجية العاطفة.. تحرير الوعي
إستراتجية العاطفة.. تحرير الوعي
عبد الحفيظ بن جلولي*
يكفي لكي نعري العالم أن نعرض صورة واحدة لطفل يبكي فزعاً، وأخرى لشهيد يبتسم ترفعاً فوق كل حماقات العالم، وثالثة لامرأة ثكلى لكنها تصنع الصبر لأجل أن يموت العالم وتستمر القضية..
لقد قال احد المفكرين العرب إن الأمة العربية امة عاطفية وحتى عندما تفكر فإنها تفكر بالعاطفة، تأملت المقولة وفكرت هل هي بمثابة الذم أم المدح، بالنسبة إليّ لا هي هذه ولا تلك، إنها تقرر واقعاً، ولعل التفكير في موضوعة العاطفة في هذا المجال بعيداً عن الشروط التاريخية التي تفعل عناصرها، إنما يعيدنا إلى خانة البداية التي ترى فيها ذماً في حق الذات العربية، ولكن تناولها ضمن معطيات التاريخ يمنح الفكر زاوية أوسع لترتيب جدوى العاطفة في تحريك الفعالية الحضارية وخصوصاً عند حلول الأزمات هذا من جهة، ومن جهة أخرى يغير من مسار الرؤية للمفاهيم ذات الدلالات التغييرية.
إن العالم اليوم وهو يتفرج على ما يحدث في غزة إنما يعيد إنتاج مسرحية الخراب المثلج الذي يتفقده كلما أراد أن ينتصر للقوي ويطحن الضعيف.
ها هو العالم كله يبكي للمحرقة اليهودية، ولكنه يضحك على المباشر وعلى منابر المنظمة الأممية على ذقن الضحية غير مبال بالمشاعر ولا المصائر.
يحاكم الأحرار الذين شككوا في صدقية الأرقام بل ووجود المحرقة ذاته، ويسنّ القوانين لمعاقبة كل من يتجرأ على المساس بمشاعر السامية، يضرب حصاراً ثقافياً على رجاء غارودي والأب لولون، ويسير حافياً خلف المجزرة التي ترتكب ضد الأبرياء أصحاب الحق الأزلي والواقعي في غزة و في كل فلسطين، وكأنه يقول للصهاينة اقتلعوا هؤلاء الذين لا يمتّون بصلة إلى حضارتنا المسيحية اليهودية، فلن ينعموا بوجود..
أليس هذا هو الفكر الذي تسير عليه المنظومة الغربية التي وجدت أسانيدها المعرفية في صدام الحضارات لهنتينغتون ونهاية التاريخ لفوكو ياما ونظرية القوة لروبرت كيغان، فرفضت انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي خوفا من زحامها العددي
والعقدي لوجود أوربا العجوز، أليست تلك هي تطبيقات التطرف المعرفي المنظّر لإبادة الشعوب والضعفاء وكل من يخالف النظرة والتوجه الغربيين.
إن رد فعل تركيا عقب الاعتداء السافر والهمجي على غزة ليعبّر عن عميق الإحساس لدى كل من يضع يده في يد الغدر الصهيوني، بأن ما يقوم به ما هو إلا لعبة أطفال لا محالة أنها سوف تنتهي بكسر لا جبر بعده، ولا شك أن ردة الفعل التركية كانت بعد الشعور بالمهانة إزاء ما تعرضت له من احتقار موقفها والاستهزاء به جراء نقض الوعد الذي أخذته على المغتصب الصهيوني بالاستمرار في التهدئة، ليكون الوفاء بعد ذلك بالبدء في الإبادة مباشرة بعد أن افترق الفريقان، وهو وفاء على الطريقة الصهيونية.
عندما نحلل المواقف، ونراجع المبادرات، نقف على حقيقة لطالما لم نوليها حقها في حقل الدراسات الإستراتيجية، اعني بها العاطفة، حيث الموقف السياسي ينبني على الممالأة وموالاة المعتدي والتحفظ على مواقف الضحية بدعوى الموضوعية.
إن تحرير القرار الذي لا يستند إلى معطيات الوجدان القومي بفعل وحدة المصير واللغة والتاريخ والدين، وفقا للأسس المتعارف عليها في كل الديبلوماسيات، وخصوصا في مثل هذه المنعطفات الحاسمة في تاريخ الشعوب، لا ينتج أثاره المرجوة لأنه ينطلق بكل بساطة من بسط جناح الذل السياسي للمستكبر، وابسط آليات الوجدان القومي، المعاملة بالمثل، والضغط بما تمليه المصلحة السياسية، ومن هذه الناحية يمتلك العرب الكثير منها ولا اقل من ذكر سحب السفراء، استخدام سلاح البترول، التهديد بسحب الأموال المجمدة في البنوك الغربية..
إن غزة تتعرض لإبادة جماعية، وما زال الخطاب السياسي يلوك مصطلح "وقف إطلاق النار"، بما يعني المساواة بين الضحية والجلاد، ويجيّر ذلك التكييف القانوني لصالح المعتدي، في حين أن المجازر ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وانتهاك كافة حقوق الإنسان، وضرب الأعراف الدولية ومبادئ القانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن عرض الحائط، كل ذلك تمارسه إسرائيل في ظل حماية دولية لا نظير لها في تاريخ العلاقات الدولية.
إن الصليب الأحمر الدولي ينفقد وجوده في أراضي المحرقة الإسرائيلية، ويستمر ضرب العاملين والموظفين الذين يسعفون ويسيّرون المستشفيات، وهو ما يتناقض كلية مع اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين أثناء النزاعات الدولية المسلحة.
أيّ إنسانية بعد، بقي للعقل العربي أن يؤمن بها؟
أي تواصل إنساني يتمسك به الوجدان العربي بعد هذه المحرقة؟
أي علاقات تسوية وخارطات طريق، تبقى بعد ما يحصل في الداخل الفلسطيني؟
إن الذي يحصل في فلسطين وفي غزة بالتحديد لينمّ صراحة عن الحقد الدفين اتجاه كل ما يعبر عن شيء اسمه موقف مخالف لكل ما هو سائد، انه الموقف المقاوماتي المبني على حسابات العقيدة.
إننا مظطرون لان نصل إلى هذه الحقيقة ليس لمجرد العاطفة، والتي اعتبرها ضرورية لكي نصل إلى الموقف التحليلي/ألتفكيكي وليس مجرد ألتوثيقي المعلوماتي، قلت أصل إلى ذلك الموقف، لان المعطيات على الأرض تدل دلالة بينة على أن المقاومة لأجل استرجاع الأرض، النابعة من موقف الممانعة، الدائر على خط محور لا يساير المنطق العالمي الاحتوائي في كل أطماعه، إنما يفاوض ويناور ويمتنع إن تطلب الموقف ذلك.
هذا المحور أصبحت له فلسفة وأنصار ما فتئوا يتزايدون في العالم، ولعل موقف شافيز الأخير تعبير صارخ عن ولادة محور الكرامة، الذي يعيد للسياسة الدولية وجهها الضال المتمثل في تغييب عنصر العاطفة في كل الحسابات السياسية وتغليب مطلق الواقعية والموضوعية المرتكزتان على الحسابات المصلحية الآنية.
علينا أن نفرق كما قال يوما جهاد الخازن بين التقدم نحو الاختلاف المرجو والتقدم نحو التوافق المرفوض الذي تشتغل عليه العولمة، فكلنا نحبذ دمقرطة الشعوب، لكن كل على طريقته والتي ليست بالضرورة تشبه ديمقراطية اميريكا أو ديمقراطية الصهاينة.
*الجزائر