سعيد مراد.. الألطف والأكرم في ذكراه وقد رحل بعيداً.. (1 من 2)

شوقي بغدادي قرأها 6
  

سعيد مراد.. الألطف والأكرم في ذكراه وقد رحل بعيداً..

(1 من 2)

شوقي بغدادي

أتذكر شبابي بأكمله حين أتذكر سعيد مراد.

أتذكره بكل ما يعنيه الشباب من غليان في مناجم الروح، وتدفق في ينابيع العطاء، وإيمان في مسيرة الطموحات التي لا يرضيها إلا الأصعب والأسمى.

كان أصغر مني سناً، ولكنه كان يبدو بقامته المديدة الممتلئة وصوته الرجولي العريض أكبر منا جميعاً نحن شلة المثقفين التي جمعتها الخمسينيات تحت خيمة الأمل الكبير بعالم أطهر. كنا نلتقي في أي مكان نتواعد عليه، في بيوتنا، أو في واحد من مقاهي البلد الشهيرة كالهافانا أو الكمال أو الصفاء أو الروضة أو الرشيد أو فاروق أو .. وكم كانت كثيرة وحميمة مقاهي دمشق وحدائقها في تلك العهود، أو في مقر جريدة (النور) أو (النقاد) أو (الأسبوع)، وكم كانت أنيسة ومتنوعة صحف ومجلات ذلك الزمان فنتقارب ونتكاثر ونمنح الشارع الثقافي الوطني أجمل ما في الشباب من حيوية وثقة بأن مشاركتنا في تقريب ذلك العالم الأجمل لها جدواها المحقة، ولكن قبل كل هذه الشعارات كان لكل شخص في سلتنا المتكاثرة حضوره المتميز الممتع الذي لا يسدّه أحد غيره. فسعيد حورانية مثلاً كان الأقدر على تحمُّل السّهر الطويل العامر بالمناقشات والطيبات، ومحمد الحريري الأروع في ابتكار الفكاهة وتفجير الضحك من لا شيء، وحسيب كيالي الألطف في تطعيم الحوار بالنكتة الخاطفة في محلها والتعليقات الواخزة والساخرة، وعبد الله عويشق بالنقاش الفكري اللمّاح، ونصر الدين البحرة بالنوادر العجائبية على واقعيتها الصارخة، والتي كان يصوغها بأسلوبه الممراح، وإحساس سركيس برصانته ولباقته في النقد المهذب المشرب بثقافة عريضة عميقة، وحنّا مينه بصخبه ومرحه وقدرته على جمعنا في الملمّات والمسرّات، وصلاح دهني بأناقته الباريسية وكرمه في إقراضنا المال وعدم مطالبتنا بسداده، وغسان الرفاعي بقدرته الفطرية الخارقة على جعل أي حديث حول أي موضوع أشبه برحلة (أليس في بلاد العجائب)، ويوسف صيداوي صاحب الصوت الرخيم وعاشق أم كلثوم الأول.. وآخرون كثر كم أذكرهم ولا أعدهم.

في هذه الشلّة العامرة بالمواهب كان سعيد مراد يبدو أقدرنا على تنظيم هذه المواهب وتوظيفها في التهام الحياة الرفاقية الطافحة بالمغامرات وفتح المسالك المسدودة في الحوارات المغلقة أو المتعثرة كي يتحول المجلس في حضوره إلى نزهة مفتوحة على المفاجآت اللطيفة أو إلى منتدى فكري رفيع في توليد الخصوبة والتحريض على الابتكار والإبداع.

أتوقف الآن قليلاً كي أسيطر على أنفاسي المتلاحقة وأنا أستعيد ذكرياتي معه في كل هذه الميادين، فأراني غارقاً في فيضٍ منها لا أروع ولا ألطف، فما عساني أختار كي أعيد لكم سعيد مراد حياً وقد أبعده الموت، وأنهكتني أعباء العمر وخيباته، وأمضّني بحثي الخائب عن بديل للذين رحلوا وفي طليعتهم سعيد مراد فلا أجد أحداً. لقد مات من مات، وصارت هذه الأسماء الحبيبة التي أستعيد ملامح أصحابها وقد رحل معظمهم تبدو إنذاراً كابوسياً عن جيل رائع ينقرض بأكمله ولا يبدو أن أحداً يريد استرجاع مناخاته ورفع راياته وتجديد أحلامه.

خذوا مثلاً هذا الشاب المسمى (سعيد مراد)!

من أين لي أن آتي بشبيه لهذا الفتى الذي كانه في الخمسينيات؟! هذا الفتى الهابط علينا من حيِّه الشعبي في سفح قاسيون والقادر بجاذبيته الشخصية وحدها أن يغري حتى إحسان سركيس الحمصي الرصين بقبول المغامرة في مرافقتنا إلى نزهاتنا أو (سيراننا) على ضفاف بردى في أعماق (الربوة)، حيث كان سعيد مراد يقود كتيبتنا كالمأخوذين بسحر مشاريعه وسعة علمه في تنظيم هذه النزهات الجماعية الغفيرة العدد فيدبِّر المركبات الكافية لحملنا والرجوع بنا وتحضير الحمولات الثقيلة مما لذّ وطاب أكله وشرابه، وخاصة أصناف اللحوم التي كان وحده يعرف كيف يقتطفها من أطراف الخروف الطازجة الطرية يتخيّرها على مزاجه من عند لحام عريق في المهنة هو أحد أقربائه المتفاهمين معه جيداً وهناك نبسط خواننا ونشعل نيراننا ونعد طعامنا، فيرتفع دخان شوائنا، ويبدو سعيد مراد كالقائد الأوحد المشرف على إرضاء الجميع في كل مراحل السيران، حتى ليقول أكثرنا رصانة بصوت مدوٍّ: (ما عسانا كنا نصنع من غيرك يا سعيد؟)!.

ليس الطعام ولا الشراب ما يعنيني ذكره الآن في تلك الأعراس الشبابية الطافحة بالمزاج الطيب، وإنما هي روح تلك المبادرات التي كانت تذكرني ببعض المشاهد المرحة الصاخبة حتى العنف في بعض الروايات العالمية التي كانت تنشر مترجمة إلى العربية في ذلك الزمان الواعد، فتحرّض خيالنا وتذكي حماستنا حتى لكأننا أبطالها فيما كنا نصنع.

أذكر مثلاً في إحدى تلك (السيارين) مشهداً لا يبارح ذاكرتي حين أفلتت إحدى البطيخات التي حجزناها على طرف النهر كي تبرد، وكان الجريان السريع يجرفها بعيداً. فإذا بسعيد يقذف بنفسه على الفور إلى الماء بثيابه التي عليه، وكان المجرى عميقاً وسريعاً فاضطر للسباحة مع التيار ثم ضده كي يواجه البطيخة الهاربة، إلى أن التقطها فضمّها إلى صدره وعاد بها مظفراً إلى محبسها.

أذكر تلك الحادثة جيداً لأنني لحقت به كي أحمي ما تبقى من البطيخات، غير أن سعيداً كان الأبعد في تلك المغامرة التي عرضته للخطر عند أحد منعطفات النهر الصعبة، ولكنه تماسك وعاد بالغنيمة سالماً. وحين صعد إلى البر بثيابه التي كانت تقطر ماء كان يضحك عالياً وهو يقول: (وين بدك تهربي مني ياحلوة؟)!.

هذه الينابيع الفوارة التي كانت تتدفق من أعماق سعيد مراد في مجالس الأنس، كانت هي ذاتها التي كانت تغمرنا بحضوره الكافح بالبهجة والفضول المعرفي، إذ لم يكن يهل علينا في المقهى أو في أي مكان آخر حتى يبادرنا بجملة محرضة تحمل طابع المفاجأة والاعتزاز بسبق ثقافي، كأن يقول مثلاً: (قريتو الرواية الجديدة التي نشرتها دار اليقظة العربية منذ أيام؟) أو (شفتو الفيلم الذي تعرضه سينما (دنيا) أو (الفردوس) للمخرج..)، ويقول اسمه متلذذاً! وما يكاد يستقر به المجلس حتى يندفع النقاش حول الرواية الجديدة أو الفيلم الجديد، نقاش ساخن مليء كان سعيد يخوض فيه بكل جوارحه. فإذا ما شعر أن واحداً منا كان يعرف الموضوع المطروح جيداً صمت على الفور وراح يصغي له، حتى إذا استنفد أقواله فاجأ الجميع مرة أخرى بسؤال لمّاح عن السرد أو الإخراج أو التمثيل، كمن يريد جاداً أن يستوفي موضوعه في جلسة واحدة. وهكذا كان كبار الروائيين العالميين والمخرجين السينمائيين يطرحون على طاولاتنا لساعات نوغل خلالها في تحليل مزاياها بالروح المتعطشة ذاتها التي كان سعيد يذكيها في( السّيارين). ذلك أن حضور سعيد مراد وحده كان كافياً لإشعال الجلسة وقلبها إلى ندوة عامرة أو مهرجان صاخب خلاق.

كان لا بد إذن من أن يصنع سعيد مراد شيئاً ما يهزّ الشارع الثقافي الدمشقي، كأن ينهض بمشروع ثقافي كبير مع بعض من المبدعين الشبان من أترابه، وهذا ما حصل فعلاً في أواسط الخمسينيات، إذ أسّس سعيد مع بعض رفاقه الجامعيين مثل المرحوم (عز الدين قلق) ويعقوب كرو ـ مدّ الله في عمره ـ وغيرهما تجمعاً أدبياً سموه على ما أذكر (رابطة وحي القلم) وكان ذلك تجسيداً حياً لطموحات مجموعة من أصحاب المواهب الشابة في تعزيز الجو الثقافي السوري في دمشق على الأخص. وكان سعيد مراد في قلب هذا التجمع كما كان معنا نحن الأكبر منه سناً الأقدر على خوض غمار المغامرات المتنوعة التي تصنع من الحياة فرصة استثنائية من الحضور الإنساني الثري بوعوده وإنجازاته وإبداعاته.

غير أنها طموحات لم يكتب لها أن تعمّر طويلاً، إذ سرعان ما اعترضتها في مطلع عام 1959 تلك الحملة المريعة التي شنتها السلطات آنذاك على الحزب الشيوعي، فزجّت بأعضائه وأصدقائه في السجن وكان سعيد واحداً من ضحايا تلك الحملة الظالمة التي أورثته الأمراض وأدمت روحه المرحة. ولم يبرأ من هذه الصدمة إلا حين استطاع في عام 1969 السفر إلى موسكو حيث أتيح له أن يدرس النقد السينمائي في أرقى معاهده إلى حين عودته إلى الوطن عام 1980.

يتبع

Shawqi%20Baghdadi01.JPG